بحث



الخميس 27 ربيع الآخر 1427هـ - 25 مايو 2006م - العدد 13849

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


آخر الصعاليك.. وأجمل المنشدين

د. معجب الزهراني
    هل نستطيع الكتابة عن عبد الله نور بجرأة تليق به؟ هل نستطيع أن نكتب عنه وعنا بصدق يليق بنا؟ هل تبرر اسئلة الشك المزيد من الصمت عن شخصية عبرت حياة كثيرين كالبرق الذي لا يمحى أثره؟. صحوت هذا الصباح على وقع هذه الأسئلة. صحوت ووجهه نور يملأ الفراغ المعتم من حولي.

يوم الاثنين تلقيت رسالة هاتفية نقلت خبر موته.. وبكل برودة. صباح الثلاثاء تلقيت رسالة أكثر جمالا لأنها أكثر حزنا: مات (ع ن). رددت في الحال: لقد قتلته ثقافتنا منذ الجاهلية يا صديقي. أحاول الآن الكتابة عنه بأملين. الأول أن ينشر هذا المقال سريعاً. والثاني هو أن يكتب عنه آخرون وقبيل نهاية العام ينشر كل ما كتبنا لنحتفل بذكراه كما يجب وكما نحب. لن أقول عنه إنه عبقرية عرفت ولما تكتشف. سأقول إنه طاقة خلاقة ظلت تشع وتنطفئ على هواها ولذا أحبها وأعجب بها كثيرون دون أن يعترف بها أحد إلا في الكلام العابر.

سأستعير من جمال الدين بنشيخ عنوان روايته الوحيدة «وردة سوداء بلا عطر»، ومن هنا سأبدأ. كنا في الجامعة بداية السبعينيات.في إحدى المرات قررنا أن نبحث عن عبد الله نور الذي سمعنا عنه الكثير من الأعاجيب. لا أدري كيف توصلنا إلى عنوان منزله بوسط المدينة. ذهبنا إليه. عرضنا عليه الخروج معنا. لم يتردد. كأنه كان ينتظرنا. كأنه كان يبحث عنا ليخرجنا مما نحن فيه من ضيق أفق وضيق فكر وضيق خلق. الرياض لم تكن رحيمة بغرباء أمثالنا، لكنها ربما كانت أكثر رأفة بالناس مما هي عليه اليوم.

ذهبنا إلى المقهى. كان عبد الله نور نحيلا مرهقا مرهفا شاردا قلقا. كما لو ان التجربة المرة التي خرج منها للتو لا زالت تلاحقه بظلالها وبكوابيسها. أتذكر جيدا أنه حكى لنا حكاية عن شقوق في جدار ظل الفنان يحدق فيها إلى أن تحولت إلى لوحة. لوحة تتكلم وتضحك وتغني وتهم بالرقص حين يستخفها طرب ما!.

ولشدة افتتان الفنان بكائنات اللوحة تمنى لو عاد إلى رؤية الجدار وشقوقه من حين لحين. تمنى وحاول لكن دون جدوى!. من المؤكد أن الحكاية أدهشتنا حد أنني شخصيا حسبتها الحقيقية ذاتها. لا أظنها من مقروءاته بل هي من مختلقاته وحياته موقوفة بين جدران معتمة قاسية. لاحقا أدركت أن عبد الله نور لم يكن يريد التسلية بحكاية تطل على دلالا ت فلسفية بعيدة تغري بالمزيد من البحث عنها. لقد أعاد تركيب حكاية بجماليون على هواه ليرد على تعاطفنا مع تجربته القاسية بما هو أجمل منه. هكذا اعطانا درسا لم يكن ليقدمه لنا أحد في الجامعة.

بعدها أنشدنا قصيدة بديعة لشاعر سوري عاش لفترة في المهجر الأفريقي وكان هذ هو الدرس الثاني!. كنا قد حفظنا أن شعراء المهجر في أمريكا فحسب. عبد الباسط الصوفي كان ينشد على لسان عبد الله نور قصيدة حب لهذه القارة التي تجاورنا دون أن نحاورها قط كما ينبغي. لقد كان يدرك جيدا هذه الحقيقة المرة والدليل على ذلك أنه نقلها إلينا بكل عتامتها وعنف إيقاعاتها.

تكررت لقاءاتنا بعبد الله نور ليتعمق إعجابنا به. كان علامة في التراث وراوية لأجمل قصائده وحكاياته. لكن الذي كان يفتننا منه وفيه ولعه الذي لا مثيل له بلامية الشنفرى حتى لكأنها قصيدته هو.. حينما كان ينشدها يتحول فعلا إلى كينونة مترحلة بخفة في الزمن والمكان.

ذات مرة أخبرته بأن مواقع الشنفرى كلها لا تزال على حالها في ديارنا.تحمس كثيرا لزيارتها والكتابة عنها. طبعا لم يكن معنا لسوء الحظ في رحلتنا الأخيرة إلى هناك.كأنه كان يستعد لرحلةالأخيرة إلى الشنفرى ذاته. إطلالته الواسعة على الأدب الحديث كانت مصدرفتنة أخرى.

لم يكن يتحدث عن شعره ونثره كما يفعل أساتذتنا الأكاديميون في الجامعة. كان ينتخب ما يشاء، وما يليق بشخص ذي دراية عميقة وذائقة لا تبارى. حينما عدت من فرنسا مطلع التسعينيات لقيته مرارا وتكرارا. في الرياض وفي أبها. سمعت منه اللامية مرات كثيرة، وفي كل مرة كنت أسمعها لأول مرة. ذات مساء دعوته لإلقائها في النادي الأدبي فندمت. لم يكن هوذاته ولاكانت هي ذاتها. كأنهما كانا في غير مكانهما بكل بساطة. في عبد الله نور قبس من روح الصعلوك دونما شك. لكن فنون الصعلكة التي كان يباشرها كل يوم وفي كل مكان لم تجد لها فضاءات واسعة لتتجلى في كامل أبعادها.

هكذا كانت الطاقة الخلاقة تتفلت جزئيا وتتشظى في الخارج لتتجه بكامل عنفها إلى الداخل.

لم يكن من الممكن أن نقبض عليه حتى وهو معنا. روح عبدالله نور لم تكن لتخضع لأحد.. حتى لجسده. كانت طائرا يحوم في الفضاءات الواسعة إلى أن تحين لحظة مواتية فتنقض على الأرض لتشعل فيها حريقا ما ثم تتوارى. نعم، لا شك أنه كان الأكثر حرية وتحررا بين كل من عرفت هنا.. لم يكن اللامنتمي بل ذالك اللامبالي بشيء أو بأحد لا يحبه.عاش دائما كالغريب البعيد المفرد. لقد أدرك مبكرا أن أحدا لم يكن يتحمل أن يجاريه في ولعه بهذه الحرية الوجودية إلا في عزلة ما. حريته كبيرة صريحة جارحة كتلك التي عاشها طرفة بن العبد، عروة بن الورد.وكان كثيرون يتخوفون منه ومنها لأنهم لم يألفوا حرية جدية قط. هل كان نفيضا لنا؟!.

أزعم ذلك. آخر مرة لقيته في أبها كان متعبا حزينا منطفئا يائسا من كل شيء زاهدا في كل أحد..على غير عادته. خرجنا من الفندق إلى مقهى في الجبل على طريق السودة. لم يتكلم كثيرا ولم أكن أكثر رغبة منه في الكلام. حدثني عن مشروع نظرية لغوية قال أنه توصل إليها ولابد أن يجد أحدا أو جهة ما ليبلوره وينشره. حينما ذكرته بعبارة في «الثلاثية» لشخص يقول إنه يريد أن يكون فيلسوفا دون أن يدرس الفلسفة كنت أمازحه لأقنعه أن عصر النظريات اللغوية الكبرى قد ولى. استعدت منه قصيدة الصوفي وذكرياتها فأنشدها بكامل ولعه بها وبفضاءاتها البعيدة كالحلم الجميل المستحيل. عندما عدنا إلى الفندق دعاني لمصاحبته هو والشاعر يحيى السماوي في زيارة خاصة فدعوته إلى غيرها. لم أقبل ولم يقبل فافترقنا. آخر ما قابلته كان رمزا في كتابة.

إنه هوذاته (ع. ن) الذي شارك في إنقاذ الفتى المرهف المبدع «زاهي الجبالي» من التيهان في حمى العنف. هل انقذه وحده؟ أليس من الممكن تماما أنه أنقذ كثيرين وكثيرات غيره.. ودون أن يدركوا؟. ألا يكفي هذا لكي نكتب عنه ونحتفي به.. ولو ببعض الجرأة وبالقليل من الصدق؟.

لقد حلق عبد الله نور بعيدا عنا ولن يعود هذه المرة إلا كما تعود الأساطير. لا داعي إذن للخوف منه أو عليه بعد اليوم.. اكتب عنه يا صديقي ما تحب. ومن لا يحبه ولا يحب كتابتنا عنه فالمؤكد أنه لن يحب شيئا أو أحدا يمت إلى جماليات الشعر والحياة بسبب أو بنسب. لا يهم. المهم أن الا ندع آخر الصعاليك وأجمل المنشدين يموت مرتين!.

من جهتي سأكتب عن «حسن الفرخ» الذي كان يدق الزير ويراقص الإيقاعات ويبتسم للعراضة حتى يشتعل الهواء في سماء القرى.

تعليقان
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

ع.ن


لقد كان شيخاً نحيلاً، طويلاً كحلمي..
على راحتيه سبعون صيفاً،
يقلبها حين يأوي إلى ركنه في المقاهي القديمة،
يحدثني عن جنون الزوايا،
ورعب القناديل والأنبياء،
وعن أرق الناي والشعر والمقبرة..
وعن قلق المؤمنين اليتامى،
وعن قطه الأسود المتخفي،
ينام..
فيوقظه الفن شراً رحيماً،
ملاكاً عزيزاً رجيما!
..
عبدالله ثابت..


عبدالله ثابت
ابلاغ
04:02 مساءً 2006/05/25

 

ماذا بعد؟؟


ماذا بعد وفاة عبدالله نور.
ماذا عن أعماله.
وأدبياته.
ماذا قدمنا له غير المقالات.


عبد الله عبد اللطيف
ابلاغ
12:19 صباحاً 2006/05/26


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية