الرئيسية > ثقافة الخميس

في حفل تابين الراحلين عبد السلام العجيلى ومحمد الماغوط بدمشق

محمود درويش أجمل وتر في قيثارة الكرمل الكنعاني يعزف لحن الوداع الأخير متكئا على عكاز الماغوط



دمشق - مكتب الرياض محمد احمد طيارة

لم تكن المناسبة عادية ، فقد قرعت أجراس المنابر على وقع آلام الرحيل ، و محابر الابداع بكل ألوان طيفها الساحر اعلنت جفاف حبرها ،وهي تصرخ : هي ذي مواويلنا تحمل الآهات الممزوجة بالحزن ووجع المأساة على رحيل قامتين ثقافيتين مبدعتين .

وقد شهدت دار الاسد للثقافة والفنون بدمشق دار الاوبرا مساء اول امس حفلا تأبينيا مهيبا اقامته وزارة الثقافة السورية للأديبين الكبيرين الراحلين الدكتور عبد السلام العجيلي والشاعر محمد الماغوط بمشاركة الدكتور رياض نعسان اغا وزير الثقافة والشاعر الفلسطيني محمود درويش والشاعر اللبناني جوزيف حرب وعدد من الادباء السوريين ومن آل الاديبين الراحلين العجيلي والماغوط. وحشد كبير من المدعوين .

وقد بدىء الحفل بتلاوة آيات من الذكر الحكيم ثم تلا ذلك عزف لالحان موسيقية وداعية حزينة للراحلين وغناء لقصيدة سلمية شعر محمد الماغوط وألحان محمد سعيد جرعتلي.

وتخلل الحفل فيلمان تسجيليان قصيران عن بعض جوانب ومحطات الحياة الإبداعية لكل من الماغوط والعجيلي اللذين تجاوزا المحلية الى العربية والعالمية.

هزيمة الرحيل

الشاعر العربي محمود درويش كان لحضوره واطلالته اثر كبير في نفوس الحضور وعندما صعد إلى المسرح صمت الكلام المباح ليقول درويش : اعترف بانني اواجه صعوبة وحرجا بالجمع في كلمة واحدة بين كبيرين شاءت الاقدار ان تجمعهما في رحيل واحد. لانني اعرف الماغوط اكثر ، ولكنني اعرف عن العجيلي تواضعه ونبله وتفانيه في خدمة الناس واعرف عن ابداعاته واحترامه لمسؤولية الكلمة واضاف العجيلي قاتل في فلسطين وحدق الى جرحها الذي مازال ينزف.. العجيلي طبيب الجسد والروح وها هو يستقر في ذاكرتنا الثقافية واحدا من المبدعين العرب الذين وحدوا بين الابداع والدفاع عن الحرية.

وعن الراحل الماغوط قال الشاعر الكبير: في أمسية غياب كهذه، وفي المكان هذا، كنا في العام الماضي ننثر ورد الحب على اسم الراحل ممدوح عدوان. لم يحضر محمد الماغوط كاملا، لعجز عكازه عن اسناد جبل. لكنه حضر صورة شاحبة وصوتاً متهدجاً ليذكّرنا بأن للوداع بقية.

ذهبنا إليه في صباح اليوم التالي. كانت العاصفة مسترخية على أريكة، تشرب وتضحك وتدخن وتعانق زوارها. كانت العاصفة مرحة فرحة بما تبقى فيها من هواء وضيوف، ولا تأسف على ما فعلت باللغة وبالنظام الشعري. فهي لا تُعرَّف الا من آثارها عندما تهدأ. هدأ الماغوط ونظر الى آثاره برضا الفاتح المرهق.

قلنا له وقال لنا ما يقول العارفون بأن اللقاء وداع. وضحكنا كثيراً لنخفي خوفاً أثاره فينا انكبابه على ترتيب الموعد القاسي مع سلامه الداخلي، فمثل هذا المحارب لا تليق به السكينة.

لكنه لم يكن حزيناً ولا خائفاً مما يتربص به. وضَع الماضي كله على المائدة، ووزع على كل واحد منا حصته من الذكريات والمودة، قرأ لنا ما يدون من خواطر يومية عاجلة، فهو في سباق مع معلوم يشاغله بالطرق على فولاذ المجهول. وحياني بقصيدة، فخجلت، وقلت في نفسي: لماذا لم يصدِّقني من قبل؟

وهو، الذي لا يحب الإعلام، ابتهج بوصول فريق اذاعي، ربما ليعلن وصيته الأخيرة على الملأ: أوصيكم بالحب... فهذا الغاضب من كل شيء لم يغضب إلا لأن الحب في هذا العالم قد نضب. ولم يغضب الا لأن زنزانة هذا العالم ما زالت تتسع لسجين رأي مختلف. ولأن أرصفة هذا العالم ما زالت تزدحم بالفقراء والمشردين. ولم يغضب إلا لأن لفظة الحرية، بمعناها الشخصي والعام، ما زالت مستعصية على العرب والعاربة والمستعربة... والإعراب!

فوجئنا بصحافي يسألنا بلا رحمة: هل جئتم إلى الماغوط لحضور جنازة مبكرة؟

- تحسس كل واحد منا قلبه وتلعثم، الا هو، هو النسر الوحيد في ذروته، ملتفاً بكبرياء الأعالي وبمصاهرة البعيد. لم يكن سؤال الموت سؤاله ما دام يكتب... ففي كل كتابة ابداعية نصر صغير على الموت، وهزيمة صغرى أمام إغواء الحياة التي تقول للشاعر: هذا لا يكفي، فما زالت القصيدة ناقصة!

وكنا نعلم اننا جئنا للقائه لنتدرب على وداعه.

رحل الماغوط، ونقص الشعر. لكنه لم يأخذ شعره معه كما فعل الكثيرون من مجايليه الذين صانوا سلطتهم الشعرية في حياتهم بحرّاس النقد والأحزاب. فهذا الوحيد الخالي من أية حراسة نظرية وتنظيم إعلامي، لم يراهن الا على شعريته وحريته، وعلى قارئه المجهول الذي وجد في قصيدته صدى صوته وملامح صورته، بعدما أقامت كلماته المكتوبة بالجمر جسر اللقاء بين الذات والموضوع، وبين الذات وما تزدحم به من آخرين.

وهو، هو الذي جاء من الهامش واختار هامش الصعلوك، كان نجماً دون أن يدري ويريد. فالنجومية هي ما يحيط بالاسم من فضائح. وشعره هو فضيحتنا العامة، فضيحة الزمن العربي الذي يهرب منه الحاضر كحفنة رمل في قبضة يد ترتجف خوفاً من الحاكم ومن التاريخ. حاضر يقضمه ماض لا يمضي وغد لا يصل. كم أخشى القول ان الزمن الذي هجاه الماغوط ربما كان أفضل من الزمن الذي ودّعه. فقد كنا ذاهبين، على الأقل، الى موعد مرجأ مع أمل مخترع. لا بأس من أن يكون ماضينا أفضل من حاضرنا. ولكن الشقاء الكامل هو أن يكون حاضرنا أفضل من غدنا. يا لهاويتنا كم هي واسعة !رأى الماغوط الهاوية فخاف. خاف بشجاعة المقاوم. فنظر الى الأفق بعيون الشاعر الطائر، فخاف ثانية، وقاوم الخوف برؤيا الشاعر الحالم، فماذا على الشاعر أن يفعل غير أن يخلص مرتين: مرة لانتمائه الى الواقع، ومرة لتجاوز الواقع بالخيال وبصناعة الجمال؟

- لكن هذا الخائف على عفوية الحياة، وعلى العلاقة السرية بين الأشياء والكلمات، رأى الخوف كما تُرى المواد الأولية لبناء الكابوس، فقاومه بحرية الكلمات في تحرير صاحبها وقارئها، وقاومه بالتخلي عن حنين اللغة الى ماضي أطلالها وقصورها معاً، وبفروسية من لا يملك شيئاً ليخسره، وأكاد أقول: بمغامرة يأسه اشتق الأمل لغيره، فأخاف ما يخيفه، كما تُخيف الملحمة الشعرية الموت المتربص بأبطالها وقرائها الخالدين. لقد أخافت لغة الماغوط الساخنة الساخرة الجميع من فرط قوة الهشاشة في أعشابها، ومن فرط دفاعها عن حق الوردة في حماية خصائصها.

وهو فضيحة شعرنا. فعندما كانت الريادة الشعرية العربية تخوض معركتها حول الوزن، وتقطعه الى وحدات ايقاعية تقليدية المرجعية، وتبحث عن موقع جديد لقيلولة القافية: في آخر السطر أم في أوله... في منتصف المقطع أم في مقعد على الرصيف، وتستنجد بالأساطير وتحار بين التصوير والتعبير، كان محمد الماغوط يعثر على الشعر في مكان آخر. كان يتشظى ويجمع الشظايا بأصابع محترقة، ويسوق الأضداد الى لقاءات متوترة. كان يدرك العالم بحواسه، ويصغي الى حواسه وهي تملي على لغته عفويتها المحنكة فتقول المدهش والمفاجئ. كانت حسيته المرهفة هي دليله الى معرفة الشعر... هذا الحدث الغامض الذي لا نعرف كيف يحدث ومتى.

انقضَّ على المشهد الشعري بحياء عذراء وقوة طاغية، بلا نظرية وبلا وزن وقافية. جاء بنص ساخن ومختلف لا يسميه نثراً ولا شعراً، فشهق الجميع: هذا شعر. لأن قوة الشعرية فيه وغرائبية الصور المشعة فيه، وعناق الخاص والعام فيه، وفرادة الهامشي فيه، وخلوه من تقاليد النظم المتأصلة فينا، قد أرغمنا على اعادة النظر في مفهوم الشعر الذي لا يستقر على حال، لأن جدة الإبداع تدفع النظرية الى الشك بيقينها الجامد.

لم يختلف اثنان على شاعرية الماغوط، لا التقليدي ولا الحداثي، ولا من يود القفز الى ما بعد الحداثة. حجتهم هي ان الماغوط استثناء، استثناء لا يُدرج في سياق الخلاف حول الخيارات الشعرية. لكنها حجة قد تكون مخاتلة، فما هي قيمة الشاعر إذا لم يكن استثناء دائماً وخروجاً عن السائد والمألوف؟ لذلك، فنحن لا نستطيع ان نحب قصيدة الماغوط ونرفض قصيدة النثر التي كان أحد مؤسسيها الأكثر موهبة. وإذا كانت تعاني من شيوع الفوضى والركاكة وتشابه الرمال، على ايدي الكثيرين من كتابها، فإن قصيدة الوزن تعاني ايضاً من هذه الأعراض، الأزمة إذاً ليست أزمة الخيار الشعري، بل هي أزمة الموهبة، أزمة الذات الكاتبة. فنحن القراء لا نبحث في القصيدة إلا عن الشعر، عن تحقق الشعرية في القصيدة.

وخلص الشاعر محمود درويش في نثره الفني الذي يوازي شعره جمالا وصورا الى القول ان:

سر الماغوط هو سر الموهبة الفطرية. لقد عثر على كنوز الشعر في طين الحياة. جعل من تجربته في السجن تجربة وجودية. وصاغ من قسوة البؤس والحرمان جماليات شعرية، وآلية دفاع شعري عن الحياة في وجه ما يجعلها عبئاً على الأحياء، وهو الآن في غيابه، أقل موتاً منا، وأكثر منا حياة!

جدلية الكلمات

أما الشاعر اللبناني جوزيف حرب الذي بدا متاثراً فقد بدأ قصيدته باللازمة:

بين قبرين انا الانا

سلاما ايها القبران

انني اي ميت فيكما قد

زرت بعضي أزور

لم اودع غير اجزائي

فكلي لم يعد في الارض كلي

وطريقي اصبحت معروفة

انني اذا سرت فمن

قبر الى قبر اسير

ايها الموت ابتعد عني قليلا

انني قبل مماتي

امتلئت مني القبور

....

واستمر حرب في النشيد...

افتح سالتك يامحمد

تحت اجفاني يديك

واجلس قليلا قرب هذا الدمع

كي ابكي عليك

فاذا تبقى لي

لكي اشتاق انسانا

فلن اشتاق يازين المحابر مرة الا اليك

ولا يمكن الا ان نردد مع الشاعر الكبير جوزيف حرب نشيده المتفائل حين

يقول:

لم يبق غير دمشق أسألها

دمشق الهة الصهاة

قارئة الزمان.. السدة الأعلى

ومن هذه الجهات الأربع الحمراء .. جدران لها

والقوس من غار .. ومن سيفين باب والزرقة الفيحاء سقف اوقباب

لم يبق غير دمشق أسألها فدلتني

مضيت وكان ادركني المساء

فاذا العجيلي حي في كتاب.

كما ألقى الشاعر نذير العظمة قصيدتي رثاء في الراحلين الكبيرين عبرفيهما عن مشاعر عميقة واحساس كبير بفقدان علمين من اعلام الادب العربي والإنساني وقال مخاطبا الاديب عبد السلام العجيلي في قصيدة بعنوان مع الحروف نصلي ..

عبد السلام العجيلي

قل لي بربك قل لي

ما للحياة اذا ما

كبا الجواد المجلي

وفي قصيدة بعنوان كلمينا من الثرى إلى الكاتب الكبير محمد الماغوط قال

قم معي يا محمد الشعر انشدني

رويا تحنو عليه الرعاة

وزنه النبض والقوافي جراح

وقعت بصدقه الاهات

عنوان الثقافة

أما الأديب والكاتب المسرحي وليد اخلاصي قال في كلمة له ان الفقيدين محمد الماغوط و عبد السلام العجيلي كانا قطبين تأكد حضورهما في حوالي قرن من عمر الثقافة السورية المعاصرة واحتلا في عقود عديدة من العمر الابداعي مراكز يمكن الاقرار بقيادتها المؤثرة وان التباين في طبيعة كل منهما يدل على طبيعة طيف الالوان الحيوية وفعاليته في حياكة النسيج الثقافي لسورية والوطن العربي مشيرا الى ان حضور هذين المبدعين لم يقتصر على موطنهما الجغرافي بل تمدد في وطنهما العربي والعالم.

وقالت ابنة الفقيد الماغوط السيدة سلافة في رسالة تليت في حفل التأبين ... كان يعري الكلمة من معناها العادي لتتفجر ببساطتها في كل الاتجاهات ابداعا وشعرا .. وسأحتفظ بحزني على رحيل ابي لنفسي كما تحتفظ الارض بالمياه الجوفية.

وقالت ابنته الدكتورة شام في رسالة مماثلة ابي الحبيب.. احبك لانك علمتني ان اطير ولو كان الزحف اسرع.. ان اتكلم ولو كان الصمت اسلم.. ان احب ولو كانت الكراهية اسهل .. علمتني ان اكون انسانة افضل واجمل .. مع السلامة ياصديقي الاجمل وقامتي الاعلى ..

وكان الماغوط قد بدأ كاتبا محليا لكنه سرعان مادخل كل بيوت العرب من خلال المسرح وانتقل الى العالمية في الشعر وعاش حياته مكرما محاطا بحب الناس وكان تكريم السيد الرئيس بشار الاسد له تعبيرا عن المكانة العالية التي ارتقى اليها الماغوط بابداعه الذي يفخر به الادب العربي الحديث. وايضا كان المرحوم العجيلي رائدا من رواد النهضة العربية وينتمي الى جيل موسوعي الثقافة والمعرفة جيل حفظ التراث العربي والاسلامي وأغناه بمعارف العصر وعلومه وعاش حياة ملاى بالعمل والابداع وكان ادبه صادقا صافيا عالج القضايا برؤية الطبيب الحكيم والمبدع الشفاف ودخل قلوب الناس بتهذيبه الجم وخلقه الحي قبل ان يدخل الى عقولهم بثقافته العالية وادبه العميق الراقي.

مولد الابداع

وألقى الدكتور رياض نعسان اغا وزير الثقافة كلمة في ختام الحفل قال فيها .. يظن الناس اننا لم نكن منتبهين الى عطاءات كاتبينا ولكننا في الحقيقة كنا منتبهين اليهما منذ زمن بعيد فالاديب عبد السلام العجيلي كان كبير عصبة الساخرين كما كان وزيرا وعضوا في البرلمان السوري وربما فعل امرا لم يسبقه اليه احد عندما ترك البرلمان ليلتحق بجيش الانقاذ لتحرير فلسطين .

وتابع السيد الوزير قائلا .. والكاتب محمد الماغوط انتبهنا اليه منذ كتب مقالاته الاولى وقبل عامين تم تقليد الكاتبين الكبيرين العجيلي والماغوط وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الاولى بتوجيه من الرئيس بشار الأسد.

وقال الدكتور نعسان اغا في ختام حديثه ان الادباء يولدون مرتين مرة ساعة يولدون ومرة ساعة يرحلون ولايمكنني القول هنا الا ان هناك احساسا بأن الامة لاتستطيع ان تعوض العباقرة ولكن يبقى التفاؤل قائما بالاجيال القادمة.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة