ابها - د. محمد المدخلي:
مما تذكره كتب التراث أن للفقهاء الشعر الوفير والنظم الحبير، ولقد نقل عن الإمام الموفق بن قدامة مع غزارة علمه في الفقه والتفسير والحديث وأصول الفقه والعربية والنحو والحساب والفلك فهو بجانب ذلك كان شاعراً، وله نظم كثير حسن ومنه:
أتغفل ياابن أحمد والمنايا
شوارع يختر منك عن قريب
أغرك أن تخطتك الرزايا
فكم للموت من سهم مصيب
كؤوس الموت دائرة علينا
وما للمرء بدّ من نصيب
إلى كم تجعل التسويف دأباً
أما يكفيك إنذار المشيب
أما يكفيك أنك كل حين
تمر بقبر خل أو حبيب
كأنك قد لحقت بهم قريباً
ولا تغينك إفراط النحيب
ولابن قدامه الحنبلي أيضاً نماذج شعرية:
أبعد بياض الشعر أعمر مسكنا
سوى القبر؟ إني ان فعلت لأحمق
يخبرني شيبي بأني ميت
وشيكا وينعاني إليّ فيصدق
تخترق عمري كل يوم وليلة
فهل مستطيع رقو ما يتخرق
كأني بجسمي فوق نعشي ممداً
فمن ساكت أو معول يتحرق
إذا سئلوا عني أجابوا وأعولوا
وأدمعهم تنهل هذا الموفق
وغيبت في صدع من الأرض ضيق
وأودعت لحدا فوقه الصخر مطبق
ويحثوا علي الترب أوثق صاحب
ويسلمني للقبر من هو مشفق
فيارب كن لي مؤنساً يوم وحشتي
فإني لما أغزلته لمصدق
وما ضرني أني الى الله صائر
ومن هو من أهلي أبر وأرفق
ولقد تنوع الشعر بأصنافه وأنواعه وأغراضه الشعرية لدى الفقهاء الشعراء فهذا الشيخ الفقيه صلاح الدين ابن راجح المقدسي يتناول الرثاء في شعره قائلاً:
لم يبق لي بعد الموفق رغبة
في العيش ان العيش سم منقع
صدر الزمان وعينه وطرازه
ركن الأنام الزاهد المتورع
بحر العلوم أبو الفضائل كلها
شمل الشريعة بعده لا يجمع
كأن ابن أحمد في مقام محمد
إن هالهم أمر إليه يفزعوا
فيبين شكله ويوضح سره
ويذب عن دين الإله ويدفع
ببصيرة يجلو الظلام ضياؤها
تبدي العجائب نورها تتشعشع
فاليوم قد أضحى الزمان وأهله
غرضاً لكل بلية تتنوع
والعلم قد أمسى كان بواكيا
تبكي عليه وجله متقطع
لو كان يمكن من فدائك رخصة
لفدتك أفئدة عليك تقطع
ولقد تنوعت كتب التراث وجملت بأنواع عديدة لشعراء فقهاء عدة.. غنية بالتنوع الشعري جمعه ومما قاله الشيخ الفقيه يحيى الصرصري ثانياً على كتب ابن قدمه الفقيه الناظم الشاعر والمفسر المحدث.
وفي عصرنا كان الموفق حجة
على فقهه ثبت الأصول معولي
كفى الخلق «بالكافي» وأقنع طالباً
بمقنع فقه عن كتاب مطول
وأغني «بمغني» الفقه من كان باحثاً
و«عمدته» من يعتمدها يحصل
و«روضته» ذات الأصول كروضة
أماست بها الأذهان أنفاس شمأل
تدل على المنطوق أوفى دلالة
وتحمل في المفهوم أحسن محمل
ولقد حفلت كتب التراث بأكثر مما سطرته في هذه المقالة ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق وفي الختام لكم أجزل الدعاء وأنفعه والى «جولة» أخرى في كتب التراث الغنية والزاخرة بكل جديد ومفيد.