ابن خلدون تطرق لنظام العمران وربطه بالمجتمع ..
م. عبدالعزيز السحيباني
يعتبر علم الهندسة في العمران فناً جمالياً يمارس منذ القدم يشهد على ذلك هذه المباني الرائعة في النقش والنحت التي نراها ماثلة أمامنا في الجبال كمدائن صالح، وفي عهود الاسلام بمباني الاندلس الفريدة في نقشها وبنائها كقصر الحمراء بغرناطة بأبهائه وأفنيته وحدائقه مثل حديقة خته العريف، ونظام المياه والذي يكون نوافير مياه رائعة وبيّن المهندس عبدالعزيز محمد السحيباني المتخصص في شؤون التنمية العمرانية ان هذا الفن تم باتقان هندسي رائع فلم تكن وظيفة الهندسة مجرد (مخطط) ورقي كتب عليه الابعاد والمساحات والأحمال بحساب جامد بعيد عن الجمال وانما كان ذلك يتم على أرض الواقع ببناء جميل رائع.
وقال لقد قرأت في مقدمة ابن خلدون الذي عاش فيما قبل عام 800 ه اي قبل أكثر من 600 عام فصلا من الفصول يتحدث عن (العمران) بآراء ونظريات كلها اليوم تطبق في عالم الهندسة التكنولوجي والرقمي بالأجهزة وكل ما تحدث عنه ابن خلدون في مقدمته وهو أحد علماء الاجتماع هو ربط بين العمران والمجتمع، فالعمران لا يقوم الا لأجل المجتمع فليس المبنى يقام فقط لسكن الانسان وانما يجب ان ينسجم مع طبيعته ومع مناخه وأرضه فمع الأسف نجد أن المباني لدينا تقام حسب الأجواء والطرز التي توجد في دول أوروبا او امريكا بغض النظر عن طبيعة البشر وحاجاتهم... ان وظيفة المبنى الأساسية يجب يعالى عليها بالأصبغة والجص، ويبالغ في كل ذلك بالتنجيد والتنميق اظهر للبساطة بالعناية في شأن المأوى.
واضاف السحيباني ان ابن خلدون تحدث عن البنائين ومهاراتهم وما يسمى في وقتنا الحالي بالمهندسين فيقول «وأهل هذه الصناعة القائمون عليها متفاوتون فمنهم البصير الماهر ومنهم القاصر».
ثم يتحدث عن فنون البناء فيقول: «ومن صنائع البناء عمل السقف بأن تمد الخشب المحكمة النجارة او الساذجة على حائطي البيت ومن فوقها الألواح كذلك موصولة بالدساتر ويصب عليها التراب والكلس ويبلط بالمراكز حتى تتداخل أجزاؤها وتلتحم ويعالى عليها الكلس كما عولي على الحائط». ويتحدث ابن خلدون عن نظام البناء الرأسي والأفقي في المدن المزدحمة بالسكان وكأنه قد شاهد ما يحصل في المدن الكبيرة هذا اليوم فيقول: «ذلك أن الناس في المدن الكثيرة الازدحام والعمران يتشاحون حتى في الفضاء والهواء للأعلى والأسفل في الانتفاع بظاهر البناء، مما يتوقع معه حصول الضرر في الحيطان فيمنع جاره من ذلك الا ما كان له فيه حق ويختلفون ايضا في استحقاق الطرق والمنافذ (نظام الارتدادات) للمياه الجارية والفضلات المسربة في القنوات وربما يدعي بعضهم حق بعض في حائطه او علوه او قناته لتضايق الجوار او يدعي بعضهم على جاره اعتلال حائطه وخشية سقوطه ويحتاج وفي ما ذكره ابن خلدون نظريات هي اساس التخطيط العمراني في وقتنا الحاضر فوظيفة المخطط يجب ان تحفظ الخصوصية الاجتماعية للمجتمع وهي التعارف بين الساكنين حتى لا يأتي أحد غريب بينهم وغير معروف وهذه الخاصية يحققها ما يسمى ب (المخطط المغلق) حيث إن الجار يضطر الى أن يعرف جاره بعكس المخطط الشبكي اضافة الى الوظيفة الأمنية وكلا هذين العنصرين تطرق لهما ابن خلدون في كلامه السابق «يتناكرون ولا يتعارفون فيخشى من طروق بعضهم بعضا بياتا» وتناكرهم هو في حالة تكاثر السكان ومن ثم كثرة المنازل فكثرة السكان عنصر أساسي في عدم التعارف وخشية اندساس المحتالين او السارقين بينهم. وعن اختيار الأذواق و(اختلاف) الناس حولها أوضح المهندس السحيباني ان ابن خلدون تحدث عن اختلاف أهواء وأمزجة الناس في العمارة والبناء حسب أحوالهم المادية وأمزجتهم فيقول: (ثم يختلف أحوال البناء في المدن كل مدينة على ما يتعارفون او يصطلحون عليه، ويناسب مزاج أهوائهم واختلاف أحوالهم في الغنى والفقر، وكذا حال أهل المدينة الواحدة منهم من يتخذ القصور والمصانع العظيمة الساحة المشتملة على عدة الدور والبيوت والغرف الكبيرة لكثرة ولده وحشمه وعياله وتابعيه).
ثم يتحدث عن أسلوب البناء ومواد البناء السائدة في ذلك الوقت (الحجارة، الكلس، الأصبغة، الجص) فيقول: (ويؤسس جدرانها بالحجارة ويلحم بينها بالكلس فعرفتها قبل بناء أي مبنى.. فما معنى أن تكون المباني لدينا بعدة أدوار في أراض فضاء وفي صحاري شاسعة.. فليس الهدف من المبنى هو الشكل وانما الوظيفة.
يقول ابن خلدون في مقدمته (الفصل الخامس والعشرون) (في صناعة البناء) مايلي: «هذه الصناعة أول صنائع العمران الحضري وأقدمها وهي معرفة العمل في اتخاذ البيوت والمنازل للسكن والمأوى للأبدان في المدن، وذلك ان الانسان لما جبل عليه من الفكر، في عواقب احواله لابد له ان يفكر فيما يدفع عند الأذى من الحر والبرد كاتخاذ البيوت المكتنفة بالسقف والحيطان من جميع جهاتها والبشر مختلفون في هذه الحيلة الفكرية التي هي معنى الانسانية فالمقيدون فيها ولو على التفاوت يتخذون ذلك باعتدال، كأهل الاقليم الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس (وأما أهل البدو فيبعدون عن اتخاذ ذلك لقصور أفكارهم عن ادراك الصنائع البشرية). ويقصد ابن خلدون بأهل الاقليم الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس اختلاف اقاليم الارض والتي قسمها الى عدة أقسام من حيث المناخ واعتداله والحر والبرد فيه فكل جزء او اقليم له طابع خاص ومناخ خاص به «مثل اتخاذ العوازل في وقتنا الحالي» في نظام البناء والمباني فالبلدان الشديدة الحرارة أو البرودة لابد ان تتخذ العوازل في البناء، واما ما كانت في جو معتدل فلا داعي لذلك.
وأبان السحيباني ان ابن خلدون اضاف (ثم المعتدلون والمتخذون البيوت للمأوى قد يتكاثرون فتكثر بيوتهم في البسيط الواحد بحيث يتناكرون ولا يتعارفون فيخشى من طروق بعضهم بعضا بيانات فيحتاجون الى حفظ مجتمعهم بادارة سياج الأسوار التي تحوطهم). إلى الحكم عليه بهدمه ودفع ضرره عن جاره أو يحتاج الى قسمة دار او عرضه بين شريكين).. وما تحدث عنه ابن خلدون هو ما تقوم به البلديات حالية من نظام مراقبة الارتداد عن الجار ونظام الشوارع التي يتم اقتطاعها للخدمات (المياه، الصرف الصحي) ويتحدث عنها بالقنوات ثم يتحدث عن ضرورة المراقبة الدائمة على البناء وميل الحيطان اي استقامتها فيقول: «ويخفى جميع ذلك الا على أهل البصر بالبناء العارفين بأحواله المستدلين عليها بالمعاقد والقمط ومراكز ميل الخشب وميل الحيطان واعتدالها وقسم المساكن على نسبة أوضاعها ومنافعها». ويتحدث كذلك عن نظام الصرف الصحي بحيث يكون بعيدا عن المباني (وتسريب المياه في القنوات مجلوبة ومرفوعة بحيث لا تضر بما مرت عليه من البيوت والحيطان وغير ذلك».
وختم عبدالعزيز السحيباني بقوله إن ما في هذه المقدمة يمثل ضرورة لوجود لائحة دقيقة لنظام البناء والمباني لدينا بحيث يتم معرفلة الارتفاعات والارتدادات بحيث تكون متناسقة وليست «اختيارية، وكذلك عروض الشوارع والهدف منها والذي ليس هو فقط حركة المرور والسيارات وانما خلخلة الكتلة العمرانية وتهويتها ومد الخدمات عبرها».