
إلى سَعْد البازعي..
.. عبدالله نور (1973 - 2006)، هذا اللسان الثقافي التنويري وليد مكة المكرمة، والرياض مرباه وحياته، فلم يكن لهذا الرجل الفارع الطول وذي الباع الطويل في الأدب والثقافة أن ينكر دوره لمجرد انعدام طبع كتبه، وهو الذي ترك مخطوطات عدة في الفكر، اللغة والسرد إلا أنه ساهم في الحوار والمقالة مكتوبين، وساهم في حكايات الثقافة والأدب، عندما صادفت الثقافة في بلادنا تحولاً حضارياً كان أحد عرَّابيه، فهو العارف بتراث الشعر العربي قديمه وجديده، والمملوء بالبعد الإنساني خارج الهوية والحدود. فقد أسعفه التنوع الإثني (القومي) ما بين زواج آسيا بأفريقيا بتكوينه الأجْلَى.
.. المجتمع المنتقل من ثقافة الشفة إلى ثقافة القلم كان لا بد من كبش فداء له، وعبدالله نور أحدهم، مثله: عبدالرحمن البطحي في عنيزة، وغيرهما في مدن المملكة الأخرى، فلم يكن وحده مثقفاً شفوياً - وإن كان كتب أو نشر قليلاً - متنوع المعارف وقارئ علوم إنسانية واجتماعية، يمتلك الذخيرة الثقافية والمهارات بأدواتها يحلِّل ويطرح أفكاره، ميزة المثقف الشفوي أنه معلِّم ومحدَّث، عالم وعارف، راوياً ومروياً عنه، مريدوه وطلابه كثر، وهم أذرعته وعيونه، ألسنته وأقدامه.
.. إن ما يميز المثقف الشفوي، حتى إن دُوِّن له، هو أن إبداعه كامن وخلاَّق في لحظات لا يفقدها الزمان والمكان بل يبقى واعداً بما سيكون لا ما كان.
.. إن الثقافة الشفوية، بكل عنفوان تنوعها واختلافها المحتوية لمعارف ومهارات المجتمع، تخلق عقلاءها ومجانينها، وعبدالله هو مجنونها العاقل!، فأذكر مقالته: حمار الحُطَيئة يحتج (اليمامة، العدد 646، 1980) يحكي عن ثقافة يعرفها وتعرفه حديث ما بين تسميات البيئة في عمرانها وأدواتها: فندق الخزامى، والدَّلَّة العربية، ويحكي عن صحبته ل (سارد حائل) جارالله الحميد (القاص والكاتب)، وتعليقهما على نطق كلمة حائل (هايل)، ويسألان بعضهما عن العرب من أين جاءوا؟
.. يقول في مقالته: «أمي تقول: كبرت على التعاسة والإعاقة فابتسمت.. كتبت قصة قصيرة.. مزَّقت القصة.. زرت قبور أصدقائي الذين أحرقتهم طائرة (التراي ستار) بعت (لسان العرب) لابن منظور.. تبعت ملاكاً جميلاً أعطيته رقم التلفون.
.. (.. واندلق الظلام..).
.. بدأ صديقي يثرثر بين وجهي وفنجان القهوة والخزامى الزهرة التي تعتلي جبهة الفندق.
.. فندق الخزامى بالرياض.. تعتلي زهرة الخزامى رمزاً.. وشعاراً، ولكن ليست هذه التي ترونها زهرة الخزامى.. الخزامى زهرة برية ذات أوراق بنفسجية وساق طويلة.. وبس.. والشركة السويسرية أو الأمريكية أو اليابانية التي بنت الفندق تستطيع أن تقنع كل حواسنا بأن المهندس الوطني اجهل من أم الحطيئة في الفن المعماري بالقياس إلى المهندس الأجنبي. لكنها لو أتيت كل بلاغة الحطيئة لا تستطيع إقناعنا بأنها أعرف منا بالخزامى!».
.. وفي مواقع آخر من تلك المقالة - النموذج: «ضحكت ومسحت بقية تلك الليلة الجميلة في مدينة (حائل) حين كان جارالله الحميد يضحك يومئ بإصبعه المعروفة إلى لوحة (البنك الأهلي)، ويقول لي: انظر البنك الأهلي في هايل!. حين تبني شركة بريطانية للبنك الأهلي مقراً في (حائل) بالحاء، من مدن امرئ القيس.. وليس في (هايل) من مدن هيان بن بيان..» انتهى.
.. ربما أكون من جيل تجاوز بالزمن، حالة عبدالله نور، إلا أنني تربيت في بيت مثقف شفوي هو جدي إبراهيم الواصل الذي ترك في ذاكرتي بُعداً إنسانياً حضارياً كان حصيلة ما طاف به شرق البلدان وغربها إلا أن ذلك معجون بالحنين النجدي بين صمت الصحاري وسكون البحر، بمناخ الشعر النبطي والسالفة القديمة، ربما سبحونة عجائبية تنقبض على خرافتها وتجذب إلى بداعتها الفريدة.
.. نعم، عبدالله نور سبحونة الحداثة في فكرنا المهاجر وشعرنا المظلوم، سردنا الثائر وغناؤنا المكتوم، رقصنا العاثر وصمتنا المأثوم. .. كان يمتلك المجاز فلم يكن شاعراً، وكان يقدر السرد فلم يكن قاصاً. كان خرافة أفريقية وعقلاً عملاقاً سعى أجداده لصحارى الجزيرة لسان عربي وقلب يهتف لمضيق باب المندب، فينشط برقصة المزمار أخيراً لفتوة وشباب حارقين.
.. عبدالله نور، مات؟ لا، فقد بقي روحاً مثقفة تسكننا، وتلهم صحارى تصيح جحورها بالفقد والجنون!