بحث



الجمعة 28 ربيع الآخر 1427هـ - 26 مايو 2006م - العدد 13850

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


التعليم العالي وتحديات العصر

د. عبداللطيف بن حمد الحليبي٭
    يقول علماء الاجتماع: إن بقاء الأمم والحضارات لا يرتبط بقوتها وإنما بمدى استجابتها للتغيير حسب متطلبات الحال والمستقبل. وفي مجال التعليم العالي تخيل وجود جامعة من دون قاعات دراسية أو من دون مكتبة! تخيل وجود جامعة تبعد عن سكن طلابها عشرة آلاف ميل! ويمكنك أن تتخيل وجود جامعة بلا مقررات دراسية أو تخصصات أو حتى شهادات! وتخيل أن الشهادة الجامعية التي تحصل عليها صالحة لخمسة أعوام فقط! وتخيل أن مؤسسات التعليم العالي يتم ترتيبها وفقاً لمستوى اتصالها وتعاملها بالانترنت! وأبعد من ذلك تخيل أن دولة ما! تأتي مبيعاتها من خدمات التعليم العالي في مقدمة صادراتها.

ترى هل هذه التخيلات من قبيل شطحات الخيال العلمي، أم أنها قصص واقعية، تتحدث عن ثورة في مجال التعليم العالي؟ ففي السنوات القليلة الأخيرة شهدت العديد من الدول تحولات هامة في أنظمة تعليمها العالي، إلا أن سرعة التغير في خريطة التعليم العالي تتفاوت بين دولة وأخرى، حتى أن بعض الجامعات العريقة في العالم أصبحت على وشك الانهيار تحت ضغط الأعداد الهائلة، التي تصل إلى مائة ألف طالب يشغلون قاعات صممت في الأساس لتستوعب أقل من عُشر تلك الأعداد. وفي ظل هذه المتغيرات السريعة، ما مصير مؤسسات التعليم العالي العاجزة عن التغيير؟

مع مطلع هذا القرن (الحادي والعشرين)، برزت ثلاثة تحديات رئيسة لتواجه مؤسسات التعليم العالي وهي: العولمة الاقتصادية، والأهمية المتزايدة للمعرفة وثورة المعلومات والاتصالات. وهذه التحديات الثلاثة تنبئ بتغيرات جذرية في عدد من مجالات التعليم العالي.

تؤكد الوقائع أن الاتجاه نحو اكتساب المزيد من المهارات الأعلى تزايد في الدول التابعة لمنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي، كما هو الأمر في أكثر الدول تقدما. وتوضح الاحصائيات الحديثة ارتفاعاً في معدل العائد من التعليم العالي، وهو ما يناقض الاتجاهات المبكرة في ثمانينات القرن العشرين، وتزداد أهمية التدريب على رأس العمل والتعليم المستمر، لارتباطه بانتظام تحديث المعرفة، وتطوير المهارات، إذ إن الاتجاه التقليدي الذي يقضي بضرورة الحصول على المؤهل العلمي أو الدرجة العلمية قبل الولوج في الوظيفة والحياة العملية، يتم استبداله - الآن - بشكل مطرد عبر التعليم المستمر، فالهرم التقليدي للجامعة الذي تأتي في قاعدته أغلبية من طلاب المستوى الأول، وعلى قمته مجموعة صغيرة من المتوقع تخرجهم، يتم استبداله بهرم مقلوب، تشغل الجزء الأصغر منه أقلية الطلاب الذين يدرسون في الجامعة للمرة الأولى، ومن ثم مجموعة أكبر من الطلاب الذين يتابعون الدراسة للحصول على المستوى الثاني والثالث، أما الجزء الأكبر من الهرم فيشغله الدارسون الملتحقون ببرامج التعيم المستمر.

إن سرعة التقدم الفني وتزايده قللا من أهمية اكتساب المعرفة الحقائقية كما قللا من الاهتمام بالمعلوماتية المنهجبة والتوجه نحو التعليم المستقل وذلك لأن الكثير من الفروع العلمية قد تعتبر أن المعرفة الحقائقية التي تدرس في السنة الأولى لا تصلح لمواكبة العصر عند التخرج، وربما قبل التخرج، وفي ضوء ذلك فإن تعلم كيفية التعلم أصبح أكثر أهمية من حفظ معلومات محددة، حينئذ تعطى الأولوية لأبحاث المعلومات والمهارات التحليلية.

وهناك تطور آخر في مؤسسات التعليم العالي، وهو الجاذبية المتزايدة، والتوجه نحو الدرجات الجامعية ذات المنحى التطبيقي العالمي، ففي الولايات المتحدة الأمريكية ظهرت أعداد متزايدة من الجامعات المرتبطة بشبكة الانترنت، تقدم خدماتها للطلاب على مستوى العالم، منها جامعة (جونز) الدولية، التي تخدم طلابها في (38) دولة، وهي جامعة معترف بها عالمياً كما أن معهد التقنية في مونتري قد أسس جامعة، لها فروع في المكسيك وأمريكا اللاتينية، كما شهدت دول آسيوية وأوروبية تزايداً ملحوظاً في التحاق الطلاب ببرامج تقدمها مؤسسات ربحية تمثل الجامعات البريطانية والاسترالية.

وبذلك تستطيع تلك الجامعات وغيرها أن تتجاوز الحدود القطرية عن طريق الانترنت، أو الأقمار الصناعية، ما يجعلها تتنافس - بشكل فعال - مع الجامعات الوطنية المحلية. وتفتخر جامعة فينكس في كاليفورنيا بعدد طلابها الذي يزيد على ثمانية ألف طالب، وفي الولايات المتحدة، وحدها هناك - بالفعل - أكثر من ثلاثة آلاف مؤسسة تعليم عالٍ تمنح تدريباً على شبكة الانترنت، وتدخل في هذا الياق والمنافسة، ولكن بشكل مغاير، الجامعات المشتركة، التي يصل عددها إلى الألف جامعة.

إن ظهور هذا النوع الجديد من المنافسة من شأنه أن يغير طبيعة الجودة النوعية المطلوبة في التعليم العالي، ويدور بين مؤسسات التقويم الأكاديمي شك واختلاف حول المبادئ والمعايير المستخدمة، في تقويم البرامج الأكاديمية المنفذة في تلك الجامعات، في حين يمكن استخدامها في تقويم نوعية مناهج الانترنت المقدمة للطلاب. وعلى مستوى الدولة ثمة شرورة لتطوير أنظمة المعلومات والاشتراك في الشبكات الدولية، لكي تكون قادرة على تقويم نوعية المناهج الأجنبية المتاحة لأبنائها.

ولقد أحدثت التقنية الحديثة في مؤسسات التعليم العالي ثورة أخرى في طرق التدريس والتعلم، حيث تسمح الوسائط الالكترونية المتعددة مع الحواسيب الآلية بتطوير روح التفاعل التعليمي بين الطلاب وأساتذتهم مع المادة العلمية. ففي البرازيل قامت بعض كليات الطب والهندسة برامج الحاسب الآلي في تدريس الرياضيات، مما أدى إلى تناقص في عدد المنسحبين من هذه الكليات، من 70٪ إلى 30٪.

إن الانفجار المعرفي وظهور مجالات علمية وتكنولوجية جديدة يستلزم استحداث برامج وتخصصات وأقسام علمية متعددة الفروع والأغراض، وذلك تحقيقاً للاتقان والجودة إذ سيكون لثورة المعلومات آثار بعيدة المدى على الكيفية التنظيمية للجامعات وترتيبها. ففي مايو عام 1999م نشر تقرير على موقع (ياهو) بعنوان (أكثر من مائة كلية أمريكية مرتبطة بشكبة الانترنت) وتناول هذا التقرير نتائج مسح حديث، أجري على الجامعات الأمريكية ويهدف إلى تقويم البنية التحتية الحاسوبية لهذه الجامعات ومستوى استخدامها للانترنت في الميادين الأكاديمية والإدارية، ومدى تأمين الميزانية المتكررة اللازمة للحفاظ على تلك البنية التحتية.

ونحن في المملكة العربية السعودية هذه الأيام نحتفل بمرور خمسين عاماً على إنشاء أم الجامعات السعودية (جامعة الملك سعود)، وقد وصل عدد جامعاتنا إلى العشرين جامعة، بالإضافة إلى عدد كبير من الكليات المتخصصة المنتشرة في ربوع الوطن . وبدخولنا في منظمة التجارة العالمية نكون قد دخلنا في هذا السباق المرثوني الواسع، فما نحن فاعلون أمام هذه التحديات العاتية؟ وهل بمقدور جامعاتنا مسايرة الركب الحضاري العالمي، وتحقيق الأهداف السامية والخطط الطموحة والمصالح العليا لهذا الوطن.

إن أول ما تحتاجه المؤسسات العاملة في حقل التعليم العالي هو المزيد من المرونة والتفاعل لمواجهة تلك التحديات. ويمكننا تحقيق المرونة والتفاعل باستحداث برامج جديدة وتخصصات حديثة إلى جانب إعادة النظر في البرامج الحالية وصياغتها، إذ يمكننا الاستغناء عن البرامج التي لا تتواكب مع متطلبات هذا العصر، وهنا نجد أن إجراء البحوث التطبيقية وتطوير الدراسات العليا ومواكبة سوق العمل ومستجدات العصر تتطلب أموراً لا بد منها مثل آليات التغذية الراجعة الهادفة كالدراسات المسحية التتابعية، والمشاركة المنتظمة في اتخاذ القرارات بالتعاون مع القياديين وأعضاء هيئة التدريس والطلاب والخريجين، والاستفادة من الخبرات والتجارب العالمية وهذا لا يتسنى لمؤسسات التعليم العالي إلا بالتخلي عن الجمود والتقوقع والانكباب على الذات، مما يستدعي اجراء تحول هياكلها الإدارية، وأنماط عملها وطرق تدرسيها ولوائحها التنظيمية وتجهيزاتها التقنية والتعليمية، حتي تتمكن من تأدية رسالتها الأكاديمية والتربوية المأمولة.

وخلاصة القول بأن تحديات العولمة، والنمو الاقتصادي المبني على المعرفة وثورة المعلومات، والاتصالات تشكل تحديا وامتحاناً لنا، ولكنها - في الوقت نفسه - فرص عظيمة لابد لنا من استغلالها ومواجهتها وذلك بأن نبادر في الإصلاحات وإعداد الخطط التطويرية اللازمة لمؤسسات التعليم العالي وفي غياب ورقة عمل موحدة تنظم كل هذه الأمور، يمكننا صياغة رؤية واضحة لكيفية مناسبة تعضد أنظمة التعليم العالي ومؤسساته وتمكنها من الاسهام في بناء الوطن وتطويره، ومن ثم التماس ووضع آلية عملية لتنفيذ هذه الرؤية وآلية تراعى خصائص كل مؤسسة. على أن هذه التدابير هي وحدها القادرة - بعد الله - على إنهاض قامتنا التعليمية، تفعيلاً وتطويراً ومواكبة. والله الموفق.

٭عميد شؤون هيئة التدريس والموظفين بوكالة الوزارة لكليات المعلمين

4 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

لمن الخطاب ؟


سعادة الدكتور عبد اللطيف..
انا اظن بان هذا الكلام على جماله واهميته يجب ان لا يوجه لوزارة التعليم العالي.لانها في واد والتعليم الالكتروني في واد.
هناك دول لا تقاس بالتعليم عندنا وقد عرفت التعليم بعدنا بسنوات طويلة , وهاهي تقتحم هذا المجال وتحقق دخلا قويا اقتصاديا , وما زالت وزارتنا تقبع في قوقعتها وروتينها الذي عرفناه منذ خمسين سنه..!
وسلمولي على العولمة الاقتصادية، والأهمية المتزايدة للمعرفة وثورة المعلومات والاتصالات.


محمد كساب الرويلي
ابلاغ
09:36 صباحاً 2006/05/26

 

مشاركة


الحمد لله
حقيقتا أشكر صحيفتنا المباركة على نشرها لمواضيع ومشاركت قراءها الافاضل..
ثم الشكر موصول لسعادة الدكتور /عبداللطيف على هذا الموضوع القيم الذي يشغل كثيراً من المهتمين بالتعليم الذين لم تتح لهم فرصة الالتحاق بالتعليم التقليدي(المنتظم)
لكن السؤال الان هل سيكثر الطرق لوازارتنا المباركة (التعلم العالي) لتبني مثل هذة الاراء ومثل هذة الاقتراحات التي ادلى بها سعادة الدكتور؟
ثم هل سنلقى نصيبا بالاعتراف من قبل وزارتنا لما نلناه من شهادات ومواد ام سيحال بيننا وبين الاعتراف والضوابط !
ولننظر الى العالم من حولنا وعن مدى نجاح مثل هذا النوع من التعليم ؟
والحمد لله
k_zwaid@yahoo.com


خالد الزويد
ابلاغ
01:55 مساءً 2006/05/26

 

عشرين جامعه ولايوجد فيها الكثير من التخصصات


صحيح ان العدد وصل الى العشرين
ولكن اين الفائده عندما لايتم فتح الكثيرالتخصصات ؟
على سبيل المثال
اتدري ان عدد الطلبه السعوديين الدارسين في الاردن وصل عددهم الى 4000
ولو لاحظت تخصصاتهم لوجد اكثرهم تخصصيين
وهي التمريض وهندسة الاتصالات
لماذا لاتفتح هؤلاء التخصصات ويتم تدريس ابناء البلد في بلدهم هل من جواب مقنع
العتيبي /الاردن


العتيبي
ابلاغ
11:47 مساءً 2006/05/26

 

متى تكون الكليات التقنية تابعة للتعلم العالي


السلام عليكم ورحمةالله وبركاته وبعد
ارجو من الله ثم من معالي الدكتور توضيح هذه النقطه من اجل اجيال افضل ضم الكليات التقنية التابعه للمؤسسة العامة للتعليم الفني والدريب المهني الى التعلم العلي لتكون الشهدات معترف فيها في السعوديه وخارجها.
حيث انا طلاب الكلية التقنية اذا تخرجو واردو اكمال الدراسه في اي جامعه سعودية يكون البديه من اول مستوى لو ضم التعليم التقني الى التعليم العلي لمحتجنا الى البعثات الدولية.
واشكر معالي الدكتور


عويند بن عبد الكريم
ابلاغ
02:20 صباحاً 2006/06/09


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى الرأي

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية