الرئيسية > ثقافة الخميس

قصص قصيرة جداً



إبراهيم بن محمد النملة

اعترافات

(... أمسكت القلم كي أكتب همومي... فبكى القلم قبل أن تبكي عيوني...)

محمود درويش

نزوة

ها قد عدت من سطوح الليل...

لا شيء يوجعني سوى البياض...

ذلك البياض الذي تركته مع مغيب الشمس...

لأعود إلى الفندق الذي دفعت له ثمن مبيتي فيه...

افترشت سريري وسكبت كل أوجاعي تحت لحافي...

أحكي لوسادتي ذنبي...

ووجع ضميري...

أحشوها بدموعي التي أتيت بها ذات مساء...

فربما كانت أجمل بكثير من البشر...

وبعد دموعي... لم أعرفني!!!...

أصبحت غريباً عن وجهي وعقلي...

لم أكن أنا كذلك...

رغم أني قبل المغيب كنت أعرفني!!!...

كانت نزوة غيرت من معالم روحي وجسدي!!!...

قراءة

هذا الصباح كتبت كل أحرف المساء...

وجع البارحة حرمني السهر مع قلمي...

وها هي ورقتي تنبض بمشاعري...

نثرت أحرفها على صحيفة صباحية...

قرأها الكل...

لم يقل لي أحد شكراً...

أخذوا اسمي ورموه خارج حدودهم...

لوثوه بألسنتهم...

وألصقوا عليها أحرفاً لا أعرفها...

ليت كلاً منهم قد قرأ حرفي...

ولم يدس أنفه في عقله المائل...

ليت كل واحد منهم قرأ بدايتي...

وسأل نفسه لماذا كتب هذه الأحرف؟!!!..

خجل

ذات يوم ممطر...

جمعت كل كلمات القلب وقلتها لها...

تمعنت بابتسامتها وصمت شفتيها...

كنت انتظر أن تنفرج شفتيها...

أن تردد نفس الكلمات التي جمعتها...

نظراتها تقول وتقول... وتقول...

وسمعي لا يزال يئن تحت الصمت...

لحظتها حويت كل كلماتي وخرجت...

ووجدت نفسي أتنفس كلماتي...

لصوت آخر يتقن جمع الكلمات!!!...

اصفرار

لا أريد أن أموت كرجل أشيب...

في غرفة منسية لا يعرفها السؤال...

عالقة في سقف بناية قديمة...

رجل أشيب لا ينظر سوى للسماء...

لا يرتجي خيراً من تحته...

فرش نظارته السميكة في وسط الصحيفة...

واتجه نحو حياة الأوراق الخضراء...

خوف تلبسه حين تذكر أوراق صديقه الصفراء...

ذاك الصديق الذي عاشره من الطفولة...

وحتى تراب قبره...

عاد إلى صحيفته المفروشة...

شيء ما جعله لا يهتم بلبس نظارته السميكة...

ألصق نظراته على الصحيفة وكأنه يشمها...

ألتصق حد ملامسة الأرض...

رفع نظره بوهن نحو أوراق شجرته الخضراء...

وجدها قد تحولت إلى الاصفرار...

هواء نافذته التي شرعها هذا الصباح قطفت كل أوراق شجرته...

ضم صحيفته بقوة...

وكانت النهاية...

وجهاً محشواً بالتجاعيد...

ملتصقاً بتاريخ الأسبوع الماضي...

لصحيفة لا تحمل خبراً جديداً...

الهجرة

عبثا أنوي الرحيل...

هناك في صالة المغادرة أتحول إلى كائن شفاف لا يرى...

توصد كل الأبواب في وجهي...

أبقى حبيس مدينتي التي نحتت الدموع على جدران حزني...

تحلق الطائرة بعيداً...

أراها من خلف زجاج الصالة...

وأعود من نفس الطريق...

وأبقى في مدينة لا ترحم...

في طرقات المدينة ينام الموت على الأرصفة...

جثث متعفنة..

وجوه كالحة..

وأخرى تختال البياض...

هواء يخنق نفسه...

صباح متسخ...

وليل يشبه قبر كافر...

وقميص قدَّ من دبر...

كل الأشياء هناك يمكن أن تنتهي...

إلا أنا وغصتي...

وشغف واسع بصدري...

نحو الرحيل!!!..

مشاعر

سنين وهم يتحدثون عن الحظ...

ذلك الشيء الذي لا أفقه...

استمع لهم بدهشة...

وحين حضرتي...

لملمت كل سنين أحاديثهم...

وطبقته في نظرة واحدة من عينيك...

حينها عرفت أن أحاديثهم...

لا تمس القلب!!...

زمن

في زمننا الضائع...

لا أحد يسأل عن الآخر...

في زمننا الضائع...

لا أحد يعرف من بجانبه...

كأغراب نركض خلف سرب الأيام...

نقتات من أنفسنا النظرات...

ونجهل أن للآخرين ما لنا...

هنا... دمعة ألم...

وهناك... دمعة حزن...

وهناك دمعة فرطت من الضحك...

وفي زمننا الضائع...

لا تختلط الدموع!!!...

غربة

لا جديد...

كل الأشياء تتسمر في مكانها...

أشعر بوحشة...

بوحدة قاتلة...

بحثت عن وجهي في وجوههم...

فتشت عن دمعتي في مآقيهم...

وحين لم أجدني بكيت...

بكيت كطفل سلب منه ثدي أمه والجوع يخنق امعاءه...

ضممت جفني ورحلت...

حيث حلم بلا أسوار...

بلا حدود...

وبلا بشر...

حلم طري مثل أزهار الصباح...

جزاء

ظننته يشبهني...

وربما تصورته ظلي...

سحب السجادة من تحت قدمي وتركني أسقط...

نظر إلى وجهي مليا...

سحب قهقهاته من أقصى روحه مجلجلة لتسود المكان

وتقرع الذاكرة لتعيدني لزمان كنت فيه:

أرقع له ثوبه...

وأوقد له نار الدفء في شتاءاته القارسة...

وأرصف له كل طرقه الوعرة...

لزمان رأيته كذاتي...

وحين ارتوى من نبعي قذفني بالحجارة...

صار كسوسة تلتهم الخشب...

حاولت أن أصرخ في وجهه لكن الكلمات انزلقت مني هاربة

ولاذت بحضن الصمت...

أجلس وليس معي سواي...

أشعر بأني متعب جداً...

مهشم كزجاج...

تحدق بي عيون الحزن التي ملتني...

فأرمقها بانكسار...

أضع يدي على فمي...

وأجهش بالبكاء...

البكاء بصدق...

لأجل من لا يستحق البكاء!!

اصطناع

عرفت الطبيبة ملامح وجهي منذ سن الثامنة...

وحفظت جيداً كل ممرات المستشفى..

التصقت رائحته بأنفي كالتصاق المرض بجسدي...

رق قلمي..

وتعمق حزني

حاولت التنصل منه فلم استطع...

اصطنعت الابتسامة لأواري بها عن ألمي...

غسلت وجهي بالماء لأدس بين قطراته دموعي..

عشت بينهم وخبأت وحدتي في معترك الحياة..

ومشيت وروحي تتكور في الوجع...

ولم يشعر أحد...

اعتراف

(... من هنا أتيت... حيث لا مكان يتسع...

أحمل فوق عاتقي ثقل أحرفي التي أأمل منها أن تقول كل شيء...

ولن تجامل أحرفي فالألم لا يجامل كذبة الشفاء...

ها هو بوح أحرفي... وها هي مقصد كلماتي!!!...).

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    في البدء نشكر المبدع ابراهيم النملة على هذه القصص الجميلة والرائعة والتي تنبض بوجع الحياة وكينونة الحقيقة كما نشكر الرياض الصحيفة الرائدة على هذا العطاء الجميل المبدع لكتابات الأستاذ / إبراهيم النملة
    هنا أسجل تعليقي ليس للمناقشة إنما شهادة حب ووفاء

    مي العسيلان - زائر

    09:50 صباحاً 2006/05/25



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة