بحث



الجمعة 28 ربيع الآخر 1427هـ - 26 مايو 2006م - العدد 13850

عودة الى آثار

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


قوافل
القلب ياهيئة السياحة يعتصر

د. عبدالعزيز بن سعود الغزي
    إني أعشق الوقوف على الأطلال القديمة ليس محبة في بقايا أطلال دارسة إنما هو عشق لأفعال رجال لا يعرفلون للراحة طريقاً فالعمل الدؤوب هو ما يعرفون، لم تهزمهم شراسة البيئة واستبدادها عندما تقابل ضعفاء الهمة وخواري العزم، وهذا هو الفرق بين من يجد ويعمل ويفرض نفسه على بيئته وبين من يفضل الابتعاد بالانزواء والتآكل، تتبين هذه الصورة في مستوطنة السلمية بكل وضوح، اختار الإنسان الأرض فسخرها، عرف مكان الماء فجلبه، واكتشف ملاءمة التربة فتجاوبت معه فأعطته ما يأكل، وأظلته عن لهيب الصيف الحارق وزودته بالوقود الذي يقيه برودة الشتاء القارصة، وأغنته عن العالة والتكفف، فبقي حراً عزيز الجانب، يعطي ولا يعطى.

واستجابة لدعوة من الصديق الأستاذ سلمان بن عفيصان رئيس مركز السلمية في محافظة الخرج قمت بصحبة أخي المؤرخ عبدالعزيز الأحيدب وزميلي الدكتور أحمد العبودي وصديقي الأستاذ الباحث عبدالرحمن المحسن مدير عام مركز البابطين الثقافي ورفيقي الأستاذ يوسف العتيق الباحث والصحفي المعروف بزيارة لبلدة السلمية للتعرف على تراثها وآثارها وتاريخها وبيئتها وحقولها.

بعد أن استضافنا الأستاذ سلمان قمنا بجولة أثرية كانت بدايتها بزيارة المزارع القديمة والمسار الشرقي لقناة عين فرزان الذي على ضفافه الشمالية شاهدنا مستوطنة مندثرة تحت الرمال لم يعد منها منكشفاً إلا كسر فخار قلبها جرف (دركتر) عبث في الأرض فقلب عاليها سافلها دون وجود سبب واضح، ومن أنواع تلك الكسر وألوانها يتضح أنها تشابه بعض الكسر التي عثر عليها في مواقع في شرقي الخرج مثل حزم عقيلة والبنة «الخضرمة» وعين فرزان ومشيرفة، وانتقلنا بعد ذلك لنشاهد المرتفعات الجبلية المحاذية للسلمية من ناحية الشمال والمطلة على هجرة الشديدة والتي كانت موطناً من مواطن القبور الموغلة في القدم، ومنها كانت قناة تنطلق باتجاه الجنوب لتسقي بعض مزارع السلمية في العصور القديمة، وعند وصولنا وجدنا تلك الجبال قد تحولت إلى مزارع بعضها كساه الاخضرار، والبعض الآخر في الطريق الى ذلك، ولم يعد باقياً من الآثار إلا ما يوجد فوق قمة الجبل والتي بالرغم من وعورتها وشراسة أحجارها طالتها أسيجة المزارع وسويت بعض قبورها بالدركتورات التي لا أعرف كيف استطاعت أن تصل إلى تلك القمم الوعرة.

ولم تكن السلمية بعيدة عن أعين الرحالة الغربيين بل ذكرها عدد منهم ربما لأنها كانت أحد البقع الخضراء في النهاية الشمالية الشرقية لوادي الخرج، ولأنها كانت موطناً لمزارع الأسرة السعودية الحكامة منذ دور الدولة السعودية الثانية، ومربطا من مرابط خيولها، وربما أن من أقدم الرحالة الذين تمكنوا من زيارتها الرحالة الإنجليزي الشهير وليم جيفورد بلجريف الذي قدم إلى المملكة العربية السعودية خلال الدور السعودي الثاني عام 1282ه في أواخر حكم الإمام فيصل بن تركي بن عبدالله، وبعد بقائه في مدينة الرياض لفترة تزيد على العشرين يوما أشير عليه أن يقوم برحلة إلى الخرج ليرى الاسطبلات الملكية هناك، ويرى المزارع والخضروات والفواكه، فقام بالرحلة، ثم عاد أدراجه إلى الرياض ليستعد لمغادرتها متوجها نحو الاحساء عندما ظن أن حياته في خطر.

وبالرغم من أنني واثق ان عددا من الرحالة والباحثين الغربيين قد ذكروا بعض المعلومات عن السلمية عندما كانوا يعملون في الخرج وبخاصة في المشاريع الزراعية والمشاريع الأخرى أمثال دي جوري وتوتشل، الا انني في هذه اللحظة اتذكر الرحالة الانجليزي هاري سنت جون برديجر فيلبي الذي قام بزيارتها عام 1918م وهو في طريقه إلى وادي الدواسر فتوقف فيها وسار بين مزارعها ونشر وصفا لما شاهد في بحث بعنوان «رحلة من الرياض الى الخرج فالأفلاج ثم السليل ثم وادي الدواسر» عام 1919م عن طريق المعتمدية البريطانية في مصر ثم اعاد نشر المقال عام 1920م في المجلة الجغرافية الملكية البريطانية، ثم نشر الشيء نفسه في كتابه «قلب الجزيرة العربية» الذي تمت ترجمته عن طريق مكتبة العبيكان في مدينة الرياض، وفي ذلك العمل وصف المدينة المسورة التي ذكر أن طولها ميل وعرضها نصف ميل ووصف قصر الأمير والمنتجات الزراعية.

ويوجد في بعض المصادر الحديثة معلومات عن بلدة السلمية مثل الكتب التاريخية التقليدية ككتاب ابن غنام وكتاب ابن بشر والكتب الشبيهة بها نوعاً وزمناً . وتحدث عنها الشيخ المؤرخ عبدالله بن محمد بن خميس في كتابه «معجم اليمامة» وكتابه «تاريخ اليمامة» وجاء الأستاذ سعد بن عبدالرحمن الدريهم بمعلومات بخصوصها في كتابه «الخرج» الصادر عن الرئاسة العامة لرعاية الشباب ضمن سلسلة هذه بلادنا، كما ذكرها تقرير وكالة الآثار والمتاحف المنشور عام 1979م في مجلة أطلال، ويوجد ايضا معلومات عن بلدة السلمية في المصادر والمراجع المساندة المكتوبة عن ممالك شرقي الجزيرة العربية، والمصادر التي دونت تاريخ العلاقة بين نجد والحجاز خلال القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين.

ومن الواضح ان السلمية من المواطن والتي استوطنها الإنسان عبر عصور قديمة تسبق ظهور الإسلام واستمر استيطانها خلال العصر الاسلامي وحتى الوقت الحاضر، فهي بهذا تخالف ظهور بعض البلدات النجدية الذي عادة ما ينتسب الى منتصف القرن الثامن الهجري أو قُبيله أو بعده بقليل، فهي من المستوطنات الأقدم خلال العصر الاسلامي وما قبيله.

إنه عمل غير حضاري البتة ومنظر مؤذٍ أن يجد الإنسان آثار بلاده تدمر بهذه الطريقة المحزنة بالرغم من انها تقع في بيئات لا فائدة منها لإنسان العصر الحديث من حيث الزراعة المنتجة، ولا فائدة منها من حيث قيام المساكن او حتى الاستراحات فهي أرض موحشة، فلم يخترها الإنسان القديم لتكون مقرا لموتاه إلا لعلوها ووعورتها ووحشتها وبعدها عن أماكن التجمعات البشرية، ومع هذه الاحترازات الموغلة في القدم دمر جهل الانسان المتمدن ما قصد الإنسان القديم ان يبقى ليراه من يتعظ به ويستشهد به على ما كان.

وكلنا أمل في الجهات المسؤولة وفي مقدمتها الهيئة العليا للسياحة والآثار أن تعمل على المحافظة على آثار هذه المحافظة الراقية التي يحس الإنسان بالراحة النفسية عندما يكون فيها، فماؤها عذب ونباتها مثمر، وهواؤها صحي، وفيها عاشت امم سطرت لها في التاريخ مكان، فهي موطن ثمامة بن اثال الحنفي صاحب الموقف المشهور مع الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، وأجزم أنها أفضل مكان سياحي يجمع المؤلف في القديم والإسلامي والحديث في المملكة العربية السعودية للأسباب التالية:

1 - تنوع الأماكن الأثرية فيها.

2 - وجود الأماكن الأثرية الضخمة في نطاق المدينة الحديثة.

3 - تأطير جوانب المدينة الحديثة بالمواقع الأثرية الأكثر قدما.

4 - عراقة التاريخ الجامع ما بين القديم والإسلامي والشارح للآثار الموجودة على أرض الواقع.

وعليه فالسائح يجد عدة أشياء في مكان واحد وجميعها هي ما يبحث عنه، وفي الوقت نفسه يعيش في داخل مدينة عصرية.

وعليه لا تتركي ياهيئة السياحة القلب يعتصر ومثله آلاف القلوب، فالخرج يحتاج إلى رسم خارطة لمواقعه الأثرية ومن ثم المحافظة على تلك المواقع من خلال السبل المتاحة، ونحن على أتم الاستعداد والعمل بقدر ما نستطيع ويتاح لنا.

4 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

كلام جميل وواقعي


استاذي..
نعم أوافقك في كل ماذكرته
للأسف ان هناك تهاون كبير بالآثار ولا أعلم السبب
وامنيتي أن يتم الاهتمام أكثر كما ذكرت
فت كل منطقة في مملكتنا لها آثارها التي يعتز سكانها بها..
ابو ريتاج
a7b666@hotmail.com


ابو ريتاج
ابلاغ
08:05 صباحاً 2006/05/26

 

فما بالكم بآثار مكة والمدينة والطائف


أخواني والله من جد القلب يعتصر
هناك آثار كثيرة في بلادنا مهددة وهناك آثار تضرب في عمق تاريخنا الاسلامي نهمل من الحفظ، فهناك مواقع الغزوات والمعارك أصبحت مخططات عقارية !
وهناك مساجد أعمارها اكثرمن 1400 عام يخطط لإزالتها من على الخارطة !
وآخرها دعوة أحد المجانين بإزالة قبر السيدة خديجة رضى الله عنها!
وهناك آخر يطالب بإزالة الموقع الذي ولد به رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام !
وهناك من يطالب بإزالة مساجد الصحابة !


نبيل ميشة
ابلاغ
12:03 مساءً 2006/05/26

 

لقد شاهدناذلك


عزيزي الدكتور.لقد شاهدنا ذلك لحظ بلحظة..
وبالفعل نستغرب من ذلك مع أننا أحوج للماضي كالحاضر.
فلو زرت شمال المملكة لرأيت أكثر وأعجب..


enezi55
ابلاغ
03:33 مساءً 2006/05/26

 

هيئة السياحة !


فقط لما يستفاد منه ماديا !!!
اما المناطق التي ليس منها مردودات فليس لها إلا الإهمال
بل و الإغلاق. لتحويل السياح الى ما فيها مردود !!!
-
و الله اعلم !!! مجرد رؤية !!


السالمي
ابلاغ
04:58 مساءً 2006/05/26


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى آثار

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية