
في يوم الأربعاء 28/3/1427ه - 26/4/2006م، جرت في مدينة دبي أعمال الدورة الرابعة لمنتدى الإعلام العربي، الذي يعقد كل عام باحثاً حال الإعلام العربي وقضاياه، ولأنني منشغل ومهتم بحال اللغة العربية ومدى حضورها وممارستها وبخاصة في حياتنا التعليمية والثقافية والإعلامية - بحثت، من خلال تغطيات صحفية لجلسات هذه الدورة، عن طرح أو تناول لهذه اللغة على أساس اعتبارها قضية من قضايا الإعلام وبخاصة المرئي والمسموع، فلم أجد شيئاً من هذا، وحتى في دورات المنتدى السابقة لم أتذكر أن ذلك قد طرح أو نوقش. وهنا نتساءل: لماذا لم تحضر اللغة العربية قضية من قضايا منتدى الإعلام العربي وهي، وفق ما ينبغي أن تكون بالنسبة للإعلام العربي، آلية أو أداة الإرسال والتواصل الجوهرية؟! سؤال نوجهه إلى كل إعلامي وإعلامية، وإلى كل مسؤول في الإعلام بعامة والمرئي والمسموع منه بخاصة.
ناقشت دورة منتدى دبي في جلساتها المتعددة حال الإعلام في بعض الدول العربية، كما ناقشت عدة قضايا لم يكن من بينها، كما قلت، اللغة العربية الفصيحة. ولهذا استوقفني، من بين القضايا التي تدارسها المنتدون، قضية «صدقية» الإعلام العربي، وذلك لوثاقة ارتباط هذه الصدقية في الإعلام العربي باللغة العربية الفصيحة، وتوقف اكتمالها عليها، واستنادها إليها، واغتذائها منها إلى جانب ما تستند إليه وتغتذي منه، أي إن صدقية الإعلام العربي ستظل مهتزة وهزيلة وناقصة مالم تستند إلى عمود العربية الفصيحة وتضعها ضمن طبقها الرئيس. لكن المؤسف أن معظم الإذاعات والفضائيات العربية غافل أو متغافل عن هذه الحقيقة: حقيقة ارتباط «صدقية» الإعلام العربي باللغة العربية الفصيحة، وأن هذا الإعلام بدون هذه اللغة وسلامتها ونقائها سيظل ناقص الصدقية، وسيظل موضع انتقاد وعدم رضا من الإنسان العربي، لأن الإنسان العربي لايسعده إلا أن يكون صوت العربية الفصيحة هو الإيقاع الغالب على مايسمعه ويشاهده في الإذاعة والتلفاز، وليس إيقاع تلك اللهجات العامية المتعددة التي يستعصي بعضها على الفهم، وتعجز كلها عن نقل المعلومات والمعارف بسلامة ودقة ووضوح.
إنه إذا كان الإعلام العربي متهماً بضعف الصدقية بسبب غياب القضايا الأساسية للأمة عن معظمه: قضايا الحرية والديموقراطية والعدل والمساواة وأسباب التقدم العلمي والحضاري، وانشغاله بأمور لاتحرك وعي المواطن العربي ولاتوقظه ولاتسهم في صياغته وعياً فطناً راشداً يبصر الواقع ويستشرف المستقبل، أمور قشرية ليس الحديث فيها سوى ثرثرة وابتزاز للجيوب، ثم بسبب نفاق بعضه وممالأته، بهذا النفاق، لظلم واستبداد وفساد بعض الأنظمة العربية مما أدى إلى ضعف ثقة الإنسان العربي فيه - إنه إذا كان الإعلام العربي متهماً بضعف الصدقية بسبب هذا وغيره، فإننا نضيف سبباً آخر لاتهامه بضعف هذه الصدقية وهو ضعف حضور العربية الفصيحة في كثير من فضائياته وإذاعاته، واستقواؤه باللهجات العامة عليها، ومناصرته هذه اللهجات ضدها. إنها لجناية يمارسها الكثير من الإذاعات والفضائيات بوعي وإصرار. ولهذا نتساءل: هل للمواطن العربي أن يعدها قضية من حقه أن يقاضي بسببها تلك الإذاعات والفضائيات التي تتراجع فيها العربية الفصيحة وتسود اللهجات العامية إلى درجة الخطر على ألسنة النشء وذوقه اللغوي مما يسهم في فقده القدرة على التخاطب والتواصل بأسلوب لغوي مهذب واضح قادر على إيصال المعلومة دون ركاكة أو لهجة عامية غير مفهومة؟ ليس هذا فحسب، وإنما الخطر على ذهنيات هذا النشء، فترك هذه الوسائل الإعلامية تحت سيادة العامية يعني إسهامها في صياغة ذهنية عامية وليس ألسنة عامية فحسب. إننا غير راضين، بل رافضون لأن تصاغ ألسنة أطفالنا وشبابنا وذهنياتهم في هذا الجو اللهجي العامي، ورافضون لأن يذاع أو يعرض لهم أفلام كرتونية بلغة عامية. والمؤسف أن من الفضائيات التي تعرض هذه الأفلام فضائية محسوبة على بلد عربي يعد موطنا أصيلاً للغة العربية وأحد حماتها.
كما استوقفني، أيضاً، من القضايا التي ناقشتها الدورة في جلساتها، قضية تدريب المؤسسات الإعلامية لإعلامييها وإعلامياتها من أجل تطوير قدراتهم ومهاراتهم الإعلامية. وكما غفل المنتدون عن ارتباط «صدقية» الإعلام العربي بالعربية الفصيحة، أو لأنهم غفلوا عن ذلك، غفلوا عن أن تطوير القدرات والمهارات اللغوية (في إطار العربية الفصيحة) هو في القمة من كل المهارات والقدرات لأنه بقدر ما تكون لغتك سليمة يكون مدى نجاحك في توصيل المعلومة ومدى استيعابها من قبل المستمع. ولهذا، خليق بالقنوات الإذاعية والتلفازية أن تعقد دورات في المهارات اللغوية لمن يحتاجها من المذيعين والمذيعات، فتحسين المهارات والقدرات اللغوية وتطويرها يحتاج، بحق، إلى تدريب ومران جادين حتى يمتلك المذيعون والمذيعات ملكة اللغة العربية الفصيحة ويتمكنوا من مهاراتها سواء في القراءة أو الكتابة أو التحدث، لكني اركز على ملكة التحدث بطلاقة لأن تحقق هذه الملكة ليس سهلا ولا يتيسر بين عشية وضحاها، فقد رضعنا العامية ونشأنا وتعودنا عليها، ومن هنا أهمية الدربة والمران الجادين حتى يمتلك المذيعون والمذيعات، كما قلت، ملكة الكلام الفصيح الجميل، وحتى يتجاوزوا، بهذا الامتلاك، العامية والركاكة، ويتخلصوا من لوازم نطقية لهجية غير فصيحة وغير مستساغة مثل: سلاسة لثلاثة، وزبزبة لذبذبة، وغانون وغمة لقانون وقمة وغير ذلك ونحوه.
إن من أجل وأجمل منظومة «رسالة الإعلام» ترسيخ القيم الحضارية والثقافية الأصيلة للأمة. واللغة العربية الفصيحة هي من أثمن هذه القيم، ولهذا فواجب المذيعة والمذيع الحفاظ عليها والمساهمة في ترسيخها بالممارسة، واحترامها والاعتزاز بها مثلما الآخرون يحترمون لغاتهم ويعتزون بها ويغضبون لأجلها. وأحدث شاهد على هذا ما فعله جاك شيراك في اجتماع على مستوى اوروبي، فقد سمعت أنه غادر الإجتماع مغضباً لأن أحد الفرنسيين تحدث باللغة الإنجليزية. ولهذا من حقنا بل من الواجب علينا أن نغضب إذا انصرف الإعلاميون إلى غير اللغة العربية الفصيحة، كما من حقهم أن نحترمهم ونعتز بهم بقدر احترامهم لهذه اللغة واعتزازهم بها.
كلمة أخيرة نوجهها إلى معدي أو منظمي منتدى الإعلام العربي، هي مناشدتهم إدراج «اللغة العربية الفصيحة» قضية من قضايا المنتدى لمناقشتها في دورته القادمة بهدف اعتمادها لغة الإعلام العربي الرئيسة وبخاصة المرئي والمسموع فهما اللذان نشكو غزو اللهجات العامية لهما وسيطرتها عليهما، ومانحلم به هو دحر هذا الغزو، ونقل هذه السيطرة إلى العربية الفصيحة باستثناء حالات أو مواقف يستحيل فيها تجريد العامية من سيطرتها.