تنفرد الشريعة الإسلامية عن غيرها بمصادرها وأصولها ونظرتها للحياة، حيث جاءت شاملة متكاملة منظمة لعلاقة الإنسان في هذه الحياة بالخالق عز وجل بما يسمى بالعبادات، وعلاقته بأخيه الإنسان في جوانب المعاملات وحددت أعظم المبادئ الإنسانية في تحقيق المساواة بين البشر باختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم وتنوع ثقافاتهم إذ لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، كذلك نظمت علاقة الإنسان المسلم بالآخر مراعية الحقوق الإنسانية العظيمة فلا إكراه في الدين وجعلت للمعاهد وأهل الذمة حقوقاً في الشريعة الإلهية {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} وحتى تتحقق خلافة الإنسان في الأرض لابد أن يكون هنالك اجتماع بين أفراد البشر في إقليم معين يحتاجون فيه إلى تنظيم شؤون حياتهم وفق شريعة الله سبحانه مما يستدعي وجود حقوق متبادلة بين المجتمع ومن يقوده امتثالاً لأمر الله واقتداءً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تنظيم شؤون الدولة الإسلامية، فالطاعة من حقوق ولي الأمر الواجبة على الرعية إلا في معصية الله فلا طاعة له.
ولقد أكدت الشريعة الإسلامية على السمع والطاعة لولي الأمر لقوله تعالى {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} فحقوق الدولة على الرعية قد أولاها الشرع اهتماماً كبيراً ليتحقق بذلك أمن وسلامة المجتمع واستقراره وقد نهانا عن الخروج على السلطان وبعدم إثارة الفتن وتهييج العامة فإن هذا ليس من الإسلام في شيء ويكون النصح لولاة الأمر بما شرعه الإسلام وبيّنه وأن يكون غرض الناصح أولاً مراضاة الله وحبه لخير الأمة والدعاء لهم بالخير قال الإمام البربهاري رحمه الله إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فأعلم أنه صاحب هوى وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان فأعلم أنه صاحب سنة، لذا وجب نصرتهم في غير معصية، وبعد حصول الدولة على حقوقها من رعاياها ينبغي عليها أن تقوم بواجباتها تجاه الرعية، مثل حفظ الدين وتقدير العلماء وتحقيق العدل قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} ونشر العلم والتوسع فيه بمختلف مجالاته باعتباره الأساس الذي يرفع من شأن الأمة، والتصدي للعابثين والمتلاعبين بالعقيدة وأصحاب التطرف والأفكار المنحرفة وأهل الدجل والشعوذة وضربهم بيد من حديد وعدم السماح لهم بتلويث أفكار الناس ومحاربة الفقر والاهتمام بصحة الإنسان وبيئته وتوفير سبل العيش الكريم وتوظيف الأيدي العاملة كل في مجاله وفق مقدراته ومؤهلاته من أجل النهوض بالبلاد وتحقيق التنمية الاقتصادية واستثمار العائدات بما يحقق مصلحة الوطن والمواطن معاً.
ونعتقد أن شريعتنا الغراء لم تترك كبيرة ولا صغيرة إلا تناولتها بالبحث والتمحيص فأوضحت لنا الحقوق والواجبات، فلم تنكر علينا حقنا في الحياة فهذبت غرائزنا بتنظيم العلاقة الزوجية وصيانة حقوق الإنسان المادية والمعنوية وجاءت بالجملة بحفظ الدين والدنيا، فنظمت شؤون الفرد والمجتمع والدولة من خلال نظام متكامل لا يتعارض مع الحياة المدنية الحديثة وتنظيم شؤون الإدارة وسياسات الدولة وحماية الرعية وتحديد علاقتها بالأفراد وعلاقة الأفراد فيما بينهم وعلاقات الدولة الخارجية، وتحقيق الأمن من خلال تطبيق الشرع والنظام على الخارجين عليه وفقاً على نوعية الجرائم والمخالفات المرتكبة والعقوبات المنصوص عليها سواء كانت حدية أو تعزيرية واضعة بذلك حدوداً لِهَيبة الدولة وسيادتها وسيطرتها على زمام الأمور بما يحقق مصلحة المجتمع.
ونخلص إلى أن حاجة الناس للشريعة أعظم من حاجتهم للهواء والماء والغذاء، وبحمد الله قامت بلاد الحرمين - حرسها الله - على الشريعة الإسلامية بفضل الله عز وجل ثم بجهود المخلصين من أهل التوحيد وليس المبتدعة وأهل الزيغ والضلال!!، وستبقى بإذن الله عزيزة منتصرة ظاهرة آمنة مطمئنة ما دامت متمسكة بهذا الدين رغم حقد الحاقدين وكيد الكافرين حفظ الله لهذا الوطن وأهله نعمة الأمن والإيمان، ونعتقد حقا أن الشريعة لا تتعارض مع الإصلاح والتجديد النافع والمفيد طالما أن ذلك لا يتعارض مع ثوابت العقيدة والدين ووحدة الوطن وقيادته.وأما ما يزعمه الآخر من أن المؤسسات الدينية في المملكة العربية السعودية تقف أمام الإصلاحات، فنقول إن الشريعة الإسلامية ترحب بالإصلاح للأفضل وليس العكس، وطالما أننا مختلفون في تحديد المقصود بالإصلاح، فلننظر في أحوال البلاد المماثلة والتي لا يوجد فيها مؤسسات دينية تعارض الإصلاح من وجهة نظر الآخر ماذا عساها نالت من الإصلاح سوى المزيد من المسابقات والمغنين والمغنيات، وانحلال البنين والبنات، نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأن يوفق ولاة أمرنا لما يحب ويرضى.
alrakad@alriyadh.com