بحث



الاربعاء 19 ربيع الآخر 1427هـ - 17 مايو 2006م - العدد 13841

عودة الى خزامى الصحارى

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


جمال الاستعارة والتشبيه في الشعر الشعبي والشعر الفصيح (2 - 2)

عبدالله الجعيثن
    والاستعارة كما أسلفنا تشبيه حذفَ أحد طرفيه، وهي تنقسم عند علماء البلاغة إلى قسمين:

٭ تصريحية: وهي التي يصَرَّحُ فيها بلفظ المشبه به كقول الشاعر:

لا تعجبوا من بلى غِلالته

قد زرَّ ازرَارَه على القمر

فقد شبه محبوبه بالقمر ولم يذكر المشبه مباشرة ولا أداة التشبيه، بل استعار القمر وادخله في ثياب حبيبه (غلالته)، وقد زاد الشاعر ابداعاً وبلاغة حين علل - بشكل غير مباشر - ملابس محبوبه البالية بأن القمر تحتها قد أبلاها بنوره..

٭ واستعارة مكنية: أي ممزوجة بالكناية، والكناية هي الرمز باللفظ أو التركيب لمعنى آخر يريد المبدع ترسيخه، لأنه يلزم من تلك الكناية ذلك المعنى المقصود، كقول الخنساء في أخيها صخر:

طويلُ النجاد رفيع العماد

كثير الرماد إذا ماشتا

يلزم من قولها (كثير الرماد إذا ماشتا) الكرم في الزمن الصعب، فهي استعارت (كثرة الرماد) لتكنّي به عن شدة كرم أخيها، وقد صار الكرم لازماً وتابعاً للمعنى في سياقه وكأنه أمر مفروغ منه، فيلزم من كثرة رماده في مظانه (وخاصة في الشتاء المكلف) شدة كرمه..

ومثل قول الشاعر الجاهلي وقد أراد رجل جاهلي اسمه (عبد عمرو) أن ينزع سيفه منه:

ينازعني ردائي عبد عمرو

رويَدكَ يا أخا عمرو بن بكر

لي الشطر الذي ملكتْ يميني

ودوَنكَ فاعتجز منه بشَطْر!

وفي شعره فن.. وجمال.. كنى بردائه عن سيفه.. وكأن الذي ينزع سيفه ينزع رداءه ويجعله عارياً.. ثم قال له: رويدك! لي الشطر الذي ملكت يميني (وهو مقبض السيف) ودونك فاعتجر منه بشطر، وهو الشطر الحاد القاتل من السيف، يكني بأنه سوف يضربه بسيفه على هامته حتى يعممه بالدم..

على أي حال تقسيمات علماء البلاغة القدماء كثيرة في التشبيه والاستعارة، على شكل تفريعات وتقسيمات عقلية (اخترعها السكاكي وهو أعجمي أصلاً) وإنما يهمنا جمال التشبيه والاستعارة (وهما يجربان في واد واحد).. ولهذا فسوف نعبر عن الأمرين بالتشبيه..

٭ ٭ ٭

يقول الشاعر الشعبي المبدع محسن الهزاني في وصف السحاب والمطر:

خلاف الجفى والهجر واليأس والرجاء

بالاقدار يسقى دار ودي المجامعْ

سبعة أيام على يومْ ثامن

بنجم الثريا ثم بالصرف تابعْ

بنوّ عريض حالك اللونْ مظْلَمْ

منه الفرج يَرْجى إلى شيف طالعْ

لَكَنْ ربابه حينما ينشر السدى

جنح الدجى ريلانْ صمّ المسامعْ

نهارهْ كما ليل بهيم وليلْه

نهار من ايضاح البروق اللوامع

إلى ما غَشَا وقت العَشا بعدما نشى

حباله من المشرق نسيمْ الذعاذع

حاذا إلى هذا، وهذا رفى لذا

وهذا لهذا بالموازين تابعْ

وزلزلْ وعزَّلْ به رباب ونزَّلْ

بسجر وزَجْر مثل ضربْ المدافعْ

وخيَّم كما الحْندَسْ وغيَّمْ وديَّمْ

وغطّى ما وَطَا منه الوطا والمرافعْ

وثوَّرْ غبار الأرض منْ ضرب ودْقَهْ

وضَجَّنْ منه الجازيات الرواتعْ

بسيح وتسْكاب إلى حيث ما يجي

له الحول والما في خباريه ناقعْ

هذا شعر مَنّان فيه جمال أخاذ لايتذوقه إلا من يفهم معناه ويتصور مداه؛ انه يدعو لديرته (وادي المجامع = الحريق) بغيث قوي يسبقه نو عريض (سحاب) حالك اللون مظلم، (لكن ربابه حينما نيثر السدى - جنح الدجى ريلان صمّ المسامع) كأن ربابه (أي سحابه المُثْقل بالمطر) حينما ينشر السدى (يطرد سراب السحاب المعترض في السماء، كأنه أسراب نعام، ثم يصف الكون مع هذا السحاب الأسود الكثيف بأن النهار كالليل لاحتجاب الشمس تماماً، والليل كالنهار لشدة البرق، ويشبه الرعد في قلب السحاب بضرب المدافع، حتى يغطي هذا السيل المنهمر طامن الأرض ومرتفعها، وتضج منه الظباء لأنه يصلها في أعالي جبالها، ويستمر يسح ويسكب بعنف حتى انه بعد أن يتوقف يترك الأرض ناقعة بالماء بعد سنة كاملة!

٭ ٭ ٭

إن التشبيه - بكل فروعه - يشبه المكَبّر (الدربيل) في يد المبدع، يقرَّب بعيدَ الشعور، ويكبِّر الصورة وقد يركز المنظر على زاوية جميلة فيزيدها جمالاً، وقد يكسو الصور بالألوان كقول ابن الرومي يصف قوس قزْح:

وقد نشرتْ أيدي الجنوب مطارفاً

على الجوِّدُ كْنا والحواشي على الأرض

يُطَرزها قوسُ انسحاب بأخضر

على أحمر في أصفر إثْر مُبيض

كأذيال خود أقبلت في غلائل

مُصَبغة والبعض أقصر من بعض!

يشبه قوس قزح بفستان سهرة على حسناء قد جمع عدداً من الألوان المتدرجة والقصات المتحوجة بعضها أقصر من بعض لكي تتمازج الألوان!

ويقول أبو تمام في وصف الربيع:

يا صاحبيَّ تقصيَّا نظريكما

تَرَيَا وجوه الأرض كيف تَصَوَّرُ

تريا نهاراً مشْمساً قد شَابه

زهْرُ الرُّبا فكأنما هو مقْمر

٭ ٭ ٭

إن التشبيه هو ذراع المبدع اليمنى، يقرب له المعاني، وينمِّق له الصور، ويجلو به مكنون مشاعره، ويخرجها إلى الوجود بايجاز وتركيز، مثل قول راكان بن حثلين بعد أن أهدى لشيخ قبيلة هدايا قيمة ابتغاء المودة فهدده هذا الشيخ.. قال:

غَدَيتْ أنا واياكْ مثل النعامه

جاها بلاها من ثقيلات الأقدام!

غديت: صرت، يُشبه الرجل بالنعامة منعها من الطيران طول قدميها الذي تفتخر به وهو مشكلتها..

ويقول المتنبي في وقيعة سيف الدولة ببني كلاب:

فمسَّاهُمْ وبسطُهمُ حريرٌ

وصبّحُهمْ وبُسْطُهم تُراب

ومَنْ في كفِّه منهم قناةُ

كمن في كفِّه منهم خصاب!

فانظر قدرة التشبيه البليغ على ايصال المعنى بايجاز ونحت الصورة بدقة وشمول.. فقد بدلهم ببساط الحرير (العز والمنعة) بساط التراب (الذل والمسكنة) حتى تساوى رجالهم بنسائهم!

ويقول أبوزويد:

لعلّ رجل شوفتْه قد حالهْ

تعطى سريع زوجته فيه الأبدالْ

فالحمَّرة تدرك معوشة عيالهْ

لا عاد ما يبْغى منه بعض الأحوال

يدعو على الرجل الذي يقصر ماله على عياله بأن يموت ويبدل الله زوجته خيراً منه، فما يُطْلب من الرجل فوق ذلك، وهو الكرم والنخوة لأن (الحمّره) وهي طائر صغير ضعيف تعول عيالها.. لا فخر في ذلك!

ويقول أبوتمام:

لما انتفيتك للخطوب كفيتها

والسيف لا يكفيك حتى ينتَضَى

ويقول بركات الشريف:

إذا نبحتنا من قريب كلابه

ودبّت من البغصا علينا عقاربهْ

نحيناه بأطراف المنايا ويممَّتْ

بنا صوب حزم صارخات ثعالبهْ

بيوم من الجوزاء يستوقد الحصا

تلوذ بأعضاد المطايا جخادبه

والعرب تقول «إن لكل قوم كلباً فلا تكنْ كلب أصحابك» وقريب بركات الشريف هذا يبدو انه سلط عليه أحد رجاله يسبه ويؤذيه، فشبهه بالكلب..

وأنظر البيت الأخير وما فيه من وصف بليغ لحرارة ذلك اليوم الذي سيغزو فيه حيث يتوقَّد الحصا من وهج الحرارة وتلوذ صغار الجراد (الجخادب) بأعضاد المنايا طلباً للظل من لهب الشمس!.

٭ ٭ ٭

والتشبيه هو بساط الريح لخيال الشاعر والفنان يجمع البعيد إلى القريب ويبتكر، قال ابن المعتز يصف الرعد:

وكأن الرَّعْدَ فحْل لقاح

كلما يعجبه البرقُ صاحا

ويقول حميدان الشويعر:

والذي يرتجي الفضل عند اللئام

مثل مستفزع صاحْ في مقْبَره

ويقول:

ترى بالعذراى سواة المهارى

جَنَان تجارى على الشوقْ دايم

وفيهن ملايح وفيهن قبايح

نَسَمْهَنْ بوجهك يشادي السمايم

وأنا حرتْ يا أبوك بين العذارى

وغديتْ بينهن مثل بايع وسايمْ

هذي ما تبيني وذي ما أبيها

وذي ما تَوَافَق وذي ما تلايم

٭ ٭ ٭

والتشبيه واسع الآفاق باتساع خيال الشاعر والفنان، قادر على الحركة والتركيب حتى كأنه (كاميرا فيديو) عدستها الخيال، وهي بجمالها أرقى من المنظر الواقعي وأبعد مدى، فقد حملها الفن بجناحيه..

قال عدي بن الرقاع يصف حمارين وحشيين يركضان قرب بعض:

يتعاونان من الغبار مُلاَءةً

بيضاء مُحْكَمةً هما نَسَجَاها

تطٌوى إذا ما وَرَدا مكاناً محْزناً

وإذا السنابك أسهلتْ نَشَراها

فهما يتعاونان - مُسْرعَين - على رفع رداء أبيض من الغبار فوقهما قد نسجاه، فإذا وصلا أرضاً صلبة طويا ذلك الرداء، وإذا اسهلا نشراه..

ويقول ابن الرومي يصف رجلاً أحدب:

قصُرتْ أخادعه وغار قذَاله

فكأنه متربِّصٌ أنْ يُصْفعا

وكأنما صُنعَتْ قَفَاه مرَّةً

وأحسَّ ثانية لها فتجمعا

ما أشبهه بالمثقف العربي!


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى خزامى الصحارى

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية