أكد صاحب السمو الأمير الدكتور تركي بن محمد بن سعود الكبير وكيل وزارة الخارجية المساعد للشؤون السياسية رئيس الإدارة العامة للمنظمات الدولية أن انتخاب المملكة عضواً في مجلس حقوق الإنسان مؤشر على الدور الذي تقوم به المملكة على الساحة الدولية إذ إن قرار إنشاء هذا المجلس نص على أن تكون الدولة المتقدمة للعضوية ذات سجل إيجابي في حقوق الإنسان كشرط لانتخابها.
وأعرب سموه في حديث ل «الرياض» عن تفاؤله بنجاح مهمة المجلس الجديد مؤكداً أن المملكة ترفض أن يتحول المجلس جهازاً عقابياً تتجاوز ولايته حدود التعاون والحوار البناء إلى التدخل المباشر في شؤون الآخرين.
كما أن المملكة ترفض تسييس مسائل حقوق الإنسان والمبالغة والازدواجية في التعامل التي ميّزت الحقبة الزمنية الماضية.
وأكد سمو الأمير تركي بن محمد أن لا تفاوض ولا تنازل عن فهمنا المتأصل لحقوق الإنسان والقائم على ثوابت دينية وثقافية.
٭ ماذا يمثل مجلس حقوق الإنسان وماذا يعني انتخاب المملكة في هذا المجلس؟
- مجلس حقوق الإنسان هو عبارة عن جهاز دولي واسع الصلاحيات في مجال حقوق الإنسان عدد أعضائه 47 دولة تنتخب مباشرة وبالاقتراع السري من قبل أعضاء الجمعية العامة، تم انشاؤه بقرار من الجمعية العامة بتاريخ 15 مارس 2005م ليحل محل لجنة حقوق الإنسان التي تم الغاؤها بعد أن تعرضت لحملة واسعة من قبل جهات عدة تتهمها بعدم الصدقية والتسييس بسبب تركيبة العضوية فيها، وهي في الواقع كانت حجة واهية كون أن التوزيع الجغرافي الذي تعمل به الأمم المتحدة يتيح لأي دولة كانت أن تكون عضواً في أي جهاز دولي متى شاءت دون شروط مسبقة وبالانتخاب الحر والنزيه، فإذا ما رغبت مجموعة من الدول ترشيح دولة ما لأي منصب دولي ومنحتها الدعم والتأييد فلا مبرر للجانب الآخر أن يعترض.
على كل حال حرصت المملكة على أن تؤيد إنشاء هذا المجلس على أمل أن يتم من خلاله معالجة سلبيات الماضي التي تمثلت في التسييس المتنامي والمتعمد لمسائل حقوق الإنسان، ومن ثم فإن مجلس حقوق الإنسان الآن هو جهاز من أهم أجهزة الأمم المتحدة، وسيكون مسؤولاً أمام الجمعية العامة عن تعزيز حقوق الإنسان وهي مسؤولية كبيرة وتبعاتها مهمة للغاية، كونها تأتي لتكرس مبدأ عالمية حقوق الإنسان وترابط وتداخل هذه الحقوق، والمملكة لها موقف تقليدي في هذا الخصوص يقوم على تقوية التعاون وتنمية التفاهم المشترك بين كافة الأطراف في سبيل تعزيز الإنسان بشكل متوازن ومنصف.
٭ ما أبعاد انتخاب المملكة عضواً في المجلس الجديد؟
- من الطبيعي أن تكون المملكة عضواً في هذا المجلس كونها تعمل من خلال قنوات متعددة على تعزيز حقوق الإنسان على المستوى المحلي والدولي، ومشاركتها في أعمال المجلس ليست هدفاً بحد ذاته بقدر ما هو رغبة في التفاعل مع الأسرة الدولية في وضع المعايير والضوابط التي تحكم مسائل حقوق الإنسان في المستقبل والتي سنعمل من خلال التشاور المتواصل مع الدول الصديقة والشقيقة على عكس تصورنا لقضايا حقوق الإنسان بتجرد بعيداً عن التسييس والمبالغة والازدواجية في التعامل التي ميزت الحقبة الزمنية الماضية، وهدفنا واضح وهو أن يكون المجلس المحفل المثالي القادر على استيعاب وجهات النظر المتعددة والمتباينة حول الحلول المثلى والتوافقية لما يواجه العالم من تحديات في مجال تفعيل المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ونحن كدولة لنا وجهة نظر وعلينا واجب ايصالها بوضوح للآخرين في الوقت نفسه لنا تحفظات على طروحات بعضهم خصوصاً تلك المفاهيم الحديثة التي يحاول بعضهم اقحامها بين الحين والآخر والتي تتنافى كلية مع فهمنا المتأصل لحقوق الإنسان القائم دائماً على ثوابت دينية وثقافية لا تفاوض بشأنها ولا تنازل عنها بما يتماشى مع المامنا ومعرفتنا التامة بالمواثيق والأعراف الدولية والتزامنا بها، لذا كان لابد للمملكة أن تكون عضواً في هذا المجلس ولعل ما يثلج الصدر في هذا الخصوص أن هناك 16 دولة إسلامية انتخبت إلى جانب المملكة لعضوي المجلس وهو رقم جيد لم يسبق تحقيقه في الماضي.
في نفس السياق انتخاب المملكة عضواً في هذا المجلس هو مؤشر على الدور الذي تقوم به المملكة على الساحة الدولية، فقرار الجمعية العامة الذي أنشأ المجلس نص على تكون الدولة المتقدمة للعضوية ذات سجل إيجابي في حقوق الإنسان، وأن يكون ذلك شرطاً لانتخابها، وكان الأمر كذلك وحصلت المملكة على مجموع أصوات إيجابي يقارب ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، رغم أن الوقت الذي فصل بين التقدم بالترشيح والانتخابات كان ضيقاً للغاية حيث لم يتجاوز ال 55 يوماً ومع ذلك وبتوفيق الله حصلت المملكة على العدد الكافي من الأصوات التي يضمن لها مقعداً في هذا المجلس لمدة 3 أعوام على خلاف دول أخرى انتخبت لعام واحد فقط.
٭ ما توقعات سموكم لهذا المجلس وما فرص نجاحه في التعاطي مع مسائل حقوق الإنسان؟
- نحن متفائلون بهذا المجلس ولكن هذا التفاؤل يعتمد على توجهات بعض الأطراف فهناك من يرغب في جعله جهازاً عقابياً تتجاوز ولايته حدود التعاون والحوار البناء إلى التدخل المباشر في شؤون الآخرين، وهو ما لا نقبله ولا تقبله معظم الدول، فالهدف الذي سعينا إليه منذ البداية هو إيجاد جهاز دولي ذي صدقية يحترم آراء الاخرين ونظرتهم وتصورهم للإعمال الفعلي والمتدرج لمعايير حقوق الإنسان ويحترم المبادئ والقيم التي تؤمن بها المجتمعات الأخرى، وسبق وأن أكدنا أن حقوق الإنسان هي منظومة متكاملة ومتداخلة، ولا يمكن التعاطي مع عناصرها بشكل انتقائي ومعزول عن الآخر، بمعنى أن تعطى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية نفس الاهتمام الذي يمنح عادة للحقوق المدنية والسياسية بما في ذلك الاعمال الحقيقي الفعلي للحق في التنمية، والمسائل الأخرى التي يتم تجاهلها عمداً مثل المساس بالمعتقدات والتمييز العنصري وخلافه من القضايا التي تهم الدول الإسلامية، ومنها ظاهرة كره الأجانب التي تتفشى بشكل مستمر في بعض المجتمعات دون رادع أخلاقي أو قانوني يحول دونها.
أما عن فرص نجاح المجلس وعدم تكرار تجارب الماضي فهذا يعتمد على ما تبديه الأطراف الأخرى من مرونة ورغبة في التعاون وتجنب الانتقائية وتوخي الموضوعية حين التطرق لمسائل حقوق الإنسان، خلاف ذلك فإنني أشعر انه في غياب مسببات التعاون والحوار والتفاهم، فإن المجلس سيكون بمثابة نسخة مطورة للجنة حقوق الإنسان المنحلة وبالتالي ستظل تعزيز وحماية حقوق الإنسان مرهونة بما تبديه الأطراف الأخرى من تفهم وتعاون.