كان رفاق البعث القدامى، مسرورين باللقطات التي بثتها فضائية «العربية» للمدعي العام في محاكمة صدام حسين، جعفر الموسوي، وهو يجلس في حفل تأبيني لضحايا مجزرة الدجيل..
السرور بان واضحاً على محامي الدفاع خليل الدليمي، بل أكثر من ذلك، أعتقد هو وزملاؤه، أنهم قابل قوسين أو أدنى من براءة موكليهم.
فها هو جعفر الموسوي، الخصم اللدود، يحضر مشاركاً في حفل، كان خطيباً فيه علي الحيدري، أحد الشهود الرئيسين في قضية الدجيل، ما يعني ارتباطاً مشبوهاً بين المدعي والشاهد، الأمر الذي سيقدح في عدالة سير المحاكمة.
الفرح العارم لرفاق الزمان، ما لبث أن ارتد لخيبة كبيرة. خيبة بحجم الفجيعة، عندما أثبت المدعي العام انه ليس من كان في المحفل، وإنما شخص آخر شبيه له، محضراً هذا الشبيه معه إلى المحكمة.. ساعتها، بهت محامي الدفاع، ومن معه من فريق، فيما كان الموقف أشد احراجاً لقناة «العربية» التي بثت التسجيل، معتبراً إياه سبقاً صحفياً، وبوصفه تسجيلاً خاصاً بالقناة.
العربية التي بثت التقرير ليلاً، جاءت لتنفيه نهاراً. وليرد أحد مراسليها على زميله، وتسقط الرواية الأولى، برواية أخرى، كان الراوي لها صحافي من ذات القناة، لا من خارجها.
ليس هناك ما يضير عندما تورد قناة خبراً جاءها عن طريق وكالة أنباء ثم يتبين لها خطؤه، فتنفيه. لأنها في هذه الحالة، لا تتحمل الوزر، كونها ليست المصدر الرئيس. أما عندما تكون القناة هي مصدر الخبر، فإن المسؤولية كاملة تقع على كاهلها، متحملة جميع التبعات. حيث من المفترض أن تكون على علم ودراية كاملتين بتفاصيل الخبر وحيثياته، من ألفه إلى يائه. لكنها الرغبة في السبق والمنافسة، والتعجل البث، كل ذلك يقود لمثل هذه المطبات. مطاب يفترض بقناة بحجم «العربية» أن تكون قد تجاوزتها منذ زمن طويل، خصوصاً مع وجود صحافيين أكفاء، يديرهم شخص مهني وموضوعي، كالأستاذ عبدالرحمن الراشد.
مقتل العمل الصحافي، هو عندما يُفصلُ هذا العمل على مقياس صاحبه. أي، عندما تؤثر النزعات والميول الشخصاينة على صانع الخبر. ساعتها، تفتقد الموضوعية والحيادية، ويصبح الخبر موجهاً، ومؤدلجاً، لا قيمة علمية له.
التقرير الأول الذي بث، كان قد أعده الزميل وائل عصام، وهو صحافي أردني معروف بميوله وتعاطفه مع الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين. ولذا، كان الخبر يصب في مصلحة صدام، وأكثر من ذلك، أتى الخبر كشاهد نفي لصالح تبرئة صدام، وكأنه جزء من مجريات جلسة المحاكمة.
في المقابل، وعندما فند المدعي العام جعفر الموسوي الموضوع بكافة تفاصيله، تبث العربية تقرير النفي، وكان أن أعد التقرير الزميل ضياء الناصري، وهو صحافي عراقي، معروف بميوله ضد صدام حسين، ولذا أتى التقرير كشاهد اثبات في صالح ضحايا مجزرة الدجيل.
المشكلة تكمن هنا، عندما يُسقط كل صحافي أهواءه ونزعاته الشخصية والفكرية على ما يعد من تقارير.. ساعتها يحار المشاهد من يصدق، وإلى من يستمع. ولن يكون الحل، إلا بالعمل وفق المعايير الإعلامية الصرفة، بعيداً عن أي حب، أو بغض، تاركين المجال للمشاهد ليكون هو الحكم الأول والأخير.