بحث



الخميس 27 ربيع الآخر 1427هـ - 25 مايو 2006م - العدد 13849

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


من مجلة شعر 1957م إلى (وست هول 204) - 2006م
النثر يفترس الشعر

محمد علي شمس الدين
    يجتمع كل نسل قصيدة النثر العربية تقريباً في بيروت في قاعة الوست هول 204 (مبنى الجامعة الأميركية) ما بين 19 أيار الجاري و21 منه، ليتدارسوا شؤون قصيدتهم وشجونهم، ويلتفتوا إلى الوراء على مساحة زمنية تقارب خمسين عاماً، هي المدة التي قطعتها قصيدة النثر العربية بين العام 1957 (تاريخ صدور أول عدد من مجلة شعر اللبنانية) والعام الراهن 2006، وهو عام اجتماعهم في مؤتمر تكريمي تقييمي لبعض الرموز (محمد الماغوط، وأنسي الحاج، وأدونيس، وعباس بيضون، وما بينهم آخرون من أجيال متعددة وأنساق تعبيرية متباينة).

وقد تداعوا من أربعة أقطار المعمورة، ما عدا قلائل لا يشكّل استثناؤهم شذوذاً على المكرّس والمعلوم.. فالمؤتمر لهذه الجهة، ومن خلال الشعراء المدعوين، تمثيلي بالمعنى الواسع للكلمة، إنْ لناحية الآباء والأبناء والأحفاد، أو لناحية التوزّع الجغرافي والثقافي... من أنسي الحاج لعباس بيضون فيوسف بزي (من لبنان)، ومن عبدالقادر الجنابي (العراقي المقيم في باريس) إلى أمجد ناصر (الأردني المقيم في لندن)، إلى سركون بولص (المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية)، إلى آخرين من أفكار متعددة.

الحضور اللبناني في هذا المؤتمر بارز، بل طاغ وذو دلالة. وهو في موقعه على كل حال. فإلى جانب الحاج (مفتتحاً) وبيضون (مختتماً) ثمة حضور لشوقي أبي شقرا وبول شاوول وعبده وازن وبسّام حجّار وعقل العويط وحمزة عبوّد ويحيى جابر وناظم السيّد وآخرين. وما يميّز الكوكبة شاعرتان عذبتان لبنانيتان أيضاً هما عناية جابر وجمانة حداد... فالتجربة، باختصار، مثيرة وكبيرة، وتستدعي الترقب والمتابعة.

والمؤتمر ذو طابع نقدي على الأرجح. فليست القراءات الشعرية هي الغرض، بمقدار ما هو النظر والرأي وتقليب الرأي، في هذه الحساسية الشعرية الجديدة في المدى التاريخي الواسع والقديم للشعرية العربية، سيّما أنّ عدداً من المدعوين، إن لم يكن جلّهم، ذوو تجارب إبداعية ونقدية في آن... لا ننسى أن أنسي الحاج بدأ في مجلة شعر ناقداً، وأن عباس بيضون شاعر وناقد وأن بول شاوول شاعر وناقد ومسرحي، وأن عبده وازن شاعر وناقد، وقل الأمر نفسه في عقل العويط وجلّ المشاركين. وليس لنا سلفاً أن نقرأ ما سوف يتمخض عنه هذا المؤتمر، ولكننا نشير إلى ضرورته من جهة، وإلى نقص منهجي جوهري اعتور انعقاده بهذه الأسماء وهذه الأغراض دون سواها.

أما من حيث ضرورة انعقاد مؤتمر دراسي جامع لقصيدة النثر العربية، فمسألة ملحة، ولا يُمارى فيها. فعمر قصيدة النثر العربية، لا يكاد يذكر، إذا قيس بعمر القصيدة العربية الدهرية. إنها نسبة خمسين عاماً أو أكثر قليلاً، من زمان الشعر العربي المستور والمكشوف، والمقدّر بثلاثة آلاف عام على وجه التقريب.

وقد أتت قصيدة النثر بادعاء تقويضي كبير... ربما لخصه أنسي الحاج في مقدمة كتابه «لن» بالقول إنه يقصد إلى «بجّ السدّ» والسدّ هو سدّ القصيدة العربية بكافة أشكالها الإيقاعية وأساليبها البلاغية القديمة والحديثة..

هذه الرغبة الانتقامية أو التخريبية لعدد من رموز قصيدة النثر العربية، جاءت كأنها امتداد نفسي وعصبي لرغبات سرياليين ومستقبلين غربيين في ماياكوفسكي (المستقبلي الروسي) إلى أوجين يونيسكو المسرحي السريالي الفرنسي... فشعراء قصيدة النثر السرياليين الفرنسيين. كان مايا كوفسكي حين يتكلّم على الكلاسيكية والرومانسية يشبهها بساق ميتة، لا حاجة إليها في جسد حديث حيّ. أما يونيسكو فكتب هجائيات مُرّة في فيكتور هوغو... وكان الخطأ يكمن في تحويل الفكرة إلى عقيدة... أو ديانة في الحداثة وما بعد الحداثة..

هذا العنف النظري على كل حال، لم يكن قادراً على سدّ القنوات والمعابر التي تتداخل (ولو بالسرّ) من خلالها الأفكار والنصوص.. جاءت لما بعد حداثة لتقوّض الحداثة كما قوّضت الحداثة الكلاسيكية.. وعليه فعلاقة النثر بالشعر، والقصيدة بمستقبلها، لا تحددها نظرية ولا يحبسها ادعاء. وعلى ما نرى، فإن علاقة الشعر بالنثر علاقة بالرحم، أي علاقة أصل ومنشأ. ذلك ما أشار إليه أبو حيّان التوحيدي في «الامتاع والمؤانسة»، بقوله إن أقصى ما يصبو إليه الشعر هو أن يكون كالنثر.. والعكس بالعكس. أما علاقة النثر بالشعر فعلاقة أبوية.. ربما «فرويدية».. ثمة دائما سلطة أبويّة تاريخية للشعر على النثر. وربما وجدت عقدة نقص لدى النثر تجاه الشعر.. بسبب سلطة دهرية للشعر واضطهاده للنثر، لذلك كان ولا يزال ثمة إدلال للشعراء وأبهة على كتّاب النثر.. ما يدفع هؤلاء في غالب الأحيان للتشبّه بالشعراء، وللقول مثلاً، إنّ النثر، جمالياً، قد يصل لحدود الشعر...

ثم تولّدت ردود فعل أخرى، أهمها رغبات النثر الفرويدية في قتل الشعر (الأب) والاستئثار بالأم (الإبداع بالكلمات).

لعلّ عبارة قصيدة النثر Paeiue de Prase هي العبارة ذات الدلالة القوية على هذه العلاقات الرحمية والصراعية معاً. إن قصيدة النثر هي افتراس النثر للشعر أو اغتصاب له. وهي إشكالية تاريخية وإشكالية نظرية لا يحلّ تناقضاتها سوى «النصّ».

هذا لجهة الضرورة النظرية لقصيدة النثر. وهو ما يمنح مؤتمراً شعرياً ونقدياً حولها، مشروعيته.

أما النقص المنهجي في مؤتمر «وست هول 204»، فمتعلّق باعتبار جماعة قصيدة النثر أو كتّابها وشعراءها، قبيلة أو ديانة، ذات صفاء عرقي، وجينات شعرية لا تشوبها شائبة، ولا يدخلها الزغل من خارجها.

من أجل ذلك، على الأرجح، لم يُدْع للمؤتمر سوى أهل بيت قصيدة النثر، علماً بأن أساليب الشعرية العربية ذات تنوع إيقاعي وتعبيري ورؤيوي واسع، ولا مانع من أن يُخصَّ أسلوب شعري أو تعبيري بذاته بمؤتمر على حدة، ولكنّ آراء أهل البيت وحدهم ببيتهم لا يكفي.. بل هو ناقص.. ولا يتكامل إلا بزوايا أخرى للنظر.

ووضعهم في هذه الحالة، شبيه بوضع من يتثقف بمقالاته ولا يصغي ويستمع إلا لأشعاره... ولعله كان من الأجدى أن يدعى لمؤتمر قصيدة النثر العربية، شعراء ونقاد متنوعو الرؤية والأسلوب، وحتّى من موقع الضدّ، فالتنوع أساس الحرية والإبداع، وعكسه الشرذمة والاختناق.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية