
لغات الصحراء، روسو ونيلوفر مونيه
من المعارض الكثيرة التي تقام حالياً في باريس معرض «لغات الصحراء» الذي يضمّ أعمالاً لفنانين تشكيليين من الخليج. وهو بالفعل مناسبة للتعرف على وجوه فنية صاعدة ومنها ما بات معروفاً ليس فقط على مستوى العالم العربي بل في الخارج أيضاً. اللافت في هذا المعرض أن الأعمال المعروضة تنتمي، في الغالب، إلى اللغات البصرية الحديثة التي تتراوح بين الاعتماد على تصوير الفيديو كما مع الفنان البحريني أنس الشيخ (كما وردت في الكاتالوج المرافق للمعرض) وحسن مير وابتسام عبد العزيز وفاطمة الشيباني، على سبيل المثال، أو على الإنشاءات مع فنانين من أمثال فيصل السمره وشادية عالم ومحمد أحمد ابراهيم ومحمد كاظم ويوسف أحمد، أو على حروفية تطالعنا مع علي حسن وخالد الساعي، أو في مجالات أخرى مع حسن شريف وعبد الرحيم سالم وطارق الغصين وخلف العبيدلي وعبد الله السعدي وكريمة الشمالي وأنور سونيا ومحمد يوسف علي ووجدان المناعي وخليل عبد الواحد.
أمام الحضور المتوهّج والتعبير التشكيلي القوي لبعض الأعمال المعروضة والتي تعكس، إلى حدّ كبير، الملامح الأساسية للمحترفات الفنية في الخليج، وأمام بعض الاختراقات ومنها عمل شادية عالم الذي ينهل من لحظة صوفية لا يغيب عنها البعد التراجيدي والحوار مع الذاكرة والمرآة والمرأة التوأم، يبقى السؤال الفني الذي يطرحه المعرض هو سؤال الفنّ المطروح حالياً على العموم، شرقاً وغرباً. وهو سؤال يتعلّق باللغة التشكيلية نفسها والتي تتجاوز غواية الوسائط لمسائل جوهرية تطول جوهر الفنّ. فالمأزق الفني الذي عبّر عنه الفنان الفرنسي مارسيل دوشان في القرن الماضي والذي دفعه إلى اعتبار المبولة عملاً فنياً لا يزال مطروحاً، وبحدّة أكبر، إلى اليوم. وإذا كنا نفهم، أو بالأحرى نحاول أن نفهم، دواعي قفز بعض الفنانين الغربيين على المنجز الحداثي في اتجاه مرحلة «ما بعد الحداثة»، فما الذي يسوّغ هذا القفز عند فنانين، أو داخل ثقافات لم تستنفد بعد مراحلها الكلاسيكية، ولا تزال علاقتها بالحداثة علاقة على كثير من الالتباس والغموض؟
منذ القدم حتى اليوم، أي منذ الحضارات القديمة حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين، ظلت المعايير التي حكمت الحياة الفنية على شيء من التفاعل والاتصال فيما بينها. داخل لوحة المحدثين ومنهم بيكاسو وبراك وجياكوميتي وماتيس، وعلى الرغم من الانتفاضات التعبيرية التي أحدثها هؤلاء داخل العمل الفني، انتفت الفواصل بين الأمكنة والأزمنة. وجه غوديا الآتي من بلاد ما بين النهرين، وتداخل قبضتَي يديه، وهي الحركة نفسها تطالعنا في اثنتي عشرة منحوتة لغوديا والتي جعها متحف «اللوفر» في باريس داخل غرفة واحدة، بعد سنوات طويلة من التبعثر، هذه الحركة افتتن بها بيكاسو الذي فتنته أيضاً الأقنعة الإفريقية، كما افتتن بايكن بالأقنعة الأوقيانية، وهنري ماتيس وبول كلي بالفنون الإسلامية.. هذا التفاعل والتواصل مع الفنون عبر العصور، والتي لعبت المتاحف الغربية دوراً مهماً في إيصاله لعين الفنان، كان عماداً أساسياً في سيرورة الفنّ. فأين هو هذا العماد اليوم؟ ما طبيعة القطيعة التي تعيشها الفنون التشكيلية الراهنة؟ هل يمكن لهذه الفنون أن تستمرّ في الزمن بنقضها المراحل التي جاءت قبلها أم باستيعابها في محاولة دائمة لتجاوزها؟ وإلى أيّ مدى يمكن أن تشكل الوسائط الفنية الحديثة، فيديو وإنترنت، مرجعاً كافياً للعمل الفني الجديد، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإنشاءات المتحركة، غير الساكنة داخل إطار اللوحة الثابت؟
هي الأسئلة نفسها إذن تطالعنا اليوم في معرض «لغة الصحراء» ونطرحها هنا كمجرد عناوين، لكنها تتطلّب منّا الكثير من التأمل والبحث، ذلك أنّ الإبداع، أيّ إبداع كان، ليس بالإمكان أن يستقيم بدون خلفية معرفية ونقدية كبيرة، وهذا ما علّمنا إياه أساتذة الفنّ الكبار عبر العصور.
في سياق المعارض الجديدة دائماً هناك معرض متميز للفنان الفرنسي هنري روسو، لكن قبل التوقف عند هذا المعرض، لا بدّ من إشارة إلى حدث فنّي شهدته العاصمة الفرنسية في الآونة الأخيرة ويتمثل في إعادة افتتاح متحف «الأورانجوري» في حديقة «التويلري» في باريس، بعد ست سنوات من أعمال الصيانة والترميم. هذا المبنى التاريخي الذي تمّ تشييده عام 1852، يرى النور مجدداً اليوم مع إعادة توزيع كاملة للمجموعات الفنية التي كان يحتويها من أعمال رونوار وسيزان وماتيس إلى دوران وسوتين..
المفاجأة الكبرى هي لوحة «النيلوفر» لمونيه وتشكل جدارية كبيرة تحتل صالة دائرية واسعة، وتمثل أزهار النيلوفر التي كانت ولا تزال تنبت في أحواض حديقة منزله في منطقة «جيفرني» غير البعيدة عن باريس. وقد بدأ مونيه عمله على هذه الأزهار وبأسلوبه الانطباعي الشديد التعلق باللون والضوء، عام 1897، وظلّ يعمل عليها حتى آخر لحظة من حياته، أي الرابع من أكتوبر 1926. وتشكل هذه الجدارية إحدى أبرز الأعمال الانطباعية على الإطلاق.
أما المعرض الاستعادي للفنان هنري روسو 1844-1910 (الملقب بالجمركي والذي يعدّ رائداً للفن الفطري في فرنسا) فيقام في متحف «القصر الكبير» في باريس. يضم المعرض قرابة خمسين لوحة منها اثنتا عشرة لوحة كبيرة الحجم مستوحاة من الغابات الاستوائية وكانت موضوعاً أساسياً في نتاجه الذي فرضه كتجربة مميزة في فرنسا في مسيرة النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
على الرغم من أن هذا الفنان لم يزر الدول الإفريقية ودول أميركا اللاتينية حيث توجد الغابات العذراء التي عرفت بجمالها وطابعها المتوحش، غير أنه تعرف إليها في الصور الفوتوغرافية واللوحات التي حملها معهم الفنانون والرحالة الذين زاروا تلك الدول رغبة منهم في اكتشاف عوالم جديدة مختلفة عن تلك التي تعوّدوا عليها في الدول الأوروبية. وقد لفتت غابات روسو انتباه الشعراء والكتاب الطليعيين ومنهم الشاعر الفرنسي أبولينير الذي كتب عنه وعن الغابات التي رسمها وهي غابات تنمو فيها أشجار المانغا والأناناس ويعيش فيها ملوك حضارة الأزتيك الذين حكموا المكسيك قبل الغزو الأوروبي لها.
لقد أنجز روسو جميع لوحاته في باريس بخلاف عدد هام من معاصريه كالفنان غوغان الذي سافر إلى جزيرة هاييتي وافتتن بطبيعتها الخلابة وبجمال نسائها. وروسو لم يدرس الفن في المعاهد بل تعلم بنفسه تقنيات الرسم المختلفة وتفرغ للفن بعد أن عمل في الجيش ثم في مصلحة الجمارك، ومن هنا لقبه بالفنان الجمركي. وبصورة عامة كان روسو وبحكم تنشئته بعيداً عن الأجواء الثقافية والفنية، يأتي إلى الفن من مكان آخر، غير أن متانة لوحاته واسلوبه الغرائبي كانا من العناصر التي لفتت إليه انتباه الأدباء والشعراء والفنانين الطليعيين كما أشرنا ومنهم بيكاسو وألفرد جاري الذي انبهر بلوحته «الحرب» التي شاهدها عام 1895.
بالإضافة إلى اللوحات التي تمثل الغابات الاستوائية نشاهد في المعرض مجموعة أخرى من أعمال روسو تستوحي مواضيعها من معالم باريس وضواحيها حيث عاش وعمل.. وتؤرّخ بعض هذه اللوحات لمرحة هامة من تاريخ المدينة إذ تبشّر بدخولها مرحلة الحداثة فنشاهد المصانع التي تنفث الدخان والجسور الحديدية. لكن، في المقابل، هناك أيضاً باريس بأحيائها الحميمة وساحاتها الفسيحة. ولقد كان روسو شاهداً على عصره وعرف كيف يمزج في لوحاته بين أحلامه والواقع بأسلوبه الفريد الذي لطالما تغزل به الفنانون السورياليون وهم كانوا من الذين اعترفوا بموهبته وأثنوا عليها بعكس الفنانين الأكاديميين الذين عابوا عليه عدم معرفته بأصول الرسم الكلاسيكي.
نشير أخيراً إلى أن معرض الفنان هنري روسو المقام حاليا في باريس سينتقل إلى متحف «ناشيونال غاليري» في واشنطن ابتداء من منتصف شهر يوليو المقبل.
لحظات من حياة الغيوم
- 1 -
في كلِّ مرّة،
تكتبُ القصيدةُ عجزَها
عن كتابةِ العالم.
- 2 -
أتركُ الشعرَ للشعراء
والفنَّ للفنانين
وأتمسّكُ بخصلاتِ شعرِك.
- 3 -
أليسَ من الأفضل أن نعيشَ في وهمِ الحياة
بدلاً من العيش
في وهمِ الكتابة؟
- 4 -
أجملُ الشعراء رامبو
باكراً توقّف عن كتابةِ الشعر.
- 5 -
لو كنّا كالحجارة
لو كنّا كالفراشات بدونِ هذه الحضاراتِ
الملطّخةِ بالمجازر.
- 6 -
ثمّةَ قيدٌ في هذا الخلاص.
ثمّةَ انتحارٌ داخلَ أزرارِ الورد.
- 7 -
لا وجهَ للذي لا ينظر نحو الضوء.