شيء ما..
عندما تستمع إلى بعض الشعراء والأدباء يتغنون بأوطانهم، تخالُ أنك تشرفُ على ضفاف الجنان، فإن زرت ما تغنوا به، لم تقع على ما وصفوه، فهم وصفوا محبتهم لأوطانهم، ولم يصفوا بلداناً جرداء.
أذكر أني قرأت للأديب الراحل الشيخ علي الطنطاوي كتابه الماتع حلمٌ في نجد، فأشار إلى أنه كان يقرأ وصف شعراء الجاهلية في نجد فظنها ظلالاً وارفة وأنهاراً مترفة، فلما أشرف عليها أول مرة وجدها صحراء جرداء، ولم يكتشف سحرها إلا بعد أن جربها. تذكرتُ الطنطاوي وأنا اقرأ ما كتبه الأستاذ طوني شعشع في بلده زحله. والقصة أني كنت في يناير (كانون الثاني) 2006 في نيويورك، وقد دلني الصديق الأديب السفير الدكتور عبدالرحمن الجديع على المكتبة العربية الوحيدة في نيويورك، المكتبة الداهشية. تقع الداهشية في مبنى «النيوزويك» على مقربة من السنترال بارك، وهناك وجدتُ صحبة طيبة، روابطها الأدب، ووشائجها الخلقُ الرفيع، ورابطة الكتابة والفكر. كان هناك الأستاذ طوني شعشع، ذو العربية الأصيلة، وذو الأبتسامة التي لا تنقطع،ومحمد المصري، وهو كما طوني لبنانيان.
السيد شعشع، ذو قلم جميل، وهو زحلاوي، ترك فؤاده في مسقط رأسه، وظل يتغنى بها، ولا تذكر زحلة، إلا أطرق إطراقة المحبين، وسلهم سلهمة العُشّاق، فإن أتيحت له فرصة نثر كنانة من الكلمات الفارهة عن بلده. وقد قرأ لي كلمة راقية ألقاها في مناسبة دعوة أقيمت لرئيس بلدية زحلة في احتفال أقامه له لبنانيون في نيويورك تحدث فيها عن «الوله الزحلي»، وهو ما اعتبره «ضرباً من الهيام لا يعرفه حق المعرفة إلا من ذاقه». قال طوني: «لئن صح ما يدعيه أهل التصوف من حالات اتحاد أو فناء، فأولى به أن يصدقَ علينا، أنا وزحلة!».
وعندما أراد أن يوجز في بث الوله الزحلي، قال شعشع: «لعل أوجزَ ما يُفصحُ عن الوله الزحلي، الرواية القائلة: إن الزحلي عندما يبلغُ شتورة لا يتحرج من أن يقسم: «وحياة غربتي!» ولا أدري ماذا أقول أنا وقد طوّحت بي الأقدار إلى المقلب الثاني من الأرض! بحسبي أن أردد مع الدكتور جوزيف صايغ في مطولته«زحلة القصيدة»:
وأنا زحلةُ حبي: حيثما
كنتُ كانت، أو تكن كان الوجود
أجل، يا دكتور صايغ! حيثما تشِت بنا الديار، نحمل بين جوانحنا زحلة: نهرها، سماءها، كرومها، صفصافها، ليلها... ومع ذلك، فنحن، في الشتات، ذوو وجودٍ ناقصٍ، مثلومٍ، موهوم! فكأننا ظلالُ الكهف الأفلاطوني، لا تهتدي إليه حقائقها إلا على ضفاف البردوني!».
ألم أقل لكم إنهم يصفون ذكرياتهم وعشقهم لأوطانهم؟!