خطوة «أمانة الرياض» أحيت «نظام الغرامات» النائم في أدراج البلديات منذ عقدين من الزمان وقدمت نموذجاً للتوعية الحضارية
الاسبوع الأول ظهر الخبر في إحدى الصحف يقول «ضبط أعضاء برنامج - عين النظافة - الذي اطلقته أمانة منطقة الرياض 300 مخالفة متنوعة لعدد من المركبات - المخلة - بالنظافة العامة في شوارع، وميادين وطرق الرياض خلال الشهرين الماضيين»..
الاسبوع الثاني ظهر - نفس الخبر - في صحيفة أخرى بنفس الشكل، والمضمون والمعنى والنتيجة.
الاسبوع الثالث تأكد ظهور نفس الخبر بنفس الشكل، والمضمون، والمعنى والنتيجة وقد يتكرر - الظهور - مرة رابعة، وخامسة وسادسة وهذا التكرار المقبول في قضية اجتماعية هامة كهذا القضية هدفه تذكير الناس - الذين ينسون بسرعة - بما قامت به لجنة - عين النظافة - من جهود للمحافظة على الذوق العام، وحماية البيئة من التلوث، واحترام الشارع والطريق والميدان وكل مكان عام فلم نحوّله - بهذا العبث المقصود، وغير المقصود - إلى «مكان نفايات، ومرمى زبالات»... ونمضي في حال سبيلنا دون أن يشعر أحدنا بأنه ارتكب حماقة في حق وطنه ومجتمعه، أو حق الوطن الذي يقيم فيه.
أسلوب حضاري «رغم العقوبات»
وقد انتهجت لجنة «عين النظافة» بأمانة منطقة الرياض اسلوباً حضارياً بقرارها استدعاء من تم - ضبطهم - بأخذ تعهد بعدم العودة لهذه المخالفات البيئية رغم ان ملف وزارة البلديات منذ ما يقارب العقدين به بنود صريحة وواضحة لتطبيق الجزاءات على مرتكبي هذه المخالفات البيئية لا تقل عن عقوبة قطع الإشارة، وعدم ربط حزام الأمان إلاّ أن هذه الجزاءات «نامت» في أدراج البلديات إلى أن قامت أمانة الرياض بتشكيل أعضاء عين النظافة لتزيح الغبار عن هذه الجزاءات أو تمهد لها الطريق من جديد «بعد أن استمرأ المخالفون التمادي في تصرفاتهم الحمقاء»...
وعلى بقية الأمانات في جدة، ومكة والمدينة والدمام - الاستفادة - من هذه الانطلاقة الجديدة لأمانة الرياض بإنشاء أو تشكيل لجان تحت نفس الاسم «عين النظافة» شرط التزام جميع شركات النظافة أولاً بحماية «براميلها، وحاوياتها» من التلوث الذي نراه رأي العين، وأن تنطلق من نفس الطريق فتراقب المخالفين وتستدعيهم - في المرحلة الأولى - ثم تبدأ بعد ذلك في تطبيق «قانون الجزاءات» فكلنا يحلم باحترام الذوق العام، وكلنا يحلم بتطبيق هذه السلوكيات الحضارية - الرائعة - التي تقودنا للأمام...
وكلنا يحلم بأن يرى شوارع وطرق وميادين مدينته «نظيفة من العلب الفارغة والمناديل المستعملة، ومن الزجاج المكسور ومن الأثاث القديم ومن بقايا ومخلفات البناء ومن مناظر وروائح المياه السوداء».. ومن تلويث المدينة بأي سلوك أحمق سواء كان «منبه سيارة»... أو دخان سيارة: الأول يضر الرأس، والثاني يضر النفس، ويتعب القلب.
وما قام به «أعضاء برنامج عين النظافة» ليس عملاً - عقابياً - لمرتكبي المخالفات التي تسيئ للبيئة، والسكان بدليل دعوة المخالفين الثلاثمائة الذين تم ضبطهم إلى تقديم تعهد خطى بعدم العودة لارتكاب، وممارسة هذه الأخطاء التي تشوه وجه المدينة، وتعكس صورة - غير حضارية - لبعض سكانها، وحرص الأمانة على - إزالة - هذه التشوهات.
ولأهمية موضوع البيئة، ودور «عين النظافة» في حمايتها فنشير إلى أن الأردن - على سبيل المثال - قرر إنشاء «شرطة بيئية» تتولى «مراقبة ومعاقبة» الذين يلقون «النفايات» في الشوارع والذين يشوهون الصور الجمالية للمدينة ويزعجون سكانها...
وما قام به أعضاء برنامج «عين النظافة» هو أقرب لمهام شرطة البيئة، أو انه على نفس الطريق...
وقد حفزنا ذلك على - الخوض - في قضية عين النظافة، ودفعنا لهذه السياحة الصحفية العالمية والداخلية - الطريفة - والتي لها علاقة مباشرة بموضوع البيئة والذوق العام والسلوك الحضاري...
من بروكسل إلى لندن والعكس
يروي أحد نجوم السينما العربية الكبار وكنت استمع إليه انه كان مع زملائه يقومون بتصوير مناظر خارجية للفيلم الجديد في مدينة بروكسل وأثناء الاستراحة التي منحهم اياهم المخرج جلسوا أمام المسبح وكان الجو بارداً عندما ألقى أحد زملائه الفنانين بعقب السيجارة في المسبح فقفز أحد المساعدين البلجيك إلى المسبح - في هذا الجو البارد - ليأخذ عقب السيجارة منه، ويضعه في مكانه الصحيح.
وقد فوجئ طاقم الفيلم العربي بهذا الموقف من المواطن البلجيكي (الذي لم يلق محاضرة وعظية على الفنان العربي) يشعره من خلالها بسوء تصرفه، وسوء سلوكه في القاء عقب السيجارة في المسبح النظيف إنما بادر بنفسه بالقفز خلف عقب السيجارة ليأخذه من المسبح ويلقيه في مكانه المناسب غير مبال ببرودة مياه المسبح وغير مهتم ان تصاب ملابسه بالبلل فهو بسلوكه هذا قدم درساً لجميع أفراد طاقم الفيلم العربي كما يقول الفنان الكبير لمدى احترام الأوروبيين لنظافة بلادهم. وفي أحد ميادين لندن القى سائح عربي بعقب سيجارته على الأرض التي تلمع من النظافة فشاهدت امرأة عجوز هذا التصرف فانطلقت نحو المكان وأخذت عقب السيجارة من الأرض ووضعته في مكانه الصحيح وسط دهشة واستغراب السائح العربي الذي يلقي أبناؤه آلاف من أعقاب السجائر كل لحظة على الأرض أو فوق الأرصفة أو على الكراتين والصناديق أو بجوار محطات البنزين دون ان يجدوا في تصرفهم هذا أي غرابة، ولو لفت أحد الأشخاص نظرهم لهذا التصرف الأحمق لناله منهم شتيمة وربما اعتداء بالأيدي لأنهم حسب مفهومهم الشخصي يعدون هذا التصرف من قبلهم من قبيل الحرية الشخصية التي لا تستوجب اللوم أو العتاب.
من جدة إلى الرياض والعكس
هذه حكاية طريفة عمرها حوالي عشرين عاماً وقعت في جدة لصحفي متعاقد كان يعمل في (جلب الأخبار الخفيفة) إلى ان جلبته هذه الأخبار إليها جلباً فأصبح بطلاً لها، وصاغ بنفسه الخبر.
قال لزملائه انه دفع ثلاثمائة ريال ثمناً لقارورة بيسي وعند استنكر الزملاء هذا الثمن الباهظ والخيالي والفلكي شرح لهم الحكاية قال انه أثناء نزهته في الكورنيش وأثناء قيادته لسيارته كان يشرب (قارورة بيبسي) وعند الانتهاء القى بها من نافذة السيارة فشاهدته سيارة مرور وحررت له قسيمة بثلاثمائة ريال وهو لذلك يعتبر ان هذه أغلى قارورة بيبسي في العالم وانه قطع على نفسه عهداً الا يشرب مثلها!
يقول الزميل انه خلال ثلاث سنوات تناول ما يزيد على ثلاثمائة قارورة بيبسي القى بفوارغها في الكورنيش وفي أماكن أخرى وانه إذا كان منزعجاً من هذه الغرامة الكبيرة اليوم فانه مرتاح الضمير لأنها غسلت ذنوب ثلاث سنوات من العبث وتلويث البيئة ومصادمة الذوق العام التي كان يمارسها هو ويمارسها بقية زملائه الذين نقلوا له العدوى أو نقل اليهم العدوى وهذا التأديب الذي تم بالمصادفة هو درس لكل من يعتدى على الذوق العام هو من العاملين في مجال توجيه الرأي العام المفروض فيهم ان يكونوا قدوة لغيرهم.
نفايات على الكوبري زجاج على الأرض
أثناء اعداد صور هذا التحقيق الصحفي روى الميل محسن سال انه كان يمر فوق كوبري الميناء حينما شاهد سيارة تمشي الهوينا فوق الكوبري وبداخلها شابان مراهقان يقومان بتمزيق أوراق لديهما ويتناوبان القائها فوق الكوبري وتبدو عليهما السعادة من هذا التصرف.
يقول الزميل انه حاول وسط السيارات اللحاق بهما لكنه فشل ونجح في التقاط صور لهما ويؤكد ان حرصه على اللحاق بهما كان من باب ابداء العتب على هذا السلوك السيئ منهما مع الوضع في الحسبان غضبهما منه.
قبل سنوات طويلة حين كانت شوارع جدة أكثر نظافة من الآن حدث موقف مشابه لكن كان فيه مواجهة بين مقيم يقود سيارته وعند الإشارة القى بعلبة مناديل فارغة مع بقايا مناديل مستعملة فشاهده أحد المواطنين بالصدفة فطارده إلى الشارع الآخر ونزل من سيارته وطلب منه الاسراع في العودة لأخذ علبة المناديل الفارغة التي القاها في الشارع ورميها في مكان النفايات وفعلاً نجح المواطن الغاضب والمستاء والمستنكر في اجبار المقيم على تصحيح وضعه وانتهت القصة بسلام خاصة وان من كان يتابع الموقف كان مؤيداً لتصرف المواطن وغاضباً على تصرف المقيم!
وقد ازدادات هذه السلوكيات الخاطئة فوصلت إلى أقصى درجاتها من مواطنين ومقيمين ومن كبار وصغار في السن ومن متعلمين وغير متعلمين ومن راكبي سيارات أو مارة حتى أصبحت هذه السلوكيات تكاد تكون هي الأساس في مجتمعنا بعد ان كانت في الماضي عملاً مستنكراً وتصرفاً غير مقبول وإذا حدث فانه نادر أما الآن فأنت في ساعات النهار وساعات الليل ترى بأم عينيك عشرات من هذه السلوكيات القبيحة لمواطنين ومقيمين على حد سواء ولصبية وشباب وشيوخ على حد سواء يلقون بالنفايات من السيارة إلى عرض الشارع عقب سيجارة مشتعل مناديل قذرة فضلات سندويتشات وعلب عصير وقهوة وشاي بل ان مجموعة من الصبية في الحارات تخصصوا في قذف القوارير الزجاجية على الأرض لتتهشم ويتناثر زجاجها نحو اليمين ونحو الشمال وأمام المساكن وفوق الاسفلت والأرصفة دون رادع يردعهم.