الرئيسية > فن

رؤية

ما بين (نبع) طاش و(نبع) التلفزيون.. حكاية إفلاس..


رجا ساير المطيري

تعال لنتخيل هذا المشهد سوياً.. هناك كاميرا تصور جمعاً من البشر في الصحراء يتحوطون حول نبع ماء ضيق للغاية. أنت تراهم وهم يتدافعون وكل منهم يسعى إلى الاستئثار بكمية الماء القليلة التي ينضحها هذا النبع. والكاميرا وهي تنقل لك هذا الصراع تقترب أكثر من مصدر الماء وتركز عليه، وشيئاً فشيئاً تبتعد لتصور الرجال وهم فوق بعضهم البعض عند نبع الماء. وتستمر في تراجعها حتى يظهر لك المشهد كاملاً بصورته الواسعة التي ترى في طرفها الأيمن، إلى جانب النبع والرجال، نهر كبير يجري فيه الماء نقياً صافياً مدراراً..

إذن فها أنت تشاهد هؤلاء وهم يبحثون عن الماء من خلال ثقب صغير ضيق بينما إلى جوارهم هذا النهر الهادر الذي تجاهلوه رغم أنه يستوعب حاجتهم بل يفيض عنها وأكثر.. الآن ما الذي يدور في ذهنك؟ ألست تنظر إليهم باستغراب وتسأل: ما الذي يفعله هؤلاء؟ وكيف يضيعون الوقت والجهد في الصراع من أجل القليل من الماء بينما لا يدركون وجود النهر العظيم؟ هل هي عدم المعرفة التي قادتهم إلى ذلك أم ضيق الأفق؟ أنت لا تدري.. لكنك تواصل التأمل.. وتغالب ابتسامة تنوي القيام برحلتها الأزلية نحو شفتيك..

لكن.. وقبل أن تنال هذه الابتسامة مبتغاها.. دعنا نتجاهلها قليلاً ولنأخذ الصورة التي يرسمها المثال السابق كي نسقطها على الواقع.. تحديداً على الواقع الدرامي بما يحتويه من ممثلين ومنتجين ومخرجين وأعمال.. سنجد أن حال هؤلاء لا يبتعد كثيراً عن أولئك المتصارعين. بل إن ذلك المثال يعتبر أدق وصف لهم. فهم منذ سنوات يشتكون عبر بكائياتهم المقيتة من قلة دعم التلفزيون السعودي ويستجدون عبر كل الوسائل نظرة عطف وإشفاق من قبل المسئولين فيه. ولو لم يجدوا ما يتوقعونه من إنتاج وتعميد وعرض فإنهم يتوقفون ويستسلمون للنوم بل للموت وكأن حياتهم وفنهم ومسلسلاتهم مرهونة فقط بالتلفزيون السعودي وبمدى تجاوبه معهم. فإذا ما وافق على تعميدهم وبث أعمالهم كانت حياتهم وإذا رفض ذلك فإن هذا يعني موتهم المحتم.. والأمثلة كثيرة للممثلين والمنتجين السعوديين الغائبين عن الضوء لسبب بسيط يذكرونه دائماً.. أن التلفزيون لم يمنحهم الدعم المطلوب..

نحن هنا لا نناقش مستوى الدعم الذي يفترض بالتلفزيون أن يقدمه ولسنا في معرض بحث صدقية كلامهم. إننا نتعرض لمنطقهم العجيب الذي يحكم تعليلهم لقضية الغياب. إن هؤلاء الممثلين لا يرون في الوجود سوى (نبع) التلفزيون. ويتجاهلون (النهر الكبير) المتمثل في القنوات الفضائية التي صنعت سوقاً إنتاجياً ضخماً يلتهم المسلسلات التهاماً ويدفع من أجلها الشيء الكثير وهو يحتاج دوماً إلى ما يضمن تغطية أوقات بثه الكبيرة. ورغم ضخامة هذه السوق إلا أن فنانينا غائبون عنها وتركوا الساحة خالية للمنتجين العرب من سوريا ومصر ودول الخليج.. إنهم يفكرون بتقليدية لا تحتمل الابتكار وليس في وسعهم البحث عن منافذ أخرى لتسويق أعمالهم. وهم لا يرون أمامهم سوى التلفزيون.. فما السبب في ذلك؟

أيضاً من زاوية أخرى فإننا نرى لذلك المثال انعكاساً في قضية شَغَلتنا في الفترة الماضية وهي تلك المتعلقة بمسلسل (طاش ما طاش). حيث أصبحنا نقرأ بين الفترة والأخرى -مع كثير من الملل والاشمئزاز- الدعاوى التي تحاول إثبات نسب المسلسل، فالكل يدعي أنه فكرته، والكل يرغب في الأكل من كعكة (طاش)، وكأنه لا يوجد في هذا الكون سوى هذا المسلسل ولم تعد هناك حياة سوى التعلق به. فهل انتهت الأفكار حتى يجهد هؤلاء أنفسهم في هذه القضية؟ وهل النجاح أصلاً مرهون بالاسم فحسب؟ إن هؤلاء حين يصرّون على التدافع حول (نبع) طاش، إنما يتجاهلون (نهراً) من الأفكار والموضوعات لا يزال بكراً ولم يسبح فيه أحد من قبل. هذا النهر العظيم ينتظر منهم أن يرتادوه، وهم لن يقوموا بذلك إلا إذا وسعوا من آفاقهم قليلاً، وابتعدوا عن هذه المناكفات العقيمة التي تستهلكهم وتقيدهم وتمنعهم عن ولوج مناطق الإبداع الحقيقي. إن الجمهور ينظر لهم باستياء شديد وهو يراهم في صراعهم المحموم على (نبع) ضيق محدود الطاقة.. إنه يراهم كأشخاص مفلسين يبحثون عن المادة والإثارة في أي موضع وتحت أي ظرف.. وعليهم أن يعوا هذه الحقيقة..

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 9

  • 1
    ما يناقشه طاش ماطاش من قصص اكثرها واقعيه اجتماعيه ليس المهم
    نبع طاش ولكن الاهم حلها المشاكل المطروحه بها ف لله الحمد انها من
    المسلسلات التي لا نخجل بها عند الاطفال واحيهم لذلك.

    سهام - زائر

    06:19 صباحاً 2006/06/05


  • 2
    مقالة جميلة.. تشخص الواقع المؤلم للتمثيل بالمملكة ولانها اعمال فنية ليست ذات جدوى فنية معتبرة فهي تحتاج للتلفزيون لرعايتها.. وهذا منطقي جدا.. حتى طاش الذائع الصيت الذي استمر سنوات طويلة لو تأملت فيه ونظرة اليه بنظرة الناقد لاكتشفت ان بعض مشاهده تخجل ان تشاهدها في الواقع فما بالك في التمثيل.. فليست هناك حبكة ولا عقدة تنتظر الحل ولاتشويق ولاشي من هذا القبيل.. لكن مايشد الناس فيه اختياره لبعض القضايا التي تهم الكثيرين كالاسهم والهاتف وغيره وذلك الاختيار ليس موفقا دائما بل يعتبر طاش من اكثر الاعمال الفنية المخيبة للآمال فمرة في القمة ومرات اخرى بالقاع.. وما ينطبق على طاش ينطبق للاسف على الاعمال الاخرى التي تخجل كسعودي من كونها اعمال سعودية.

    علي الصقر - زائر

    08:21 صباحاً 2006/06/05


  • 3
    طاش ما طاش
    فتحت افاق الابداع في طرح المشاكل الاجتماعية

    عمر عبدالرحمن - زائر

    09:15 صباحاً 2006/06/05


  • 4
    انه التاريخ يشهد للوطن بوجود جمعيه خيريه للفنون نتاجها هوا الفن الساخر فقط وهو فن تكميلي يتمم اريحية الفنان بعد عناء عام كامل من الاعمال الفنيه يرفه به عن نفسه واصحابه ومع كل اسف فنانونا يسيرون بالمقلوب وهاهم يسخرون من الوطن ومن الفن والفنان ويتكابرون جهودهم الضحله وليس همهم الا الشحاذه عبر الشاشه عن فكره ممكن تصير مسلسل طاش
    ان بلادنا ام الفنون لو انتم تعلمون ولكن التاريخ له عيون
    وشكرأ للكاتب

    بدر المسنود ؟ - زائر

    09:50 صباحاً 2006/06/05


  • 5
    الرسالة وصلت استاذ رجا وفي الصميم ليت المعنيين يعون الدرس جيدا فالمشاهد بات كما تفضلتم"مشمئزا" مما يحدث.

    سعيد احمد القحطاني - زائر

    10:02 صباحاً 2006/06/05


  • 6
    شوفو ((اخواني اخواتي)) ومن ثم احكمو على الدراما السعودية كانه ما يوجد عندنا الا طاش يوجد عندنا كم هائل من الطاقات ولكن لانرى الا النبع الصغير
    ولا ننسى(( خلك معي ))

    عبدالله - زائر

    12:34 مساءً 2006/06/05


  • 7
    كيف تتوقع ياأخي الكريم أن تتطور الاعمال التلفزيونية لدينا أنظر أولا إلى نظرتنا للفن فهو إما حرام أو في أفضل الاحوال تسلية عابرة فنحن لا نحترم كلمة فن أصلا ولا نعرف هدفها في تطوير المجتمع مثلا هل يوجد لدينا من يذهب إلى المتحف او هل يوجد لدينا متحف أساسا هل يوجد لدينا مسرح نحن لا يوجد لدينا سينما أساسا فثقافتنا لا تحترم الفن عموما سواء كان رواية أو فلما او متحفا غيرو نظرة المجتمع للفن اولا ثم طورو الفنون بأنواعها المختلفه

    مساعد عبدالله - زائر

    04:11 مساءً 2006/06/05


  • 8
    الى متى ونحن ننظر الى هذه المسلسلات انامع هذه المقالةللأننا وللأسف سعوديون او خليجيون اصبحت اعمالنا مدعاة للشفقه بكل ما تعنيه الكلمة ف{طاش}لم يعد يملك القصه الهادفه الا في بعض الحلقات فقط اما المسلسلات الخليجيه فاصبحت تعتني بالديكورات والاغراءات النسائيه دون الاهتمام با القصه وايصالها للمشاهد والاستفاده منهامثل السابق عندما كنا ننتظر ونترقب وقت المسلسل لمعرفة اخر الاحداث ونتشوق لها

    عبير محمد - زائر

    03:34 صباحاً 2006/06/06


  • 9
    طاش ما طاش رائعين وواقعيين..

    هند - زائر

    01:16 مساءً 2006/06/13



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة