د. حمد بن عبدالله اللحيدان
إن الصراع ضد العدو الغاصب لا يأتي إلا من خلال العمل السري والمقاومة التي تأخذ بجميع الخيارات المتاحة ويدخل في ذلك الخيارات السياسية والعسكرية بصورة تتكامل مع بعضها البعض
لقد خلق الله الإنسان وجعل فيه غريزة المقاومة وحب الحياة ذلك أن الحياة في حد ذاتها صراع من أجل البقاء أي أنها مقاومة للعدم والفناء لذلك نجد أن الإنسان منذ الأزل قاوم ضراوة الطبيعة وقسوتها وحاول تطويعها مستخدماً ما أودعه الله في فطرته من ذكاء وحب للبقاء ناهيك عن مقاومته للوحوش والهوام ومع زيادة عدد البشر وتنافسهم بدأ الإنسان يقاوم ظلم وتجبر الناس لبعضهم البعض ناهيك عن تطلع بعضهم إلى السيطرة على الآخرين سواء جاء ذلك من أفراد أو جماعات أو حتى قبائل أو دول وتدرج الأمر حتى وصل إلى ما هو حاصل في عصرنا الحالي من هيمنة الأقوياء على مقدرات الشعوب ومستقبلها وبالتالي ضياع للضعيف غير الحصيف.
لقد كانت الحروب ظاهرة ملازمة للمجتمعات البشرية منذ الأزل وسوف تستمر إلى الأبد ومن ذلك حروب الغزو والفتح والاحتلال وقابلتها بالضرورة حروب الدفاع عن النفس والأرض والمتاع. وعلى أي حال فإن الإنسان مخلوق ازدواجي يجمع في طيات نفسه كلا من عوامل الخير والشر وهما في صراع دائم يصنف الإنسان على أساس أي الصفتين تكون غالبة لديه. لذلك جاءت الأديان السماوية ثم التشريعات الإنسانية المتحضرة لتوجيه الإنسان إلى الأخذ بالصفة المطلوبة وهي صفة الخير. إن الازدواج في الطبيعة البشرية هو الذي أثر ويؤثر على النظام الإنساني لذلك نجد أن شعوب الأرض في صراع دائم ضد عوامل التسلط والاستبداد والاحتكار والاستعمار والاحتلال وما يحدث في فلسطين والعراق وكشمير ومناطق كثيرة من العالم إلا نماذج واضحة للصراع بين صاحب حق مشروع ومحتل غاشم وما الاحتلال الإسرائيلي أو بالأحرى الاستيطان الصهيوني واجتثاث شعب فلسطين من أرضه ومصادرة ممتلكاته واحلال اليهود مكانهم وهم الذين يتم تجميعهم من مختلف بقاع العالم والذين تم صنع وطن قومي لهم على حساب شعب له تاريخ وجذور وانتماء وارتباط في تلك الأرض وهو الشعب الفلسطيني.
لذلك وفي وجه ذلك الظلم الفاضح هب الشعب الفلسطيني يقاوم ويكافح الهجمة الصهيونية منذ بداية القرن العشرين بثورات متواصلة لا تهدأ واحدة حتى تبدأ الأخرى إلا أن اليهود وبدعم ومؤازرة من المنظمات الصهيونية العالمية كانوا أقدر على التنظيم وأقدر على الدسيسة وأقدر على التآمر وذلك منذ مؤتمر بال في سويسرا عام 1897م وربما قبل ذلك التاريخ أما الفلسطينيون فظلوا يعتمدون على أنفسهم وعلى قليل جداً من الدعم الخارجي ومع ذلك ظلوا يؤرقون ليل العدو ونهاره. إلا أن مشوار كفاحهم ونضالهم ظل يجهضه عدد لا يحصى من المعوقات خارجية وداخلية ومن أهمها الخلافات الداخلية وعدم الاتفاق على الوسيلة وربما الغاية في بعض الأحيان. فبدلاً من التكامل بين التنظيمات المختلفة واستخدام التعددية للمناورة والمراوغة والحصول على أكثر قدر ممكن من الدعم والميزات التفاوضية ناهيك عن تعددية الاتصالات مع الأطراف العربية والدولية المختلفة إلا أن الظاهر على السطح هو أن تلك المنظمات تعكس تنافس الشخصيات القيادية فيها لبعضها البعض على حساب الهدف الأسمى وهو مصلحة الشعب الفلسطيني والذي يتمثل في تحرير الأرض وحماية المقدسات واستعادة الحقوق وكسب الرأي العام العالمي. إن الصراع ضد العدو الغاصب لا يأتي إلا من خلال العمل السري والمقاومة التي تأخذ بجميع الخيارات المتاحة ويدخل في ذلك الخيارات السياسية والعسكرية بصورة تتكامل مع بعضها البعض. إن أهم مظاهر الخلل والمعوقات التي تقف حجر عثرة أمام المقاومة الفلسطينية تظهر في عدد من النقاط لعل من أهمها:
٭ قلة الدعم الذي تتلقاه المقاومة من قبل الدول العربية وهذا بسبب الفرقة العربية وخضوعها للابتزاز والاحتكار الصهيوني المسيطر على مقدراتها العامة والخاصة وكذلك ضحية أيضاً لشركاتها الاحتكارية التي تخضع للتحكم الصهيوني أيضاً هذا من جانب ومن جانب آخر نجد أن عدم اتفاق المنظمات الفلسطينية على سياسة متوازنة غير متناقضة تأخذ بعين الاعتبار مصلحة الشعب الفلسطيني أولاً وأخيراً وابتعادها عن الخلافات البينية والخلافات العربية مما جعل تناقضات تلك المنظمات صورة مصغرة للخلافات العربية ناهيك عن طغيان العاطفة على المشاعر بدلاً من طغيان العقل عليها في كثير من الأحيان ناهيك عن أن المقاومة محاصرة من داخل الحدود وخارجها وللاسف أن الذي يحاصرها خارج الحدود هي الدول العربية نفسها.
٭ قيادات المقاومة الفلسطينية مكشوفة للقاصي والداني فكوادر كل منظمة وعناصرها القيادية معروفة أسماؤهم ومواقع سكنهم وحتى هواتفهم وأرقام سياراتهم وتحركاتهم مما يسهل على الصهاينة اغتيالهم والتعامل معهم أولاً بأول مع أن من أبسط بديهات المقاومة أن تكون عناصرها القيادية غير معروفة وتعمل بسرية تامة تحت الأرض بالإضافة إلى قدراتها على التلون والتخفي والمراوغة وغير ذلك مما هو معروف لدى حركات التحرير في كل مكان وبسبب ذلك الخلل في قدرة تلك المنظمات نجد أن بعض قياداتها أصبحت صيداً سهلاً لطائرات العدو ودباباته وجنوده الذين ينتشرون في الأرض مثل الجراد والذين يسهل صيدهم من قبل أبسط أنواع المقاومة المنظمة المدربة التي تتخذ من السرية منهجاً لها في التعامل مع العدو الغاشم. وتكون لها القدرة على الاستمرار في المقاومة ولقيادتها السياسية القدرة على المناورة والاتصال الذي بدأ بالتدهور والاضمحلال في الاونة الأخيرة ويظهر ذلك من خلال شبه انقطاع للتواصل الفلسطيني مع الدول الأخرى بصورة ملفتة للنظر منذ احتجاز السيد ياسر عرفات (رحمه الله) في رام الله فعندما كان طليقا كان كل يوم يتوجه إلى بلد إلى درجة انه كان يعيش في الطائرة أكثر مما يعيش على الأرض ومنذ محاصرته وحتى الآن بعد تولي الرئيس أبو مازن محمود عباس تكاد تقول إن تلك الحركة الدائبة للاتصال بالعالم الخارجي وشرح وجهة النظر الفلسطينية توقفت وكأن الأمر معلق برجل واحد هو رئيس السلطة الفلسطينية أليس الأجدر بالأمر أن تصبح الوفود الفلسطينية أكثر والممثلون الفلسطينيون الذي يجوبون الأرض أكبر عدداً وأكثر تأثيراً خصوصاً أننا نجد في المقابل كثرة حركة أركان الحكومة الإسرائيلية للدول المختلفة السرية والعلنية لشرح وجهة نظرهم وإقناع الآخرين بها رغم أنها مبنية على الظلم والغطرسة والقتل والتآمر والتدمير.
٭ حتى المقاومين والاستشهاديين لم يسلموا من كشف هوياتهم وإعلان أسمائهم وإظهار صورهم وذكر مدنهم وتحديد مكان سكن ذويهم وخير شاهد على ذلك أن أي عملية مقاومة أو عملية انتحارية تتم يتم الإعلان خلال فترة وجيزة عن من تبناها واسم الفاعل وعمره وتوزيع صورته ورقم هويته واسم مدينته ومكان سكنه وكأن الذي حرر الخبر يقول لسان حاله أيها الإسرائيليون اذهبوا إلى أهله وشردوهم وعاقبوهم وأهدموا بيوتهم واعتقلوا أصدقاءه. إن مثل ذلك الأسلوب لم يعهد في أي مقاومة عرفها الناس وخير شاهد على ذلك المقاومة العراقية التي أفزعت جيوش التحالف في العراق والتي تدور هناك منذ احتلال العراق ولم نسمع مرة واحدة عن اسم الفاعل أو التنظيم المدبر إلا الزرقاوي الذي تشم رائحة العمالة من تصريحاته. وكذلك الحال في جميع حركات التحرير الوطنية في دول عديدة وربما على مر التاريخ بالإضافة إلى أن القيادات العسكرية دائماً ما تكون في الظل ولكل منها بديل مناسب وهي دائماً تتكامل ولا تتنافس إلا في سبيل المصلحة العليا للأمة وليس في مجال الظهور الإعلامي والشهرة الشخصية.
٭ هناك بعض الأسلحة التي استطاع الفلسطينيون إنتاجها محلياً مثل صواريخ القسام والتي تعتبر صواريخ بدائية وفي كثير من الأحيان تأثيرها محدود جداً إذاً لماذا لا يتم الاتجاه إلى صنع سلاح أكثر فعالية مثل القذائف المضادة للدبابات وغيرها من الأسلحة التي يمكن أن تضرب الدبابات الإسرائيلية التي تنتشر كالجراد في الشوارع والأحياء ناهيك عن عدم شيوع ظاهرة المقاومة بواسطة القناصة المحترفين.
٭ نعم إن المقاومة مشروعة بكل الوسائل ضد العدو المحتل ولكن يجب أن يتم استخدام تلك الوسائل بصورة تصاعدية تبدأ بالقنص والكمائن وتكبيد العدو خسائر عسكرية في الرجال والعتاد ثم شن هجمات فدائية على المستعمرات بالوسائل المتاحة ثم يكون الحل الأخير اللجوء إلى العمليات الانتحارية وعند الضرورة القصوى وضد أهداف عسكرية إن أمكن وأن تكون العمليات تكاملية. إن أسلوب المقاومة بالعمليات الانتحارية قد يعطي للعدو مصداقية ومبرراً أمام الحكومات والشعوب الأخرى خصوصاً مع غياب الإعلام العادل الذي يجعل الشعوب والحكومات الأخرى تتعاطف مع ذلك الكفاح المشروع والذي لن يثني العدو ويرغمه على التسليم بالحقوق سوى الكفاح المدعوم بالإعلام النزيه.
٭ نعم إن إسرائيل قد حيدت بعض الدول العربية باتفاقيات السلام وقامت من خلال الولايات المتحدة الأمريكية بتحييد دول عربية أخرى عن طريق الضغط والابتزاز وتوجيه تهمة الإرهاب التي أصبحت وسيلة تلصق بكل من لا تتوافق وجهة نظره أو مصلحته مع إسرائيل وحاميتها أمريكا ولم يسلم من ذلك حتى المنظمات الفلسطينية التي يبرر وجودها وكفاحها المنطق والحق والتشريعات السماوية والبشرية. إن الحق يزهق هذه الأيام بالباطل وكأن الحق لا نصير له وأمم الأرض لا تستطيع الحراك. إن المؤامرة التي تتم هذه الأيام ضد الشعب الفلسطيني لن تكون الأخيرة فشعوب المنطقة كلها على القائمة وقد بدأ التنفيذ على أرض الواقع في العراق على يد الأمريكان والبريطانيين، نعم إن صدام يستحق أن يزال لكن العراق يستحق أن يبقى مستقلاً يحكمه أبناؤه ويستحق أن تحمى ثرواته ومحارمه ليس هذا فحسب بل أن العد التنازلي بدأ ضد سوريا فعلا وفي الظاهرة ضد إيران أيضاً. إن اتفاقيات السلام يجب أن تستعمل سلاحاً ضد إسرائيل وليس سلاحاً في يد إسرائيل لأن التهديد بالانسحاب من تلك الاتفاقيات أو تجميدها سوف يسقط ورقة رئيسة من يد إسرائيل التي تستعملها الآن من أجل التفرد بكل دولة عربية على حدة على غرار ما فعل الأسد بالثيران الثلاثة كما تروي القصة المشهورة. إن أوراق إسرائيل مكشوفة نواياها معلنة وغطرستها بلغت الزبى ولكن الخصم العربي مسجى وغير قادر على الحراك.
٭ إن شتات الكفاح والمقاومة الفلسطينية أسبابها عديدة ولا تحصى فبعضها مفروض من الخارج من قبل جهات عديدة وبعضها ناتج عن عدم الارتقاء إلى مستوى التحدي واستشعار الخطر من قبل التنظيمات الفلسطينية، كما هو الحال مع بقية الدول العربية التي لا زالت تستنكر وتحتج وتشتكي وتتظلم وتطالب بالعدل من غير أهله وتلجأ إلى المنظمات الدولية التي أصبحت لا تعدو سكرتارية لتنفيذ ما ترغب به الولايات المتحدة الأمريكية والمنحازة إلى إسرائيل إلى درجة أنها تحافظ على مصالح ذلك الكيان أكثر من محافظتها على مصلحتها هي. إلا أن أهم معالم ذلك الشتات ناتج عن الانشقاق والخصام والتنافس غير المثمر بين والمنظمات والقيادات الفلسطينية.
٭ إن الغرب بصفة عامة والولايات المتحدة بصفة خاصة يتشدقون بالديمقراطية ليل نهار. ليس هذا فحسب بل أن أمريكا بدأت تجلب الديمقراطية المزعومة على ظهور الدبابات وقذائف المدفعية ورؤوس الصواريخ كما حدث في العراق وأفغانستان وكما هو مخطط له أن يحدث في لبنان وسوريا وغيرهما من بلاد الشرق الأوسط التي لا تطبق الديمقراطية بالمقاييس الأمريكية، وأقول بالمقاييس الأمريكية لأن أي ديمقراطية أخرى وإن كانت نظيفة مائة بالمائة فهي مرفوضة وخير شاهد على ذلك أن منظمة حماس الفلسطينية وصلت إلى الحكم بالديمقراطية والتصويت النظيف وبشهادة كل الأطراف ومع ذلك تحارب وتحاصر وتملى عليها شروط. إذاً الديمقراطية التي يريد الغرب تطبيقها هي تلك التي توصل العناصر الموالية له والمنفذة لمخططاته، إذاً الديمقراطية لديهم لها مواصفات ومقاييس لا يجوز للآخرين الخروج عن دائرتها. والغبن أن نجد من ينفذ مبتغاهم من أصحاب القضية المعنيين بها أكثر من غيرهم.
٭ إن تقاسم العمل بين المنظمات الفلسطينية هو المطلوب بحيث يلعب بعضها دور الحمائم والبعض الآخر دور الصقور وأن تكون متفقة من الباطن وعلى خلاف في الظاهر وذلك أن الغاية السامية للجميع واحدة. ومثل هذا الأسلوب تلعبه الأحزاب المختلفة في إسرائيل فهناك حزب الليكود المتشدد وحزب شاس الديني، وحزب العمل المعتدل وغيرها من الأحزاب التي ظاهرها وطرحها مختلف وجوهرها وهدفها واحد وخير دليل على ذلك أن الاختلاف في سياسة إسرائيل سواء حكمها بن جوريون أو جولدا مائير أو مناحيم بيجن أو شارون أو نتنياهو وحتى شمعون بيريز. وهم من أحزاب مختلفة فالكل ارهابيون متمرسون يجيدون اللعبة العسكرية والسياسية ولم نعهد يوماً أن رفعوا السلاح بوجه بعضهم البعض فكل خلافاتهم الداخلية تحل بالطرق الدستورية، أما الفلسطينيون فإن الخلاف في الآراء يتحول إلى اشتباك بالسلاح وتخوين لبعضهم البعض مع أن القضية قضيتهم والظلم والتهديد يقع عليهم وأي خلاف بينهم يجير لصالح العدو وأجندته وأهدافه.
٭ نعم إن الاختلاف بين الأشخاص غلب على مصلحة القضية حتى أن الشقاق مع حكومة حماس ومحاولة تحجيمها وإفشالها والعمل على اسقاطها من الداخل يسير جنباً إلى جنب مع الحصار الخارجي. إن جميع الأطراف الفلسطينية المتنافسة مخطئة، فالسلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس يجب أن تقبل بكل طروحات ومطالب الجانب الإسرائيلي وحكومة حماس يجب أن تكون أكثر دبلوماسية ومقدرة على الإمساك بأكثر من حبل من حبال اللعبة السياسية، نعم أقول اللعبة السياسية والإعلامية هي التي أصبحت المحرك والمهمين على مجريات الأمور محلياً وعالمياً.
٭ لا شك أن المهمة كبيرة وصعبة أمام القيادات الفلسطينية ولكن هذا قدرها وهذا مصيرها لذلك يجب أن تشكل سياسات المنظمات الفلسطينية قاسماً مشتركاً للوفاق العربي وليس صورة مكبرة للخلافات العربية، وذلك لضمان الحد الأدنى من الدعم المادي والمعنوي في غياب العدل الأممي وسيطرة النظرة الصهيونية على قرارات الدول الفاعلة منها.
٭ في الحقيقة أن لا أحد يستطيع أن يستعيد حقوقه أو يدافع عنها وهو في خلاف وشقاق مع نفسه. أن أكبر مكسب ونجاح يستطيع العدو تحقيقه هو عندما يدب الخلاف والشقاق بين أصحاب القضية. ولذلك فإن من أهم أسلحة العدو الفعالة هو بث روح الفرقة، والتنافس غير الشريف، واحياء عناصر الخلافات المذهبية والدينية والطائفية والعرقية وغيرها من العناصر التي إن لم توجد خلقت لهدف محدد وهو الاقتتال الداخلي والبيني بعيداً عن ساحة المعركة الحقيقية. والله المستعان.
hluhaidan@alriyadh.com