بحث



الجمعة 13 جمادى الأولى 1427هـ - 9 يونيو 2006م - العدد 13864

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الظاهرة الإنسانية والاتجاه غرباً!

عبدالله بن محمد السهلي
    إن المتأمل في الفكر الغربي المعاصر فيما يتعلق بالنتاج البشري في العلوم الاجتماعية والإنسانية يجد أنها وإن حققت شيئاً من النجاحات على أرض الواقع بالنسبة لمجتمعاتهم الغربية إلا أن ثمة إشكالاً كبيراً في نقلها إلى المجتمعات الإسلامية والعربية ويمكن إجماله في علاقة الأصول الفلسفية للعلوم بنتائجها وتطبيقاتها في شتى مجالات العلوم الإنسانية التربوية والإدارية والاقتصادية.

إذ لا يمكن بحال الفصل بين النظرية والتطبيق لأن الأخير ماهو إلا شجرة تمتد بجذورها في أعماق النظرية.

وإن هذا الأمر بالذات غائب أو مغيب عند كثير من المفكرين والتربويين والاقتصاديين ولذا لابد من تقريره كمقدمة لهذه المقالة.

ومن خلالها يمكن ان نتعرف على اسباب كثيرة من الجدل حول أهلية بعض العلوم الوافدة في مثل ما يسمى بالبرمجة اللغوية العصبية، أو غيرها من التطبيقات التربوية التي أكلنا وشربنا عليها ردحاً من الدهر، خذ على سبيل المثال البرجماتية الأمريكية وتأمل الطرح التربوي في العالم الإسلامي والعربي تجد ماهو إلا صدى لتطبيقاتها بل تجاوز هذا مجال التربية إلى الاقتصاد والأدب والإدارة. ولعل من ابرز اشكالاتنا وجدلنا بل ومعالجتنا لكثير من مشاكل المجتمع أننا نقع في فخ مناقشة التطبيقات أو الظواهر في المشكلات، ونغفل ونتجاهل - بل نجهل بمعنى ادق - معالجة ومناقشة الأصول سواء في الجدل حول أهلية العلوم أو معالجة مشكلاتنا المعاصرة، فتجدنا نتناول الظواهر والتطبيقات لتتفرغ بنا الأمور وتأخذنا بنيات الطريق وإن وجدنا علاج فهو كالمهدئات اليسيرة للحرارة او الصداع الذي يشكو منه مريض السرطان، إننا ما لم نصل الى أس المشكلة وجذورها فلا تنتظر قطع او استئصال ظواهرها.

ولذا لابد من تقرير أمور متعلقة بالنتاج البشري الغربي سيما في المجالات الإنسانية الاجتماعية وهو أن الغرب المتمثل في أوربا وأمريكا مر بثلاث حلقات متعاقبة زمانياً، الحلقة الأولى هي سيادة النص الشرعي - الوحي - وهذا هو الأصل وفيها جاءت النصرانية كديانة مؤقتة ليست خالدة، ولأن الله عز وجل لم يقدر لها الخلود لم يقدر لها الحفظ، وكل الرسالات قبل الإسلام كانت محددة زماناً واحياناً زماناً ومكاناً، ولكن النصارى ارادوا لها الخلود وان تحكم النصرانية الحياة في الوقت الذي لم تكن مؤهلة لذلك، ولم يكن السقف المعرفي واختلفت مع المفكرين سيما علماء الطبيعة، ثم ظهرت الثورة الفرنسية وأعقبها التقدم الملحوظ في جوانب العلوم الطبيعية مما أدى الى دخول اوربا باستثناء المجمعات الكنسية الى دخول في حلقة ضياع النص، حيث فرخت وعششت العلمانية اللادينية كردة فعل لهيمنة الكنيسة وانزلقت المجتمعات الغربية في مستنقع الرذيلة والانحلال في الجانب الاخلاقي اما الجانب القيمي العقدي فقد سرت موجة الإلحاد، يقول العالم الألماني نتشه «لقد آن للإنسان أن يفعل كل شيء لقد مات الإله ووجد السوبرمان»، بعد هذا الفراغ العقدي في حلقة ضياع النص، دخلت أوربا والغرب بشكل عام في حلقة تلمس البدائل في نسق علماني، وازدهرت الفلسفات الوضعية التي تحاول الإجابة عن الأسئلة والقضايا الكبرى في ظل تغييب وإقصاء الدين عن المساهمة في صياغة فلسفة الوجود، جاءت هذه الفلسفات بتعاقب زمني كل فلسفة ردة فعل لما سبقها «كلما دخلت أمة لعنت أختها» هذه اللادينية التي فصلت الدين عن الحياة أدت الى انطلاق العلماء والمفكرين بدون قيود وبدون ضوابط في جميع الميادين الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ولذا يمكن القول ان هذه العلوم خرجت من عباءة الفلسفة.

نتيجة لهذا الأمر تسارع إيقاع التغييرات الاجتماعية والاقتصادية على شكل الحياة المدنية بصورة فيها جوانب ايجابية فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية صاحبها تقدم مطرد للدول الغربية مما جعل الغرب برمته يربط بين التقدم في العلوم الطبيعية وبين العلمانية ممتطياً في ذلك الفلسفة الوضعية الطبيعية التي تتبنى حتمية قوانين الكون وجبرية العالم وما العلم - في نظرها - الا اداة لكشف هذه القوانين وتفسيرها ومن ثم التحكم بها سواء في ذلك العلوم الطبيعية أو الإنسانية، وتقدم الغرب في العلوم الطبيعية سائغ لتعاملهم مع الجماد والآلة المتحررة الذي لا يفرق بين الإنسان والآلة يزعمون فيه القدرة على ضبط المتغيرات وتحييدها وإخضاع الإنسان للتجربة - متجرداً من كرامته - والخروج بالنتائج وتفسيرها ومن ثم التنبؤ والتحكم به وبمعنى أدق السيطرة على الإنسان. هذه المنهجية الغربية في العلوم الإنسانية تم نقلها بحذافيرها الى العالم الإسلامي والغربي وما زال الأكاديميون التربويون منذ ما يزيد على عقدين يلوكونها ويجترون منهجيتها وتمتشق في التنظير لها الأقلام وتسود الصحف دون أدنى نظر أو تفكير!!

لقد اصاب محمد إقبال كبد الحقيقة عندما قال:

أرى التفكير أدركه خمول... ولم تعد العزائم في اشتعال

ومن أدرك هذه الحقيقة من الأكاديميين جانب الصواب في تلمس الحلول لها سيما فيما يسمى بأسلمة العلوم التي يكون فيها الأساس المنهج الغربي وغاية عملهم ان هذا لدينا في الإسلام!! وهذا جاء به القرآن! ثم تلوا أعناق النصوص لتتعانق أقوال ديكارت وسارتر مع أقوال السلف زعموا. وصرنا مع هؤلاء الأكاديميين التربويين بين أمرين احلاهما مر بين صنف مغفل يجتر ما تلقاه على موائد الغرب وصنف عرف الداء واخطأ الدواء ليصدق في هذين الصنفين قول الأول:

إن كنت لا تدر فتلك مصيبة.... وكنت تدري فالمصيبة أعظم

تعليقان
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

مقال فعلا رائع


موضوع تأصيلي رائع. شكراً للكاتب


منصور الشنيفي
ابلاغ
05:16 صباحاً 2006/06/09

 

الريض


السلام عليكم
الحقيقة موضوع يستحق ان يقراء لما فيه من التامل واعادة تمحيص في الدراسات السابقة.
اشكر الاستاذ عبدالله على هذا الطرح الرائع.


ناصر سليمان الهذال
ابلاغ
11:28 صباحاً 2006/06/10


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية