وفي خطوة لها دلالتها الواضحة، أعلنت شركة الغاز الروسية «غاز بروم» نيتها رفع أسعار بيع الغاز إلى المستهلكين في بيلاروسيا إلى مستوى أسعار السوق اعتبارا من بداية العام المقبل. وقد يفهم المرء أسباب رفع أسعار بيع الغاز الروسي إلى أوكرانيا بعدما تولى قادة «الثورة البرتقالية» أمور السلطة فيها
قبل أيام، أعلن قادة أربع جمهوريات سوفيتية سابقة، هي جورجيا وأوكرانيا وأذربيجان ومولدافيا،عن قيام منظمة دولية جديدة، أطلق عليها «المنظمة من أجل الديمقراطية والتطور»، تتخذ من كييف العاصمة الأوكرانية مقراً لها.
وقد نفى وزير الخارجية الأوكراني بوريس تارسوك أن يكون التكتل الجديد موجها ضد روسيا وتجمع الجمهوريات السوفيتية السابقة (رابطة الدول المستقلة). بيد أن المراقبين يرون بأن هذا التنظيم سيكرس طاقاته من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وفي موسكو، رأى البعض بأن قيام التنظيم الجديد من شأنه أن يحدث شرخا في «رابطة الدول المستقلة»، وهو يعني إقامة منطقة عازلة حول روسيا.
وشكليا، قد يظل عدد أعضاء «رابطة الدول المستقلة» كما هو حتى إذا انسحب كل من أوكرانيا وجورجيا، إذ تطمح «جمهوريتان» معلنتان من جانب واحد، هما أبخازيا وبريدنيستروفيه، في الحصول على عضوية الرابطة.وأجرى رئيسا «الجمهوريتين» المذكورتين (باغابش) و(سميرنوف) محادثات في موسكو لهذا الغرض. ومما له دلالته أن رئيس جمهورية أبخازيا عرض على برلمان جمهوريته لدى عودته من موسكو خطة لتسوية النزاع الجورجي الأبخازي. وتتضمن الخطة على وجه التحديد عودة اللاجئين الجورجيين إلى أبخازيا ليصبحوا مواطني «جمهورية أبخازيا». وأن تكف جورجيا عن ممارسة الضغوط الاقتصادية والسياسية على أبخازيا،و يصبح مجلس الأمن الدولي ضامنا لأمن الجمهورية الجديدة.
ويفترض الروس أن تكون بلادهم هي من يساعد الجمهوريتين المعلنتين من جانب واحد على الانتساب إلى عضوية رابطة الدول المستقلة. إلا أن ما تملكه موسكو من نفوذ وتأثير على عواصم البلدان الأعضاء قد لا يكون كافيا لإقناعها بمباركة انضمام أبخازيا وبريدنيستروفيه، أي الاعتراف بهما كدولتين مستقلتين.ويرى بعض الخبراء الروس انه لا يمكن لروسيا أن تحافظ على نفوذها في محيط الجمهوريات السوفيتية السابقة إلا عندما تبارك وجود أبخازيا وبريدنيستروفيه وربما أوسيتيا الجنوبية ككيانات شرعية قائمة بذاتها. ويبدو أن موسكو لا تزال تدرس إيجابيات وسلبيات الاعتراف باستقلال أبخازيا وبريدنيستروفيه، فهي تخشى الإقدام على خطوة من شأنها أن تخلق توترا في علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعدد من بلدان الجوار، وتعطي في الوقت ذاته دفعا للانفصاليين في عقر دارها.
على صعيد تواجدها الأمني في القوقاز، استأنفت روسيا في الخامس عشر من مايو الجاري سحب أسلحتها وآلياتها العسكرية الثقيلة من القاعدة العسكرية في مدينة اخالكالاكي الجورجية. وسيغادر أفراد القاعدة الروسية جورجيا في أواخر العام 2007 كما تنص على ذلك الاتفاقات الموقعة بين الجانبين، وبذلك ينتهي تاريخ التواجد العسكري الروسي في المنطقة الأرمنية من جورجيا الذي استمر 200 عام.
وإذا كانت تبليسي ترحب بقيام روسيا بتنفيذ التزاماتها المنصوص عليها في اتفاقية اسطنبول فإن سكان اخالكالاكي (أغلبيتهم من الأرمن) يعارضون تطور الأحداث وفق هذا السيناريو.ومن جهة أخرى، هناك مشكلة متعلقة بتحرك الشاحنات العسكرية الروسية عبر الأراضي الأذرية. ومن المعروف أن أذربيجان التي تمر في مرحلة حرب غير معلنة مع أرمينيا تنظر بعين الريبة إلى نقل جزء من التقنيات العسكرية من القاعدة الروسية في اخالكالاكي إلى القاعدة الروسية في مدينة غيومري الأرمنية. وقد ذكر بعض السياسيين الأذربين أن روسيا تقوم بتسليح أرمينيا ومساعدتها على اتخاذ موقف متشدد في النزاع الدائر حول قره باخ.
بيد أن الجيش الروسي بخروجه من جورجيا لن يغادر القوقاز لأن تشكيلات منه ستبقى في أرمينيا، بما في ذلك فوج الصواريخ المضادة للجو المزود بأنظمة صواريخ «س-003 ف»، وكذلك سرب طائرات «ميغ-92» الاعتراضية المقاتلة، وفوجان آليان، وفوج للمدفعية. ويبلغ تعداد تلك التشكيلات 3690 عسكريا، و556 موظفا مدنيا. كما يرابط عسكريون روس في أذربيجان حيث تقع محطة «داريال» للإنذار المبكر من الهجمات الصاروخية، ويخدم في هذه المحطة الواقعة في بلدة غابالا 923 عسكريا، بالإضافة إلى 234 خبيرا مدنيا نصفهم تقريبا من السكان المحليين.كذلك، ترابط تشكيلات لقوات المشاة والبحارة والمظليين، ووحدات لقوات الدفاع الجوي وسلاح الجو في عدد من مدن ومناطق شمال القوقاز.
كذلك، تعتبر منظمة شنغهاي للتعاون إحدى قنوات السياسة الروسية في المحيط الأوراسي. وفي الخامس عشر من يونيو القادم سوف تحتفل المنظمة، المكونة من روسيا والصين وكازاخستان وقيرغيزيا وطاجيكستان وأوزبكستان، بعيد ميلادها الخامس، وستنعقد اجتماع قمة بهذه المناسبة.
وكان قادة الدول الأعضاء قد فجروا مفاجأة خلال اجتماعهم في يوليو الماضي عندما دعوا الولايات المتحدة إلى تحديد موعد لإجلاء قواعدها العسكرية من آسيا الوسطى. وقد غادرت القوات الأمريكية قاعدة خان آباد في أوزبكستان، بينما قدمت السلطات القيرغيزية طلبا لرفع قيمة إيجار قاعدة مناس.
وفي اجتماعهم الذي عقدوه في شنغهاي في الخامس عشر من مايو الجاري، تحدث وزراء خارجية الدول الأعضاء عن خطورة مساعي «تمييع» المنظمة بهدف تقليل وزنها، وحذروا من محاولات «الاستعاضة» عنها بمنظمة أخرى.
ودعا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى عدم التسرع في توسيع نطاق العضوية في المنظمة.وكانت أربع دول، هي منغوليا والهند وباكستان وإيران، قد حصلت على صفة المراقب في المنظمة. وتقدمت بيلاروسيا وسريلانكا بطلب صفة المراقب. وحسب تقارير صحفية، فإن باكستان تقدمت بطلب العضوية الدائمة.
ويرى بعض الخبراء الروس أن الدول الست الأعضاء في منظمة شنغهاي لا تتمكن من تنسيق وفرز سيل المبادرات الجديدة التي تتدفق على المنظمة وجهازها التنفيذي،ولذا عليها أن تنبذ كل ما هو فائض عن حاجتها، ويبدأ ذلك من تأخير قبول أية بلدان جديدة في عضوية المنظمة، وحتى أجل غير مسمى.
وكان الجميع، ولأسباب مفهومة، يهتم بالسؤال التالي: هل ستقبل إيران في المنظمة في الصيف القادم؟
وقد طرح اجتماع شنغهاي الأخير جوابا واضحا عليه: لا. في الوقت الراهن ليس ثمة إغراء لقبول إيران وذلك بسبب علاقاتها المعقدة مع الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكذلك بيلاروسيا جراء مشاكلها مع الغرب، وباكستان التي تسعى لإيجاد أصدقاء جدد على ضوء التقارب الناشئ بين الولايات المتحدة والهند. ويكمن جوهر المشكلة في أن تغرق منظمة شنغهاي في محيط من المناورات السياسية. ولهذا السبب طلبت الدول الأعضاء - حسب معلومات الصحافة الروسية - من ضيف قمة المنظمة القادمة في شنغهاي الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أن يقلل من حديثه عن أمريكا أو إسرائيل ويركز على دور إيران كشريك اقتصادي لدول المنطقة.
ولقد سارع وزير الدفاع الروسي سيرغي ايفانوف هذا الشهر للتأكيد من بكين بأن إيران عضو مراقب في منظمة شنغهاي ولا يتعهد أحد بأية التزامات إزاءها. وقال ايفانوف: الفكرة القائلة أن منظمة شنغهاي ستهب للدفاع عن إيران أرفضها فورا. ومع ذلك فإن موسكو وبكين العضوين الدائمين في مجلس الأمن الدولي والعضوين في منظمة شنغهاي تتخذان كل التدابير الممكنة في سبيل حل «مشكلة الطاقة النووية السلمية الإيرانية» لا بقوة السلاح وإنما بالطرق الدبلوماسية، وفي إطار الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتعاون الدولي.
وتستهدف منظمة شنغهاي دعم الاستقرار والنظام العام والأمن على الأراضي المدرجة في مجال نفوذها. بيد أنها ليست منظمة عسكرية سياسية على الإطلاق، بل بالأحرى اتحاد سياسي اقتصادي.
وعلى الرغم من أن الجانب العسكري لنشاطها لا يخفيه أحد فإن له درجة محدودة نسبيا من التطبيق. ولا يتضمن النظام الداخلي للمنظمة مثل هذا الفصل، كما هو الحال في نظام الناتو الداخلي الذي ينص على الحماية الجماعية لأحد أعضائه من جانب عضو أو أعضاء آخرين في ظل هجوم بلد أجنبي عليه. بيد أن العنصر العسكري لمنظمة شنغهاي ينص على التصدي الجماعي لعصابات مجرمين كبيرة أو للإرهابيين الدوليين إذا اعتزموا اختراق حدود هذه الدولة أو تلك من دول المنظمة.
وتجري تدريبات لهذا الغرض بين الوحدات العسكرية لمنظمة شنغهاي سواء على أساس ثنائي أم متعدد الأطراف. وفي خريف العام الماضي، أجريت تدريبات على ساحل البحر الأصفر بين وحدات من الجيشين الروسي والصيني. وقد تمت تحت عنوان «مكافحة الإرهاب» ولكن اشترك فيها لا المظليون والوحدات الخاصة فحسب بل كذلك البحارة والطيارون والسفن والغواصات والطائرات القاذفة وطائرات النقل العسكرية. واقتربت من حيث نطاقها وعدد الوسائل المشاركة فيها من عملية هجوم كبرى. وساعدت على اكتساب الجنرالات الصينيين والروس على السواء الخبرة في إدارة القوات لدى الإنزال على الساحل البحري.
وتقترح روسيا وأوزبكستان إجراء تدريبات مماثلة في خريف العام الحالي، ولكن ليس على ذلك النطاق وليس في البحر بل في الجبال.
بيد أن التعاون في إطار منظمة شنغهاي لا يقتصر على التدريبات التكتيكية بل يشمل التعاون العسكري التقني الذي يضم بيع السلاح والعتاد العسكري والكثير غير ذلك.ولا غرابة والحال هذه أن ينمو التعاون العسكري التقني بين روسيا والصين من عام لآخر. ولا غرابة في أن طاجيكستان تفتتح فيها أول قاعدة عسكرية جوية هندية، حيث سترابط عشرون مقاتلة من طراز «ميغ - 29». وسوف تساعد بالتعاون مع القاعدة العسكرية الجوية الروسية في مدينة قانت القرغيزية على حماية الحدود مع أفغانستان التي تتدفق عبرها المخدرات والمجموعات المسلحة إلى بلدان آسيا الوسطى ومن ثم إلى أوروبا.
وعلى الرغم من كل ذلك، هناك قناعة متزايدة بضرورة تركيز المنظمة على مسائل التكامل الاقتصادي لمنطقة آسيا الوسطى وإنشاء الفضاء المشترك للتعاون الإنساني الإقليمي. وتدل على هذا التوجه القرارات التي اعتمدها مجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في اجتماعه الأخير الذي عقد في الخامس عشر من مايو الجاري.فمغزى وجود منظمة شنغهاي يتمثل في ضمانات الأمن المقرونة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية لآسيا الوسطى.
يقول وزير الخارجية الكازاخي قاسم جومار توكايف «إننا نعتقد أن الاقتصاد يحظى بالأولوية بالنسبة لمنظمة شنغهاي للتعاون مع العلم بأن الأهمية البالغة في إطار التعاون الاقتصادي تعود - برأينا - إلى تطوير مشاريع كبيرة في ميادين المواصلات والاتصالات والطاقة. كما تحظى بأهمية بالغة السياسة المنسقة في مجال خطوط الأنابيب. وقد تمت الموافقة على برنامج التعاون الاقتصادي في بشكيك في سبتمبر 2003».
وسوف يحتل أول اجتماع لمجلس الأعمال التابع للمنظمة مكانة بارزة في قمة شنغهاي باعتباره ناديا لرجال الأعمال في المنطقة. وستكون أبواب هذا النادي مفتوحة على مصراعيها أمام كل مجتمع الأعمال في الدول الأعضاء وتلك التي تحظى بصفة مراقب، وذلك بهدف تحفيز عمليات الاستثمار في المشاريع الإقليمية.
على صعيد آخر، شكلت مراكز الأبحاث الوطنية في البلدان الأعضاء في منظمة شنغهاي في الثاني والعشرين من الشهر الجاري منتدى في موسكو لدعم وتطوير المنظمة.ومن المؤمل أن يقوم المنتدى بتحليل ودراسة عمل المنظمة، وإجراء أبحاث ودراسات بطلب من أمانتها العامة. وقال نائب مدير المركز الصيني لأبحاث منظمة شنغهاي لي فانلين: «سنقوم بتقديم دعم فكري لتطوير المنظمة. ومن الضروري أن يدرس العلماء والخبراء المشاكل التي تنشأ أو قد تنشأ، ووضع المقترحات الرامية إلى تطوير المنظمة». وقال مدير مركز دراسات شرق آسيا ومنظمة شنغهاي للتعاون في معهد موسكو التابع لوزارة الخارجية الروسية الكسندر لوكين أن المنتدى تأسس بقرار من رؤساء البلدان الأعضاء في المنظمة.
ولا ريب أن إنشاء منتدى رديف لمنظمة شنغهاي للتعاون يعد خطوة هامة وكبيرة على طريق تعزيز دور المنظمة وتفعيل حضورها الإقليمي والدولي.وحبذا لو درست دول مجلس التعاون الخليجي هذه التجربة ونظرت في إمكانية الاسترشاد بها.
وخارج الجزء الآسيوي، تمثل بيلاروسيا أكبر حليف لموسكو في المنطقة السوفيتية السابقة. وعلى الرغم من ذلك، فان العلاقة بين البلدين ليست خالية من مناطق الضغط.
وفي خطوة لها دلالتها الواضحة، أعلنت شركة الغاز الروسية «غاز بروم» نيتها رفع أسعار بيع الغاز إلى المستهلكين في بيلاروسيا إلى مستوى أسعار السوق اعتبارا من بداية العام المقبل. وقد يفهم المرء أسباب رفع أسعار بيع الغاز الروسي إلى أوكرانيا بعدما تولى قادة «الثورة البرتقالية» أمور السلطة فيها. ولكن ما قضية بيلاروسيا؟ ومن الواضح أن «غاز بروم» هي أداة السياسة الخارجية الروسية.ومن المهم معرفة ماذا تريد روسيا من الرئيس البيلاروسي الكسندر لوكاشينكو حين تلجأ إلى استعمال هذه الأداة.
والواقع أن بيلارووحتى يتم إنجاز الاتحاد الروسي البيلاروسي يجب أن يتنازل لوكاشينكو عن سيادته جزئيا لصالح موسكو. وحتى الآن قيل الكثير عن بناء دولة الوحدة، ولكن الأقوال لم تترجم إلى أفعال. وعلى سبيل المثال ما زال الجانب البيلاروسي يتهرب من طرح الروبل الروسي للتداول في بيلاروسيا.وهناك انطباع بأن أحدا ما في موسكو سئم من كل ذلك وتعتريه رغبة في وضع النقاط على الحروف. وإذا اختار لوكاشينكو هذه المرة أيضا أن «يستعبط» فقد تقدم موسكو على إيجاد بديل له كرئيس لبيلاروسيا، مع العلم أن الغرب لا يعترف بكون لوكاشينكو رئيسا شرعيا.هكذا يقولون في موسكو.