فتح محمد الفايز وزير الخدمة المدنية النار على مخرجات التعليم في بلاده، والتي قال عنها انها لا تتناسب مع احتياجات المرحلة الحالية للبلاد، وبرر عدم توظيف خريجي الجامعات السعودية في بعض التخصصات إلى عدم مواكبة مخرجات التعليم الجامعي لاحتياجات التنمية في البلاد، لافتا إلى أن وزارة التخطيط أضناها التعب وهي تنادي وزارة التعليم العالي بضرورة توافق مخرجات الجامعات مع مستجدات المرحلة.
ما ورد بعاليه هي تصريحات أدلى بها الفايز خلال رعايته للاجتماع السنوي الثامن لمديري وقيادات معاهد ومدارس الإدارة العربية، فما الذي نفهمه من هذه التصريحات؟!، كنظرة أولية نستطيع القول ان هذه التصريحات تدل على وجود أزمة كبيرة بالفعل، فما معنى أن يهاجم شخص بمنصب الفايز جهة حكومية كوزارة التعليم العالي إلا إذا بلغ السيل الزبا!!، ولكن يجب ملاحظة أن كون هذه التهم الموجهة إلى وزارة التعليم العالي صحيحة لا يُعفي وزارة الخدمة المدنية من المسؤولية الملقاة على عاتقها حيال مشكلة البطالة خاصة في صفوف حملة الشهادة الجامعية، وما قصة حملة شهادة دبلوم اللغة الإنجليزية عنا ببعيد.
مهما كان السبب الحقيقي وراء هذه التصريحات فإن النتيجة المؤسفة واحدة وهي شباب أمضوا سنوات طويلة من أعمارهم في الدراسة ليحصلوا على شهادة جامعية ليست لها أي قيمة عملية إلا زيادة جيش العاطلين عن العمل، الذي أصابته التخمة فلم يعد مستعدا لاستقبال المزيد من الخريجين، أو أن تُوضع في ملف أخضر علاقي يمكنهم من الالتحاق بطابور طويل جدا أملا منهم في الحصول على رقم مراجعة وهمي للحصول على وظيفة كالسراب.
لقد ارتبطت التنمية بالتعليم - سواء العام أو العالي - ارتباطا وثيقا، فإن أرادت أمة من الأمم أن تتقدم تكنولوجيا واقتصاديا فعليها أولا أن تضع الخطط التنموية طويلة المدى التي تناسب سوق العمل، ثم تضع بعد ذلك مناهج تعليمة متوافقة مع هذه الخطط من أجل تحقيقها، أما أن تسير خطط التنمية في واد والتعليم في واد آخر كما هو حادث الآن فستكون النتيجة حتما هذه الأعداد الكبيرة جدا من العاطلين عن العمل، ممن يُخشى في حال استمرار وضعهم كما هو أن يتحولوا إلى الجريمة كوسيلة بديلة يسدون بها حاجتهم بعد أن أوصدت أبواب الرزق الحلال أمامهم.
إن القضاء على البطالة لا يأتي نتيجة قرارات ارتجالية أو لحظية، وإنما يكون نتيجة عمل دؤوب جاد وتصور حقيقي لحجم المشكلة، فإن أردنا بالفعل القضاء على هذه المعضلة فعلينا أولا أن نحدد حاجة سوق العمل لدينا بعناية فائقة عن طريق خبراء متخصصين في هذا المجال بحيث تناسب الأعداد المتوقعة لطالبي الوظائف خلال السنوات القادمة، ثم يأتي دور التعليم بشقيه العام والعالي فيضع من المناهج والتخصصات ما يتناسق مع حاجة السوق.
بالطبع فإن هذه الخطة التنموية الشاملة لن تسمح لجميع الطلاب - كما هو الوضع الآن - الانتقال آليا من المرحلة الابتدائية إلى المتوسطة ثم إلى الثانوية بغض النظر عن مستوى الطالب التعليمي وقدرته على المواصلة، ولكن سيكون ذلك للأجدر عن طريق النسبة المئوية والتقدير، فلا ينتقل الطالب من مرحلة إلى أخرى إلا إذا حصل على نسبة معينة تمكنه من ذلك، وفي نفس الوقت يجد خريج كل مرحلة ممن لا يستطيعون الانتقال إلى المرحلة التي تليها جهة تقبله تناسب قدراته العقلية والعلمية ثم تؤمن له عملا يناسب ما تعلمه أو ما تدرب عليه.
بهذه الطريقة التي رُبط بها بين التعليم والتنمية ستكون مخرجات التعليم متناسقة مع متطلبات المرحلة القادمة وسيُقضى على البطالة بطريقة علمية مدروسة، لأن كل شاب سيجد عملا يتناسب مع قدرته العلمية والعقلية، أيضا ستوفر الأموال الطائلة التي تُنفق سنويا على طلاب وضِعوا في أماكن لا تناسب قدراتهم العلمية لعدم وجود البديل.
أعرف أن هناك من سينتقد هذا الطرح بحجة إتاحة فرصة التعليم للجميع، ولكن هل من المعقول أن يصبح كل الشعب من حملة الشهادات الجامعية؟!، إن هذا يعتبر شيئا من ضرب المستحيل، فالعقول والقدرة على التعلم والظروف الاجتماعية تختلف من شخص لآخر، ثم انظروا إلى نتيجة النظام الحالي المتبع!!، أليس هناك آلاف من حملة شهادة الثانوية العامة والجامعات ممن لم يستوعبهم سوق العمل وذلك لعدم الحاجة إليهم في ظل غياب كامل لخطط تنمية تستوعب هذه الأعداد؟