بحث



الجمعة 13 جمادى الأولى 1427هـ - 9 يونيو 2006م - العدد 13864

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


كيف يفكر علماؤهم؟ كيف يفكر علماؤنا؟ (إشكالية البيضة والدجاجة)!!

د. محمد عودة العنزي٭
    فجر البروفيسور البريطاني جون بروكفيلد من جامعة توتنهام في بريطانيا قنبلة مدوية عندما أعلن عن توصله إلى نظرية ترجح أسبقية البيضة على الدجاجة في تلك القضية الأزلية التي أصبحت مثالا على الجدل العقيم عند الشعوب وخصوصا شعبنا العربي المسلم العزيز، ولست هنا في مقام مناقشة تلك النظرية واثبات صحتها أو بطلانها ولكن لفت نظري وبشدة تلك التعليقات وردود الأفعال من بعض علمائنا الأفاضل على تلك النظرية، ردود الأفعال تلك أثارت قضية قديمة جديدة في نفس الوقت وهي قضية علاقتنا مع الغرب وكيفية تعاملنا مع الإنجازات العلمية الغربية وفهمنا القاصر عن كيفية إدارة الأبحاث في المراكز العلمية في الغرب، واسقاطاتنا النفسية الدائمة ومحاولة تفسير تلك الإنجازات بتفسيرات خاطئة وغير دقيقة تدل على جهل عميق بالواقع المعاصر ومشكلة خطيرة في عقليتنا وطريقة تفكيرنا.

فالعلماء في الغرب ينطلقون من مبادئ رئيسية ومهمة ولعل أولها هو عدم تقديس الأشخاص ووضعهم في مراتب عليا استثنائية فلا قدسية للفرد ولاكهنوت في الغرب فالجميع تحت المجهر وموضع النقد والبحث وهذا لا يتناقض مع مبدأ احترام الإنسان والإيمان بحقوقه فللأفراد الاحترام والمساواة وليس التقديس ونحن نعرف جميعا أن الثورة العلمية الحديثة في الغرب خرجت بعد صراع طويل مع الكنيسة التي كانت العائق الرئيسي امام أي تطور علمي وتقدم حضاري والأمثلة كثيرة في التاريخ ولعل أشهرها نظرية جاليليو عن الكرة الأرضية، ونحن نعرف جيدا أنه لا وجه للمقارنة بين الكنيسة والاسلام في هذا المجال فالكنيسة وقفت ضد العلم بينما الاسلام هو دين العلم والتطور والرقي.

ولعل سر هذه الثورة العلمية الغربية هو ايمانهم انه لا حدود للعلم ولا نهاية للمعرفة وأن النظريات العلمية هي نظريات صحيحة حتى يثبت العكس وأنها قابلة للتطوير والتعديل وأنه لا يوجد حقائق علمية مطلقة غير قابلة للنقاش والبحث والمراجعة فالعلم التجريدي الحديث هو العلم القائم على التجربة والملاحظة والبحث العلمي والبراهين فلا مكان للأيديولوجيات او الصراعات الفكرية فالعالم اليهودي والمسيحي والهندوسي والمسلم الذي يعيش في الغرب يتساوون جميعا داخل المختبرات والمراكز البحثية فالأيديولوجيا مكانها الحياة الخاصة وليس أماكن العمل.

العالم أو الباحث لا ينطلق من خلال موقف مسبق أو صراع شخصي او فكرة معينة يريد أن يثبت صحتها ولا يريد أن يغيرها بل ينطلق من خلال موقف حيادي للنظرية العلمية ثم يحاول اثبات او نفي تلك النظرية حسب المعطيات التي يملكها فاذا ثبت له بالبحث العلمي التجريبي صحة تلك النظرية فانه يتبناها مهما كانت تلك النظرية حتى لو كانت نظرية تافهة في نظر البعض او نظرية يدور حولها الكثير من الاشكاليات والاختلافات وما ان يتم نقض تلك النظرية التي آمن بها بعد فترة زمنية فإنه يقوم بتبني النظرية الجديدة بدون أن يعاند أو يكابر أو يحس بتضييع عمره ومجهوده بتبني نظرية غير صحيحة، المهم هو الاثبات بالطرق العلمية التجريبية فلا مكان للمجاملات والعواطف والصداقات داخل مراكز الأبحاث العلمية المرموقة، فليس عيبا تغيير النظرية أو اثبات خطئها بعد فترة زمنية بل يعتبر ذلك ميزة وضرورة أساسية من ضرورات العلم وإلا توقف العلم عند حدود معينة من الصعب تجاوزها.ومن المغالطات التي يرتكبها بعض العرب والمسلمين سواء رجال الدين أو رجل الشارع العادي هو الاعتقاد بأن العلماء في الغرب يدعون إلى الإلحاد وانهم يفنون حياتهم داخل معاملهم من أجل اثبات عدم وجود الله سبحانه وتعالى والحقيقة ان العلم الحديث لا يدعو الى الالحاد بل هو الطريق الى الإيمان وكثير من علماء الغرب هم في الحقيقة مؤمنون بوجود خالق لهذا الكون فالعالم هناك قد ينكر وجود الخالق اذا ثبت له بالبحث العلمي عدم وجوده ولكنه سرعان ما يغير رأيه ويعترف بوجود الخالق اذا ثبت له خطأ اعتقاده بل ان كثيرا منهم دخل في الدين الاسلامي ليس بسبب جهود الدعاة ولكن عن قناعة علمية وايمان قوي.

إن العلماء في الغرب لا ينظرون للنظريات العلمية من خلال منظار السخف والتفاهة فالعلم الحديث لا يفرق بين سؤال تافه في نظر البعض وسؤ ال مهم عند البعض فمجرد طرح السؤال هو بحد ذاته دافع قوي للبحث عن الإجابة فما هو تافه وسخيف في مفهونا هو مهم وكبير وجوهري في مفهوم هؤلاء العلماء فالحكم على النظريات والأفكار بالتفاهة هو حكم قاصر لأنه حكم نسبي يختلف باختلاف التعامل مع تلك النظريات، كما ان ما هو تافه اليوم قد يصبح مهما في المستقبل ونحن نعرف جيدا أن الكثير من الاختراعات والاكتشافات العلمية التي تنعم بها البشرية في هذا العصر لم تكن في بداياتها الا نتيجة لطرح أفكار وصف أصحابها في البداية بالجنون والتفاهة حيث ووجهت في بدايتها بمقاومة وهجوم شديد عليها ولو لم يتبن العلماء تلك الأفكار الصغيرة لما خرجت من داخل رحمها الأفكار الكبيرة ولكن العلم الحديث يرتب الأولويات فالقضايا التي تتعلق بحياة البشر المباشرة مقدمة على الأسئلة النخبوية او الفلسفية التي لا يهم كثيرا الاستعجال في الإجابة عليها فسؤال البيضة والدجاجة هو سؤال مطروح منذ زمن طويل فلا يهم كثيرا معرفة الاجابة في أسرع وقت ممكن بينما الأبحاث العلمية المتعلقة مثلا بالسرطان أو الأمراض المستعصية او السلامة هي من الأولويات التي ترصد لها الميزانيات الضخمة.

ومن المغالطات الأخرى التي يتبناها البعض منا هي أن العلم الحديث لم يتوصل إلى إجابات لكثير من الأسئلة المطروحة في الحياة البشرية واعتبار ذلك عيبا ونقيصة يستخدمها البعض للتهجم على الآخرين والحقيقة أن عدم وجود إجابات للعديد من الأسئة المطروحة يعتبرا ميزة وليس عيبا في العلم الحديث او نقصا في البحث العلمي أو تخاذلا من العلماء بقدر ما يعني أن هذه الأسئلة هي الآن تحت المجهر وموضوع النقد والبحث الدائم والمستمر ومتى توصل العلم الحديث للإجابة عن العديد من الأسئلة المطروحة اليوم ظهرت لنا أسئلة جديدة في المستقبل بحاجة إلى إجابات أخرى وهكذا في عملية ديناميكية وسلسلة متواصلة من التساؤلات والتفكير الدائم والمستمر ووجود أسئلة دائمة هو ميزة من مميزات العلم الحديث فالتساؤل الدائم وتحريك العقل هو أرقى صفات الإنسان الحديث وليس العكس كما يتوهم البعض.

إن إشكالية التفكير لدينا بهذه الطريقة هي أحد أهم أسباب تخلفنا ووقوعنا في مؤخرة الأمم فلا يجب علينا التسرع باصدار الأحكام الجاهزة والمعلبة والتهجم على الآخرين بمجرد أن تلك النظريات لا تتفق مع أهوائنا ورغباتنا او أنها تتعارض مع السائد لدينا، فالاكتشافات العلمية هي في خدمة البشرية وليس العكس ونحن من نخسر بتشكيكنا في إنجازات الآخرين فنحن بكل أسف لا نعرف الا الصياح والنباح واللعن والشتم والتذمر اما العلم اليوم فقد تجاوز مرحلة الصياح إلى مرحلة العمل فيجب علينا تدارك هذا الوضع الخطير وتربية الأجيال على الطريقة العقلانية السليمة للتفكير والتعاطي مع الآخرين وتغيير مناهج التعليم لجعلها تساهم بإنتاج جيل قادر على الابتكار والمساهمة في الحضارة الإنسانية ولا يتم ذلك الا بالبحث عن جذور المشكلة وأساسها التعليم المتخلف في البلاد العربية والإسلامية الذي أحد أهم نتائجه سلب عقل الانسان وجعله تابعا للآخرين يفكرون بالنيابة عنه.

٭ طبيب استشاري


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية