وينطبق التصور على الحقيقة بمقدار ما تنطبق أي شهادة على الواقع وما تعطي الوثيقة أو الأثر من إمكان الاستنتاج الصحيح. العالم بالنسبة للعلماء ظاهرة طبيعية صرفة، مشهد مبسوط للملاحظة العقلية. أما أحداث التاريخ فسطور أو آثار ينظر المؤرخ من خلالها إلى شيء آخر نسميه الماضي. السطور والآثار هي المنظار السحري الذي يصبح المؤرخ بدونه أعمى يخبط في الظلام!
والمعرفة التاريخية ليست ثانياً بالصحيحة. إن الماضي كان بالضرورة حركياً تطورياً، ومعرفتنا عنه هي بالضرورة سكونية تراكمية. هو حياة أخذت حدودها الكاملة في التنامي والتطور والهمود.. وهي معلومات كمية وصور مقطعة. مجرد جثث، وشتان بين حي وميت!
ثم ان كل معرفة إنما هي تاريخ. مجرد ظهورها كحادث يدخلها في نطاقه.. وقصة تكاملها عملية تراكمية تسلكها، بالرغم منها وبالرغم منه، في عداد سطوره ويجعلها مؤثرة متأثرة به.. الذين يدرسون الاسمنت المسلح يدرسون بالضرورة تاريخ تطوراته.. والذين يتفننون بطابع البريد أو بموضة الشعر، أو زراعة الأرض، إنما يعملون بالضرورة أيضاً من خلال تاريخ طويل. المجهولون الذين ابتكروا دحرجة الأثقال على العجلة ليسوا بأقل تحويلاً للتاريخ من الذين وصلوا القمر.. والذي كتب «البيان الشيوعي» ليس بأقل أثراً في حياة الناس ممن ابتكر شكل الهرم في البناء.. كل لونية صغيرة من المعارف تضيف جديداً ومهماً إلى الحقيقة التاريخية ولا يقوم غيرها مقامها.. ونقص أي جانب من هذه اللونيات، نقص في الصورة الكلية ليس بالامكان تلفيقه وترقيع ثغرته.. فمن ذا الذي يستطيع أن يؤكد واثقاً من أننا ألممنا على الأقل - إن لم يكن أدركنا أو عرفنا - بالعوامل الصغرى والكبرى في التاريخ؟ باللونيات الظاهرة والخفية في نسيج أحداثه؟ بالنسب الحقيقية للأحداث بعضها إلى بعض فيه؟ ومن ذا الذي يستطيع أن يجزم أن قانون النسبية أقل أو أكثر قيمة في التاريخ من ابتكار الحرف؟ أو أن أرسطو أكثر شأناً فيه من صانع أول حربة؟
ثم: هل معرفتنا بالماضي الإنساني معرفة كاملة أو شبه كاملة على الأقل؟ وإذا لم تكن فما الذي بقي في أيدي التاريخ والمؤرخين بالفعل من الماضي لإعادة بنائه؟ الواقع ان الماضي الذي يسقط في هاوية الأبد باستمرار، وإلى غير رجعة، لا يترك لنا في معظم الأحيان إلا أضأل الملامح والآثار في الأيدي.. أسطراً حول ما استرعى الانتباه صدفة أو عن عمد، أثراً سلم بالصدفة عن عوادي الزمن، ثم لاشيء غير ذلك.. إن قدراً فقط مما لوحظ في الماضي، قد تذكره أولئك الذين لاحظوه، وأن جزءاً فقط مما تُذكّر سجل، وأن جزءاً فقط مما سُجّل، حفظه التاريخ، وأن جزءاً من ذلك الذي وصل، يمكن تصديقه، وأن جزءاً من ذلك الذي يمكن تصديقه، هو الذي حُفظ، وأن جزءاً من ذلك الذي حُفظ، يمكن أن يوسعه المؤرخ أو يقصه.. ان تاريخ الماضي بأكمله لا يعرفه المؤرخ إلا بواسطة السجل المحفوظ، أي التاريخ المسجل. ومعظم التاريخ المحفوظ هو الجزء الباقي من الجزء المسجل عن الجزء المتذكر عن الجزء الملاحظ.. من ذلك الكل.. وحتى حين يكون الماضي مأخوذاً مباشرة من المخطوطات الأثرية أو الانثروبولوجية، فهذه هي فقط الأجزاء التي اختارها العالم من بين الأجزاء المكتشفة مما يساعد الحظ على بقائه من مجموع الماضي كله.
ومن أغرب ما يأخذ به المؤرخون في تلمس الماضي أحياناً شكل الاحكام التي تطلقها مجموعة العميان على الفيل الذي يجهلون: يتلمس احدهم اذنه فهو مروحة. والثاني قدمه فهو عمود. والثالث ذنبه فهو بعير.. والرابع خرطومه فهو أنبوب. والرابع بطنه فهو برميل. والفيل هو الفيل وقد أفلت من كل الأحكام التي يطلقون!
1
لاجل هذا الذى ذكرت يبحث العلماء عن طريقة لاعادة التاريخ كاملا وعلى حقيقته عبر محاولة اعادة الاصوات والصور من الماضى السحيق
الا ان ارثنا الثقافى وخاصة الدينى منه فهو مؤكد الوقوع لان له اداوات لاتعرفها الامم الاخرى
اما قصة العميان والفيل فهى خارج الاطار
ابراهيم ابوجهاد - زائر
08:27 مساءً 2006/06/05