ليست قليلة، في إطار الفكر العربي المعاصر تلك الكتب التي يمكن نعتها بالتقارير، من نوع «التقرير» الذي كتبه الكاتب اللبناني الماركسي الراحل حسين مروة لنيل شهادة الدكتوراه في جامعة موسكو زمن الاتحاد السوفياتي. فبعد وفاة حسين مروة خصصت مجلة «الطريق» اللبنانية عدداً تذكارياً عنه نشرت فيه بعض الوثائق عن سيرته النضالية منها رسالة وجهها مروة إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني عقب عودته من الاتحاد السوفياتي وحصوله على الدكتوره.
في هذه الرسالة يقول مروة، القوميسير الثقافي في اللجنة المركزية، لأعضاء هذه اللجنة ما معناه: «لقد أرسلتموني مشكورين إلى موسكو لانجاز رسالة دكتوراه عن النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، وكان لكم ولي بالطبع اهداف سياسية من انجاز هذه المهمة في طليعتي أن اثبت أن الفكر العربي الإسلامي في القرون الوسطى يخل من بذور مادية. بل أن هذه البذور شكلت ملحماً هاماً من ملامح الفكر. وقد قضيت في الاتحاد السوفياتي ثلاث سنوات عملت خلالها بدأب وجد حتى أنجزت مهمتي ولا شك أن ما قمت به سيساعد لاحقاً في انتشار حزبنا وبخاصة في المثقفين بعد أن يلمس هؤلاء على ضوء ما كتبته في اطروحتي، أن المادية التاريخية موجودة بقوة في التراث العربي، وبالتالي فإن الفكر الماركسي الحديث ليس سوى امتداد لذاك الفكر العربي المادي القديم».
ومن أجل أن يؤكد حسين مروة أن مهمته الفكرية في موسكو كانت مجدية، وأنه انجر أفضل انجاز ما وعد رفاقه في اللجنة المركزية به، ختم رسالته اليهم بالقول: «وإليكم التقرير»! وهو يقصد بذلك أطروحة الدكتوراه التي ارفقها بالرسالة..
كان ذلك في بداية السبعينات من القرن الماضي حيث الصراع على أشده بين الشيوعيين وغير الشيوعيين لكسب الجمهور، وبخاصة المثقفين. وكان العروبيون بالذات يقولون بأن الماركسية لا حاضن ولا مستقبل لها في البلاد العربية. فهي تتحدث عن امراض اجتماعية أكثرها غير موجود عندنا مثل الصراع الطبقي وقيادة البروليتاريا وما إلى ذلك مما شهدته أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أو النصف الأول من القرن العشرين. ناهيك عن أن هذه الماركسية تتجاهل عامل الدين والقومية ولا تعترف حتى بكون العرب أمة. فالعرب في أفضل الاحتمالات مجموعة من الأقوام يمكنها في يوم من الأيام أن تؤلف امة، وبخاصة إذا تحقق لها السوق الاقتصادي الواحد..إلى غير ذلك من الأفكار والنظريات التي اقتصر تداولها على دوائر ضيقة أو محدودة من المثقفين ولم يثبت يوماً أنها علمية أو صحيحة.
ولكن الشيوعيين اللبنانيين، ومنهم حسن مروة القوميسير الثقافي للحزب الشيوعي اللبناني، طمحوا إلى دور أكبر للشيوعيين العرب يتجاوز ما حققه شيوعيو اليمن الجنوبي. ولما كا حسين مروة خريج النجف في الأربعينيات، لديه بعض الإلمام بالتراث العربي، الفلسفي على الخصوص، فقد رغب بتوسعة دائرة معارفه عن طريق انجاز كتاب هام حول الموضوع يوظف فيه المنهج المادي الماركسي كما يوظف فيه التراث الفكري العربي القديم، كي يؤكد أن المادية التاريخية موجودة في تراثنا، بما فيه التراث الديني أو الروحي. وعندما فاتح مروة رفاقه في النخبة المركزية للحزب بما يفكر به قدموا له المساعدة المالية المطلوبة، كما طلبوا من الماركسيين السوفيات تسهيل مهمته في موسكو، إلى أن عاد إلى لبنان ومعه «تقريره».
والواقع أن من قرأ كتاب حسين مروة المذكور وعنوانه «النزعات المادية في الفكر العربي الإسلامي» يجد أن الوصف الذي أطلقه صاحبه عليه، وصف جاع مانع.. فهو فعلاً «تقرير» تعسف فيه مروة أيما تعسف لكي يستنتج ما نوي مسبقاً أن يستنتجه. لقد قرأ الفكر العربي قراءة معرضة لا قراءة موضوعية أكاديمية. كان إذا عثر على عبارة «الصانع» مثلاً، وهي من العبارات التي استخدمها الفلاسفة القدماء ، قال: إن الصانع من الصناعة، والصناعة سبيل إلى نشوء المادية التي نطلق عليها اليوم الاشتراكية أو الماركسية.. فالفكر المادي أو الماركسي إذن مثبوت في تراث المسلمين.. وعلى هذا النهج كتب حسين مروة كتابه..
كان ذلك كما قلنا زمن الصراع الحزبي الواسع في بيروت وفي بقية العواصيم العربية. وكان حسين مروة «قوميسيراً» أكثر من كان «باحثاً» أو «مفكراً». أو لنقل أنه كان قوميسيراً فقط لا غير بدليل أن كتابه استقر مع الوقت في باب «التقارير» لا في باب المراجع والمصادر الجدية والرصينة. فالباحثون العرب تعاملوا معه على أنه كتاب دعوة وإعلام لا كتاب نظر وبحث. ولم يجد هذا الكتاب ثناء إلا من «الرفاق» و«الأصدقاء». وفي الوقت الراهن لا يشار إليه إلا في المطبوعات الشيوعية. وعندما شألت مرة الدكتور محمد عابد الجابري، الباحث المغربي المعروف عنه، قال لي وهو يختار كلماته بعناية: «حسين مروة لم يمارس تعليم الفلسفة، وهذه نقطة ضعف أساسية، إذ كيف يكتب في الفلسفة من لم يدرسها (بتشديد الراء)؟ أما المطاعن حول هذا الكتاب فلا أول لها ولا آخر».
على أن من التعسف اعتبار كتاب حسين مروة «التقرير» الوحيد في الفكر العربي المعاصر. فهو في الواقع مجرد تقرير، ولو أنه كتاب نموذجي لفئة من الكتب يمكن أن نطلق عليها تسمية الكتب/ التقارير، في إشارة إلى أنها ليست كتاباً حرة أو نزيهة أو مجردة لوجه الله، أو لوجه الفكر والثقافة، فهي حصيلة أغراض وأهواء ومآرب ومصالح لا أكثر ولا أقل. وهذه توجد عادة في مناطق التخلف لا في بلدان الحضارة. فإذا وجدت في هذه البلدان الأخيرة، اعتبرت دليلاً على تخلف ما لم يقض عليه بعد. ولكن هذه الأعراض شائعة في البلدان المتخلفة أكثر من شيوعها في أية بلدان أخرى، ولو أنها تناولت مواضيع عصرية أو حديثه بطبيعتها. فقد كتب الباحث دراسة عن «الحداثة»، أو «الألسنية»، وهما من مواضيع عصرنا هذا، ولا تكون هذه الدراسة سوى دراسة متخلفة. وما ذاك إلا لأن صاحبها تدخل وتصرف وحاول أن يلوي عنق الأشياء بسعي وترتيب منه، ولم يكن مجرد كاتب بريء هدفه احقاق الحق كما يقال بلغة الحقوقيين.
ويعتبر التاريخ مادة دسمة للأغراض، والأهواء، فإذا أخذنا تاريخ لبنان، على سبيل المثال، وجدنا ما لا يحصى من المؤرخين الطوائفيين. فلكل طائفة مؤرخها أو مؤرخوها. وكل طائفة، عبر هذا المؤرخ، تريد أن تؤكد أشياء وان تنفي أشياء. وأذا ما شاهدنا المؤرخ يتسربل في الظاهر بالزي العلمي دون سواه، فعلينا الا نغادر الخدر ونحن نقرأه، لأنه قد يلج موضوعات يسيء فيها إلى التاريخ كما أساء المؤرخون الطائفيون الآخرون. فتصوير لبنان على أنه عبارة عن حضارة عمرها ستة آلاف سنة، وعلى أن هذه الحضارة هي جزء من حضارة البحر الأبيض المتوسط، واقدم من حضارة العرب، ولا ينتمي إليها، هو تصوير يجافي الحقيقة التاريخية كما يجافي الواقع. وهذا التصوير هو أقرب إلى «التقرير» الذي قدمه ذات يوم الدكتور حسين مروة إلى اللجنة المركزي للحزب الشيوعي اللبناني.
يلح الدكتور محمد أركون، أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة باريس، على ما يسميه «بتربية الذهنيات» لا تقتصر هذه التربية بنظره على اتقان المناهج وطرائق البحث الحديثة، بل تتجاوز ذلك إلى ما يمكن تسميته بتربية النفس وتهذيب الغريزة والاعتياد على إعطاء كل ذي حق حقه بصورة آلية محضة. وبدون هذه التربية بوجهيها اللذين تحدثنا عنهما، نكون كمن يحرث في البحر، أو كمن يكتب تقارير موهوبة للموت والخراب.