يقولون أن أمريكا تهدد إيران..! وأنها ستفعل وتفعل..!! ونحن نقول كما قال عمنا جرير للفرزدق عندما سمعه يهدد رجلاً اسمه مربع:
زَعَم الفَرزدقُ أن سيقتل مَرْبعاً
أبشِر بطولِ سلامةٍ يامربع
وأبشري بالسلامة يا إيران.. فأمريكا ينطبق أيضاً عليها المثل الشعبي القائل: «فرحة تعرف الظبي».
وفرحة هذه - كلبة صيد - يطلقها صاحبها على «الضبان» والجرابيع وكان ذات يوم مع صديقه فرأيا ظبياً سانحاً فقال: اطلق فرحة عليه فقال: «فرحة تعرف الظبي» أي انها لن تستطيع الوصول إليه أو اللحاق به، ولو لحقت به فإنها لن تنجو من قرنيه.
وأظن وإن خالفني بعض عشاق أمريكا والذين لا يزالون يراهنون على أنها القادرة الآمرة، الناهية، الجامعة، المانعة، صاحبة الحرية، والديمقراطية.. لأنهم رغماً عن كل الذي حدث ويحدث فلا يزال عشق أمريكا، وهوى أمريكا، والإحساس بعظمة أمريكا محفوراً في عقولهم، وعلى جدران قلوبهم، كما تحفر الشعوذات على جدران المعابد القديمة.. فمهما حدث فلن يصدقوا ولن يتعظوا، ولن يروا أو يسمعوا، فهم في مسألة الوله الأمريكي «صم عمي لا يفقهون». أقول رغم أن هذه الفئة المتشبثة برأيها وحبها والتي لا تزال تروج في الصحافة والتلفاز وجميع وسائل الإعلام لعظمة السوبرمان الأمريكي وعدالته، وإنسانيته وأنه المخلص وباعث النماء والزرع والخير في الأرض.
أقول رغماً عن ذلك فإن أمريكا تعرف «الظبي» الإيراني وأنها مهما بلغت بها الحماقة مداها فإنها لن تستطيع فعل شيء لإيران، وأنها لن تطلق صاروخاً ولا مدفعاً بل لن تستطيع اطلاق لعبة نارية في سماء إيران.. فأمريكا كما يقال أكلت هواء في العراق وامتلأ بطنها بالأوجاع ورأسها بالصداع العراقي، وهي اليوم في ورطة تجعل أعداءها ممتلئي الصدور رضاً وفرحاً وشماتة، فلقد باءت بفشل ذريع وخاب مسعاها في امتلاك العراق واغتراف نفطه، وتطويع شعبه وتحويله إلى نموذج تجعل منه شبحاً مرعباً لدول سوف يجتاحها الطوفان الأمريكي والمخطط الأمريكي.
صحيح أن أمريكا نجحت في تمزيق العراق وتقسيمه واشعاله فتناً وحروباً طائفية يستحيل معها أن يعود العراق عراقاً واحداً كما كان، لكن مشروعها الاستبدادي والاستيلائي على خيرات العراق النفطية أصبح هباءً.
أمريكا الآن تبحث عن الخلاص، فلغتها الخطابية مع إيران لغة مهذبة جداً تتسم بنغمة حوارية مختلفة.. ورئيسها ووزير دفاعها ووزيرة خارجيتها وصقور البيت الأبيض تحولوا إلى حمائم تريد التحليق في فضاء لا مقاومة فيه، ولا تفجير ولا أحزمة ناسفة ولا إرهاب.
أظن أن أمريكا اليوم قد رضيت من الغنيمة بالإياب.. وهي تحاول قدر جهدها أن تخرج من العراق أمام العالم وأمام الشعب الأمريكي محفوظة ماء الوجه، محفوظة الكرامة ولكن ذلك يبدو بعيد المنال عليها فلقد واجهت من الإنسان في العراق شراسة وعنفاً، وصرامة وفتكاً تفوّق على فتك «الاباتشي» و«الاف سكستين» وطائرة «الشبح» وصاروخ «توماهوك» والرؤوس المنضبة وكل ما أنتجته ترسانة المصانع الحربية الأمريكية من سلاح جهنمي مهلك.
وجدت إنساناً يسابق الدبابة إلى الموت، ويلف جسده بطوق الموت.. ويقف رابط الجأش مبتسماً وكأنه ذاهب إلى عرس..! لقد ورطت أمريكا نفسها بالنوم على جلد القنفذ.. فهل لها أن تورط نفسها بالنوم على فراش الكبريت والبارود حينما تريد أن تحارب إيران..؟ إنها لو فعلت فهي حتماً تفتح على نفسها أبواب جهنم وسوف تدخل في جحيم لن تطفئه مطافئ الحريق في نيويورك وواشنطن ولوس أنجلوس وكل المدن الأمريكية.
فاللعبة لم تعد هي اللعبة، والحرب لم تعد هي الحرب التي تشتهيها أمريكا وتريد أن تفصلها وفقاً لمقاييسها وألبستها الاستعمارية الاحتلالية الفضفاضة.
لقد تعلمت وتلقنت درساً موجعاً لن تنساه مطلقاً حتى وإن كانت ذاكرة أمريكا الحربية ضعيفة وضعيفة جداً فهي نسيت ما حدث لها في فيتنام واقتحمت العراق لكنها هذه المرة مهما ضعفت بها الذاكرة فإنها لن تنسى المرارة والشؤم الذي أصابها وأعطبها ولا يزال يدميها في العراق.
معادلة الحرب مع إيران واضحة ولا تحتاج إلى ذكاء رياضي. نعم قد تدخل أمريكا وربما تنغمس في بواطن وسراديب سياسة إيرانية يظهر لنا فيها ما نسمعه في وسائل الإعلام وتخفى علينا وعلى أمثالنا «الحياكة» الحقيقية لهذه السياسة ولكننا في مسألة الحرب، والضرب، نجزم أن أمريكا قد بلغت سن اليأس الحربي وبلغ بها الذعر والهلع مدى يجعلها تستعيذ بالله وبكل قساوسة وحاخامات السياسة بل ربما استعاذت بالبوذية والمجوسية أيضاً من شر هذه الحرب، وضرها، وحرها.