لا يخفى على الكثيرين ما كتب مؤخراً عن المعاناة المادية للطلبة السعوديين المبتعثين إلى الخارج. وفي البداية أتمنى أن لا يفهم من العنوان أن مغزى المقالة هو الاستجداء أو طلب النظر بعين الشفقة والرحمة من أحد إلى هؤلاء المبتعثين الذين يعيشون في دول العالم الأول- إن صح التعبير- أو الدول المتقدمة بمعنى أدق. فرسائل الاستجداء والاستنجاد من واقع المبتعثين المادي الصعب الذي يعيشونه أثناء دراستهم قد ملأت وسائل الإعلام المطبوعة منها والالكترونية ولما تجدي نفعاً. ولست أحسب أن هذه المقالة ستضيف إلى رسائل الاستنجاد السابقة كثير نفع. وما كنت أومن يوماً- ومازلت كذلك- بلهجة التضرع والتمسكن لطلب حق مشروع ولكن... الموضوع في الحقيقة أبعد من هذا بكثير.
إن المطالبة بحل المشكلة المادية للطلاب المبتعثين لا تعالج اصل القضية وإنما هي منظومة متكاملة يجب أن تعالج بشمولية، لا أن ينظر إليها بعين واحدة أو أن نعالج الجزء الظاهر على السطح ونغفل- أو نتناسى- أن نعالج قواعده المتآكلة في الداخل. فقضية معاناة المبتعثين المادية في استراليا وبريطانيا ونيوزيلندا وغيرها من الدول الاوروبية ليست إلا جزءاً من المشكلة، أو بمعنى أوضح هي الحلقة الثانية في مسلسل المصاعب المادية لعلماء وباحثي وطاقات الوطن الأكاديمية. والذين أحسب- كما يدرك كل منصف- أن هذه الثورة (وهي البحث العلمي ودعمه) هي السر الحقيقي خلف تطور الأمم والشعوب. ولا أخال أمريكا أو غيرها من الدول المتقدمة أدركت ما وصلت إليه من تقدم ورقي إلا بدعمها للبحث العلمي واهتمامها بالعلماء. وقارنوا إن شئتم ميزانيات تلك الدول المخصصة لهذه الأهداف العلمية بنظيراتها في دول العالم الثالث.
وللنظر لأبعاد المشاكل المادية لعلماء المستقبل من أبناء الوطن ومن يعول عليهم الكثير في مجال البحث العلمي علينا ان نمعن النظر في جميع مراحل هذه المشكلة، ولنبدأ بالحلقة الأولى:
بداية التحدي بعد التخرج من الجامعة:
قد نتفق إلى حد بعيد على أن التفوق الدراسي أثناء مرحلة الدراسة الجامعية (البكالوريس) هو دليل على نبوغ الطالب. كما أن اختيار الطالب للإعادة في الكليات- وهي الخطوة الأولى لاستثمار هذا الطالب وتهيئته لأن يكون أحد علماء البلد في التخصص الذي تحتاج إليه الكلية التي رشحته- لهو مؤشر واضح على أن الطالب قد خاض منافسة قوية مع الآلاف من أقرانه حتى يترشح لأن يكون معيداً في تلك الكلية، وعدد هؤلاء المعيدين الذين يتم اختيارهم لا يتجاوز في أغلب الأحيان اثنين أو ثلاثة طلاب في كل فصل دراسي.
ثم بعد ذلك يحصل المعيد المتفوق في بداية حياته الوظيفية والأكاديمية على مرتب يقرب من الخمسة آلاف ريال في وقت ليس بالبعيد- وهو الوقت الذي حصل فيه أكثر المبتعثين الآن على وظيفة المعيد- كان سوق العمل من تدريس في وزارة التربية والتعليم أو في الوظائف الأخرى الحكومية منها وغير الحكومية (القطاع الخاص) يوفر للخريج عائداً مادياً أكبر من ذلك الذي يتقاضاه المعيد. ولنأخذ مقارنة وظيفة المعيد في الجامعة بخريج اصبح معلماً في وزارة التربية والتعليم على المستوى الخامس (وهو- أي المستوى الخامس- السلم الوظيفي الرسمي للمعلم الحاصل على شهادة تربوية وكذلك المستوى الرابع لغير التربوي الذي لا يفرق في العلاوة السنوية عن المستوى الخامس). فمرتبات المعلمين في قطاع التعليم- الذي لا يستلزم أن يكون الخريج نابغاً أو متفوقاً حتى يتسنى له التوظيف- يكاد يزيد عن مرتب المعيد ب 20٪ تقريباً، إذ يبلغ مرتب المعلم آنذاك 6100 ريال.
فبمعادلة بسيطة يستطيع كل أحد أن يوجد ناتجها نجد أن هذا المدرس سيكون مرتبه أكثر من هذا المعيد حتى بعد أن ينتهي من دراسته ويعود بشهادة الدكتوراه.
فإذاً هذا هو التحدي الأول للطالب النابغة الذي يخطط لأن يكون أحد المبدعين وعلماء الوطن في تخصصه يوماً من الأيام، إذ يتحتم عليه أن يتخذ قراراً صعباً. عليه أن يقرر ما إذا كان يريد أن يبدأ حياته الوظيفية مستقراً يعلم بكل وضوح معالم مستقبلة الوظيفي والمادي ويخطط بدون تردد لحياته الأجتماعية واستثماراته المالية وبين إن كان يريد أن يسلك الطريق الشائك والأصعب والمحفوف بالخوف من المستقبل ومن المجهول ماذا سيحمل بين طياته لهذا الشاب الذي للتو بدأ حياته العلمية. فبين هاجس الغربة وعدم الثقة في تحقق احلامه الأكاديمية وعدم الثقة في إمكانية تحمله الغربة والبعد عن الوطن بكل ماتحمله كلمة الغربة عن الديار من هموم اجتماعية وأسرية ونفسية ومالية. ثم فوق هذا كله عدم ثقته في ما إذا كان المردود بعد ذلك يستحق كل هذا العناء. لاشك أن الوطن يستحق أكثر من هذا كله- إذا ما استحضر ابن الوطن حينها حسه الوطني وغيرته على تقدم وطنه وهو في هذا السن الصغير مقابل حجم التضحية الكبير. هو على كل حال قرار صعب اتخذه الكثير من شباب الوطن رغم كل العوائق والمثبطات وترك الراحة واستلام المرتب في نهاية كل شهر وهو بين أهله وأقاربه قرير العين مرتاح البال. اختاروا هذا القرار وانتقلوا بحفظ الله ورعايته إلى الحلقة الثانية.
المبتعثون في الخارج:
من المتعارف عليه في جامعات المملكة أنه ما إن يتم تعيين المعيد في الكلية حتى يبدأ يراسل الجامعات في مختلف أصقاع الأرض التي ربما لم يزر المعيد أياً منها في حياته بل إن كثيراً منهم لم يحصل بعد على جواز للسفر. وسرعان ما يبدأ بالسؤال هنا وهناك عن أفضل الجامعات وأفضل التخصصات. ثم ما يلبث أن يضيف إلى قوة الجامعة معايير أخرى وجملة من التساؤلات سرعان ما تتكاثر وتزيد همه هماً. فيهتم بتكلفة المعيشة المادية هناك، أسعار إيجارات الشقق، الأمن في المدينة، هل من سياسة هذه الدولة أن تلغي تأشيرتي في أي وقت دون علم مسبق؟، وعن ما إذا كان هنالك مدارس سعودية إن كان لديه أبناء... وغير ذلك كثير حتى إذا حصل على القبول من الجامعة المبتعث إليها بدأ بالبحث عن مشتر لأثاث بيته وسيارته وما تبقى من ممتلكاته في وطنه لعلها تعينه مع ما استلفه من هنا وهناك لكي يستقر في بلد الغربة دون مشاكل أول الأمر وحتى يبدأ الصرف عليه من الملحقية الثقافية. حينها عليه أن يقترض (أو يدبر مبلغ) لكي يشتري له سيارة علها تغنيه عن وسائل المواصلات العامة.
حتى إذا وصل صاحبنا إلى بلد الدراسة واستقر هناك بدأت المتاعب المادية (والتي هو محور حديثنا هنا). ولكي تتضح الصورة للقارئ الكريم عن حجم المشاكل المادية هناك سوف أضرب أمثلة لبعض المصاريف التي يتعرض لها جل المبتعثين. والأمثلة هنا من واقع الدراسة في مدينة برزين الاسترالية (والتي أدرس حاليا فيها) وهي- أي مدينة برزين- تعتبر أرخص معيشة من كثير من المدن في استراليا.
فمكافأة المبتعث الأعزب 1219 دولاراً أمريكياً أي حوالي 1580 دولاراً استرالياً (طبعا ينخفض هذا المبلغ بانخفاض الدولار الامريكي الذي هذا شأنه منذ أكثر من سنتين) ومكافأة الطالب صاحب العائلة الذي لديه طفل واحد حوالي ثلاثة آلاف دولار استرالي. وبعد عرض مدخول الطالب المبتعث يكفي أن تعلم أخي القارئ ان القيمة الشرائية للدولار الاسترالي تعادل القيمة الشرائية للريال السعودي بل وتقل كثيرا عن ذلك في بعض السلع. كما ان المبتعث يدفع شهريا ما لا يقل عن 2000 دولار لايجار السكن والخدمات من كهرباء وهاتف وغيرها. فلا يختلف مبتعثان على أن هم الصرف المادي في بلد الابتعاث بات طاغياً على أهداف التفوق العلمي والتفرغ لذلك.
وتمر هذه الخطوة بكل صعوبتها وآلامها وآمالها كما مر غيرها من المراحل الصعبة في حياة علماء وباحثي مستقبل الوطن الغالي،ويرجع المبتعث المتسلح بسلاح العلم رافعاً رأسه بكل شموخ حاملاً أعلى شهادة علمية- شهادة الدكتوراه- لينتقل إلى الحلقة الأخيرة في مسلسل معاناته المادية التي بدا واضحاً أنها قد كتبت عليه ما دام مصراً على الطموح والبحث العلمي الذي لا يتوقف.
ما بعد الدكتوراة:
يرجع ابن الوطن البار بعد السنين تلو السنين التي قضاه في الغربة عن الوطن والاهل والاصدقاء ليتعين على وظيفة استاذ مساعد في الجامعة أو في جهة أكاديمية أخرى بمرتب أحد عشر ألف ريال!!! وينظر سعادة الدكتور حوله فإذا بزملائه- أثناء دراسته الجامعية- من المدرسين وغيرهم يتقاضون مرتبات أعلى مما ينتظر سعادة الدكتور. ثم يبدأ يبحث عن مسكن له ولعائلته بالإيجار ولعله يهتدي إلى أخذ قرض من أحد البنوك يتناسب مع راتبه لكي يؤثث منزله المستأجر ويبدأ يستقر في حياته الجديدة. كل ذلك وهو يرى زملاءه الذين لم يسلكوا طريقه الشائك قد تملكوا الفلل السكنية التي تليق بهم وقد استقرت حياتهم وبدأوا بالتخطيط لمستقبل أبنائهم.
ثم بعد هذا كله ألا يجدر بنا أن نعيد النظر في هذه الثغرة التي ما انفكت تزيد اتساعاً، وما زلنا يوماً بعد يوم نشهد إحجام أساتذة الجامعات عن الاستمرار في مسيرة البحث الأكاديمي. ولا نعجب إذا علمنا أن إحصائية استقالة الأساتذة الجامعيين من جامعة الملك سعود فقط بلغ نحو 90 استاذاً جامعياً في سنة واحدة فقط. لقد أدركت الدول المتقدمة ان الاستثمار في الطاقات والعقول البشرية أعظم مردوداً من أي نوع آخر من الاستثمارات. وها هي الدول المتقدمة تسعى بكل ما أوتيت من مغريات لجذب العقول من الداخل والخارج. ولا نعجب بعد هذا كله من هجرة العقول العربية والإسلامية إلى الدول الغربية. فكل ما يحتاجه العالم والباحث هو أن يتفرغ لبحثه العلمي وأن يكفي مؤونة مكابدة المشاكل المادية وتحولها إلى هاجس يؤرقه ليل نهار. ولقد أدركت الدول المتقدمة هذا المطلب وجعلته المحفز الأول للعقول المستوردة. ومع شديد الأسف ظهرت في المملكة منذ بضع سنين ونتيجة طبيعية لضعف الحافز المادي ظاهرة الهجرة الداخلية للعقول الوطنية (وذلك بترك البحث العلمي والاتجاه للجانب التطبيقي والاستشارات المتخصصة في الشركات التجارية). ولن أعجب في المستقبل القريب- إذا ما استمر الوضع على حاله- أن نسمع بهجرة العقول الوطنية للخارج حيث تقدير الباحث والعالم.
* مبتعث في استراليا