بحث



الخميس 27 ربيع الآخر 1427هـ - 25 مايو 2006م - العدد 13849

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


غازي / علامة غير محايدة

د. عبدالله محمد الغذامي
    لن يكون اسماً محايداً لأنه خارج على الطابور، ومذ كان صغيراً ونفسه تدفعه لأن يكون غيرهم، مختلفاً ومتسائلاً ومتطلعاً إلِى غير ما يتطلعون، في القديم قالوا إن الشاعر إنما سمي شاعراً لأنه يشعر بما لا يشعر به الآخرون، وطبيعي أن نسمع مثل هذا القول في ثقافة شعرية متشعرنة، أما الحقيقة فهي أبعد من ذلك وفي كل حضارة هناك أُناس يرون أكثر مما يراه الآخرون، ويسألون عما يغفل عنه الآخرون، وقصة إسحاق نيوتن مع التفاحة تكشف هذا السؤال الطفولي (من الطفولة والتطفل معاً) حيث سأل عن أمر رأه كل الناس من قبله ولم يستوقفهم، سأل عن التفاحة كيف سقطت من الشجرة إلى تحت ولم تصعد إلى فوق، وكانت قد سقطت على رأسه.

كان السؤال سؤالاً طفولياً وتطفلياً، وكان من الممكن لأب تقليدي أن يضرب على وجه ولده أمام سؤال كهذا ويقول له: انطم، وبلاش تخاريف.

الذهن المتوقد في أصله طفولي وتطفلي ومشاغب، ولذا اكتشف نيوتن قانون الجاذبية عبر سؤال مشاغب وطفولي، ولقد قالوا إن العلم هو سؤال طفولي جرى أخذه بجد ومتابعته حتى النهاية، وهكذا كان الطفل البشري نيوتن، أب الفيزياء الحديثة، مثلما كان شعراؤنا كاشفي المعاني، ولقد كان أحد معاني النسبية عند امرئ القيس في وصفه لحصانه قيد الأوابد.

ومثل ذلك كان غازي الفتى المشاغب في مدرسة أطفال في البحرين حيث أعاقه جسده السمين عن لعب كرة القدم مع أقرانه، وراح يعوض إعاقته البدنية بحصافة الذهن واللسان، واستخدم لسانه بعد أن عجز عن قدمه، وقاده هذا اللسان لأن يكون فصيحاً ويعرف أن الكلمة سلاح.

وأخذته سبُل حياته ليجعل من حصافة الرأي بصيرة وقوة، ولقد قالوا إنه لا يوجد جيش في الدنيا يستطيع أن يغلب فكرة تأتي في حينها.

كان له من الذكاء ما مكنه من دقة الرأي وصار يرى ما لا يراه غيره، ليس لأن غيره عميان، ولكن لأنهم استعاضوا عن الرأي بشجاعة الشجعان واستعاضوا عن الأفكار بالأقدام والجيوب، ورضوا بذلك.

لم يكن ليرضى، وظل قلقاً كأن الريح من تحته كسلفه القديم الذي احتواه في ذاكرته وتوسمه في كلماته. فكان غازي أحد سادة اللغة، استخدمها كلمات موقعة كأشعار رومانسية وحداثية، وجدانية تارة وإنسانية تارة أخرى، ولكن نفسه تتأبى على القيد حتى ولو كان قيد الكلمات والإيقاعات، فراح ليكون باحثاً وأكاديمياً ثم ليكون مترجماً وسياسياً ومفكراً قومياً، ثم ليكون روائياً، وجاءت رواياته من بعد دواوينه في سلسلة يتبع بعضها بعضاً، حتى لا تعلم أي الغزاة هو.

تقول إنه شاعر وتقول إنه إداري وتقول إنه باحث وتقول إنه مترجم وتقول إنه روائي، وكلها صحيح.

وأصح من ذلك كله ونتيجة له وبسببه أنه محبوب، يحبه كثيرون وأنا منهم. وستقول إنه ونتيجة لذلك كله وبسببه مكروه يكرهه كثيرون ولست منهم.

وستقول إننا نتمنى له الخير ونرقيه بالمحبة، وتقول إنهم يتمنون له الشر ويفرشون طريقه بالشوك.

كلا الصنفين موجودان، وكلاهما كبيران ومهمان، وبين هؤلاء وأولئك يأتي الوطن، وللوطن حاسته الخاصة، وهي حاسة مثل حاسة الأطفال وحاسة الشعراء وحاسة العلماء المخترعين الطفوليين، وللوطن أسئلة مثل أسئلة هؤلاء، وهي أسئلة تبدو بريئة وبسيطة وساذجة وتعجز عنها العقول المستفحلة.

إنها أسئلة عميقة عمق البحر، ذلك البحر الذي وصفه ابن رشيق مرة بأنه كالشعر، أو أن الشعر مثله، يبدو بسيطاً وهادئاً ومضيافاً للجاهل فيتورط به ويغرق، ولكن العاقل العالم البصير يعرف أن البحر خطير وعميق، ولذا يعرف كيف يتعامل معه.

هي أسئلة الوطن الذي يعرف بنيه ومنهم وعلى رأسهم غازي، هذا الغازي الذي لم يكذب أهله، وهو الشاعر الناطق باسم كل أحداثهم وفوق ذلك هو الراوي المبدع الذي كتب نصاً سيظل يغوص بنا كالبحر عمقاً وكثافة، مع بساطة ظاهرية تخدع السذج الذين وصفهم ابن رشيق، ذاك هو نص العصفورية، وهو النص الذي جاء نموذجاً متميزاً لنص (ما بعد الحداثة) وستظل الأقلام تنهل منه مثلما تنهل الأيدي من البحار، وفي البحر ماء مالح يتحول عند العارفين إلى ماء عذب، وكذا هي العصفورية مالحة عند العابرين، ولكنها تخبئ عذوبة خاصة توفرها للعارفين المتبصرين.

جاء غازي بعد مشوار طويل من النجاح والرمزية ليقول في قصيدة له إن قوماً من الكارهين له فرحوا عليه، وهم قد يفرحون بأمر من أمور الله - جل وعلا - وكأنهم من السذاجة حتى لا يدركون ما لدى الله لعباده وما في مخبوء قدره لهم، وكأن أقدار الله لعبة في يد الكارهين حتى ليعادوا أمر الله ومراده.

ولكن غازي المؤمن المحب لله وفي الله، والوطني الصادق والمخلص ليس هو من يدندن له بالشنان، وهو الرجل الذي عرف الله حتى لقد وضع الله في قلوب المحبين بيوتاً وفي منازل الصادقين أرصدة من المحبة تفوق كراهية كل الكارهين.

هو غازي الرمز والمثقف في بيئة ثقافية تبحث لها عن رموز، وتبحث لها عن ذاكرة تسجل باسمها على لسان الأجيال والثقافات، وغازي هو الاسم العلم الذي يأتي على رأس ذاكرة الإبداع.

تنوعت أساليبه وتعددت نجاحاته فتنوعت خصوماته، ولكن حبه زاد بأضعاف ذلك، وربما كانت قصيدته درساً في كشف الكراهية، والشاعر الألماني جوته قد قال مرة إن الخير محتاج إلى جهد كبير لكشف الشر، وإن المحبة لا تستقيم إلا بتعرية الكراهية.

غازي جاء ليعري وجه الكراهية وليقول إن المحبة أقوى من كل الكارهين، ونحن نقوله له: يا أبا يارا، إننا نحبك وأنت رمزنا الثقافي، وأنت عندي علامة ثقافية يلحقها ما يلحق العلامة - كما وصفها شيخنا عبدالقاهر الجرحاني - في أن العلامة لا تكون علامة إلى أن تعني الشيء ونقيضه، هذا هو رمز المعاني الكبيرة وهو سمة القيم المثلى، وأنت علامة عالية ورمز سام وستكون مادة للكارهين مثلما أنت لنا مادة للمحبة ورمز للوطن بمعناه الإيجابي وقيمته الحية والباقية.

لك أن تقول قصيدتك، ولهم أن يكرهوك كيفما شاؤوا، أما نحن فأنت عندنا محبة باقية وقلب صاف ووجه معطاء، شعراً وسرداً وفكراً وقيمة ثقافية بما إنك علامة حية ومعطاءة أبداً.

تعليق واحد
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

هل نشكر الظلام ؟؟


منطق الكره ضعيف ومضحك , فبمجر تلك الدعايات المجانية التي يحضى بها الدكتور غازي وغيره سيكون الانتشار على النطاق الأوسع غداً , وليس شرطاً اليوم..
المهم لن يبق الظلام طويلاً , وربما نشكره على تلك الحملة الإعلانية لمشروع وطن قدم.


وحيد الغامدي
ابلاغ
01:21 مساءً 2006/05/25


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية