د. أحمد بن محمد العيسى
ان من اهم عناصر قيام سوق مالية سليمة هو توفير مبدأ الشفافية عن طريق الافصاح عن المعلومات للجميع في وقت واحد.
يلمس المواطن اياً كان موقعه او مستواه الاقتصادي والاجتماعي حرص الحكومة على تطوير القاعدة الاقتصادية ودفع مستويات التنمية وحل معوقاتها الاقتصادية والاجتماعية. هذا الحرص لم يتمثل في المشاريع الضخمة التي تنفذها وتشرف عليها اجهزة الحكومة في تطوير القطاعات الخدمية المختلفة فحسب، ولم يتمثل فقط في السياسات الجديدة التي اتخذت على اكثر من صعيد لتشجيع الاستثمار، ودعم القطاع الخاص واعطاء المعونات والقروض الميسرة ومحاولة ايجاد فرص التعليم والعمل لكل مواطن، بل تمثل ايضاً وبشكل واضح في الحرص الشخصي والتدخل المباشر من قبل قيادة البلاد وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده في كثير من الازمات والقضايا التي تهم المواطنين مباشرة مثلما رأينا في قضايا البطالة والقبول في الجامعات وتوفير المساكن الشعبية للمواطنين، وايضاً في ازمة سوق المال مؤخراً وغيرها كثير.
ولكن على الرغم من كل هذه الجهود وهذا الحرص فإن قليلاً من الاهتمام قد أعطي لتطوير البيئة الاقتصادية نفسها بحيث تكون سليمة وصحية وجاذبة للاستثمار المحلي والاجنبي ومشجعة للابداع والتنافس الشريف بين الافراد والشركات. ان اهمية المشاريع والبرامج لا غبار عليها ولكن اهم من ذلك البيئة - التي تشمل الانظمة والقوانين والممارسات والثقافة والاجراءات - والتي قد تساهم في تحقيق تلك البرامج والمشاريع اهدافها وغاياتها وفي استغلال افضل للموارد وللطاقات البشرية وفي تفجير ينابيع الابداع والجهود من كافة فئات المجتمع. من بين اهم العناصر المحققة لبيئة اقتصادية صحية عنصران اساسيان تحرص كثير من الدول على وضع القوانين والاجراءات والآليات التي تضمن تحققهما وهما: الشفافية ومبدأ تكافؤ الفرص امام المواطنين. انني اعتقد ان قيادة هذه البلاد وكذلك كبار المسؤولين والخبراء الاقتصاديين يعرفون اهمية هذين العنصرين في بناء اقتصاد قوي ومتين وقادر على التطور والنمو والمنافسة في عصر العولمة، ولكن - في تقديري - إن قليلاً من الجهد والتفكير والعمل قد بذل للبحث عن افضل السبل لتحقيق مبدأ الشفافية ومبدأ تكافؤ الفرص امام المواطنين، اذ انه من السهولة بمكان الادعاء انهما متوفران في بيئتنا الاقتصادية، وان الجميع ملتزم بتحقيقهما وبالتالي التهرب من مناقشة الموضوع امام الرأي العام بشكل واضح وصريح..
إن الشفافية تعني حق المواطن في المعرفة.. معرفة كل ما يتعلق باسلوب وطريقة وكيفية ادارة المال العام، وبالتالي الزام المؤسسات الحكومية والخاصة بنشر المعلومات اولاً بأول وتعميمها على الجميع في وقت واحد، ان المعلومات هي سلاح خطير في اقتصاد متداخل ومعقد وتعتمد مشاريعه على دراسات اقتصادية وحسابات مالية متنوعة، فإذا لم تتوفر المعلومة امام الجميع في وقت واحد فهذا يعني استفادة البعض من تلك المعلومات وتوظيفها لصالحها وصالح شركاتها ومؤسساتها، فيما يعمل الآخرون في ظل قصور في المعلومات وضبابية في الرؤى. ولهذا نرى ان من اهم عناصر قيام سوق مالية سليمة هو توفير مبدأ الشفافية عن طريق الافصاح عن المعلومات للجميع في وقت واحد، وهذا بلا شك غير متوفر بشكل واضح في سوقنا المالية حيث تسرب المعلومات لافراد متنفذين عن طريق موظفين او مسؤولين في الشركات او في الاجهزة الحكومية ذات العلاقة.
واذا كان الوعي بأهمية المعلومة اصبح كبيراً للمتداولين في السوق المالية، الا أنها المشكلة اكبر بكثير في القطاعات التي لا يتضح بشكل مباشر تأثير غياب الشفافية على عدالة وسلامة وصحة البيئة الاقتصادية.. وفي هذا مجال واسع للفساد والمحاباة وغياب تكافؤ الفرص أمام المواطنين ..وأحسب ان غياب الشفافية في المشاريع العملاقة التي اقرت مؤخراً من مؤسسات الدولة واضح تماماً، فهناك مشاريع تكلفتها مئات الملايين من الريالات اعلن عنها بين يوم وليلة دون اعلان مسبق ودون إفصاح عن كيفية ترسية عقود الدراسات والاستشارات الاقتصادية، وعقود التخطيط والتصميم، وعقود الانشاء والتعمير. وهناك عقود ضخمة للانشاء والصيانة والتشغيل لا يعرف متى بدأت، ومتى تنتهي، ومن اخذ، ومن اعطي في سلسلة لا تنتهي من التجاوزات والمحاباة بسبب غياب الشفافية وغياب المساءلة.. ولهذا لم يكن غريباً ان تشير احدى الدراسات التي عرضت نتائجها في المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2002 الى ان من ابرز مظاهر الفساد في دول الخليج العربي هما: منح العقود الضخمة لشركات وافراد لهم علاقات قوية ونافذة، وعدم توفر الحياد بين الشركات والافراد. بينما يمثل ابرز مظاهر الفساد في الدول العربية الاخرى التهرب من الضرائب على نطاق واسع نتيجة محاباة او رشاوى تتلقاها الاجهزة المسؤولة عن تحصيل الضرائب.
اما عدم تكافؤ الفرص امام المواطنين في كافة الانشطة فليس مرده فقط لضعف الشفافية او غيابها، بل ما هو أخطر من ذلك ان يكون عدم تكافؤ الفرص سياسة متبعة او عرفاً سائداً لا يقبل النقاش او الاحتجاج حتى غدا ثقافة ادارية واقتصادية معترفاً بها ويقتنع بها كثير من الناس على انها جزء من ثقافة المجتمع وتركيبته السياسية والاقتصادية. وبسبب ذلك نشأت ثقافة التزلف والمداهنة حتى من قبل بعض رجال الاعمال العصاميين الذين بنوا تجارتهم واعمالهم بجهود شخصية عظيمة، ولكنهم وجدوا انفسهم في متاهة بين المجاملات وتسهيل اجراءات اعمالهم او الوقوف على حافة الهاوية مما يؤثر على مصالحهم اذا لم يقلدوا غيرهم في الوصول الى صاحب سلطة او مسؤول في هذه الجهة او تلك.
لقد شجعت الدولة القطاع الخاص للدخول في مجالات استثمارية صعبة ومكلفة وذلك انطلاقاً من مبدأ التخصيص وللبحث عن وسائل لرفع كفاءة وجودة بعض الخدمات، كما رأينا في قطاعات الاتصالات وتقنية المعلومات والتعليم وغيرها، ولكن تتسرب الاخبار احياناً بأن هذه الشركة او تلك الجهة قد حصلت على امتيازات استثنائية من جهات حكومية دون إفصاح مسبق اوتكافؤ في الفرص مع الشركات والمؤسسات الاخرى وهذا بلا شك يؤدي الى ضمور المنافسة العادلة واحباط المؤسسات التي تلتزم بالانظمة والقوانين والمعايير المعتمدة رسمياً.
لقد توقعت شخصياً ان عضوية المملكة في منظمة التجارة العالمية وانشاء مؤسسات وهيئات اقتصادية جديدة سوف يحسّن فعلاً من مبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص ما سينعكس على مناخ الاستثمار والنمو الاقتصادي في المملكة، ولكن يبدو ان الاهتمام بهذا الجانب ظل ضعيفاً وان المؤسسات والهيئات الجديدة تمارس نفس اسلوب المؤسسات القديمة والعتيقة إن لم يكن أسوأ في تغييب المعلومات وفي المحاباة والدراسات التي تجري في نطاق من السرية المحكمة.