٭٭ «ان مهمة الكاتب لا تتغير.. هو نفسه قد يتغير لكن مهمته تبقى كما هي.. وواجبه الاول ان يكون مخلصاً لنفسه ولقرائه «بالضرورة» لذا يجب ان يحسن اختيار موضوعه ويعرضه بطريقة تجعله يصبح محط اهتمام القارئ «....» واذا كان الكاتب عظيماً يجب ان لا تعتبر نقد كتاباته هجوماً ذاتياً موجهاً ضده». هذا الكلام لهمنجواي.. من لقاء في اتحاد الكتاب الأمير كان عام ,1936. وهو بمفهوم ثقافي يلخص رؤيته الفنية والجمالية ببساطة شديدة كفيلة بالوصول لمن يسمع ويقرأ - ومثلما - ينقل عن لسانه - سواءً بفهم او لمجرد التشدق بمقولات الآخرين. اما المفهوم الاعمق والاصدق فقد عبر عنه همنجواي في رسالة كتبها عام 1949 لتشار لزسكرنبر ناشر كتبه النيويوركي.. حيث شرح له روايته الفنية والابداعية بطريقة لا اظن ان احداً قادراً على فهمها واخذها بكثير من الجدية اكثر من ذلك الناشر.. فمن المعروف ان همنجواي كان ملاكماً محترفاً لذلك اختار اسلوب الملاكمة للحديث عن الكتابة من واقع فهم الناشر تجارياً ومادياً لقيمة الكاتب والكتاب.. فأي ناشر لابد ان تعتبر الكاتب الذي يتعامل معه سلعة تسوقية.. فالكاتب لدى الناشر هو حجم مبيعاته وليس تلك القيمة المعنوية التي يعتد بها في الوسط الثقافي.
يقول همنجواي لناشر كتبه: «انا رجل بلا اطماع سوى ان اكون بطلاً للعالم.. وليس في نيتي ان آلاكم تولستوي عشرين جولة.. لأنني اعلم انه سيقضى علي فإن نفسه طويل جداً.. وهو يستطيع ان يلاكم الى الابد من هم اقوى مني.. لكنني قبل ملاكمته ست جولات لن يستطيع ان ينالني.. وسالقيه على الأرض وربما قضيت عليه، فإن من السهل توجيه الضربات له.. لكن يا آلهي كيف يضرب هو الآخر؟!.. ربما لو عشت حتى الستين استطعت ملاكمته عشرين جولة.. ربما.. ولمعلوماتك فإنني بدأت بمحاولة على كتاب ماتوا.. وانا اعلم كم كانوا عظاماً.
لقد حاولت اولاً مع ترجنيف، ولم يكن هذا صعباً.
وحاولت مع موباسان.. ولم اسلم له.. فقد تغلبت عليه بعد أربع قصص قصيرة.. لقد هزمته ولو كان لا يزال معنا لسلم لي بهزيمته.
ثم حاولت مع آخر لن اصرح باسمه وقد تعادلنا.
اما هنري جيمس فإنني سأزيحه عن طريقي بأبهامي واطلب من الحكم ان يوقف المباراة.
بالطبع هناك اشخاص لا يمكنني هزيمتهم.
ان شكسبير هو البطل.. لكن سيسرني في اي وقت ان اتدرب عشرين جولة مع سرفانتس.. وسأقضي عليه مع ان سرفانتس سريع التعلم وربما تغلب عليك عند اعادة المباراة.
ان بعض المعتوهين في بلادنا يظنون انهم يستطيعون ان يبدأوا بتولستوى بل ويعلنون انهم هزموه قبل ان تبدأ المباراة.. ورغم انني افضل منهم جميعاً.. الا انني لن اقترب من تولستوى الا اذا عجزت عن كسب عيشي عن طريق آخر. في كتابي القادم آمل ان انازل هيرمان ميلغل، ودستويفسكي وسأنجح في القاء الوحل على وجوههم.. لان مباراتي معهما ستكون جداً بطيئة».
٭٭ ربما اراد همنجواي ان يعقد مقارنة بين انجازه للرواية «الشيخ والبحر» مقارنة ب «موي ديك» لميلغل.. فقد احتفل بانجازه على طريقته الخاصة في مباراة اعتبرها ضمن رياضته المفضلة الملاكمة.. وربما لم تكن جائزته هي القاء الوحل في وجه الآخر بقدر ما كانت العمل الذي اهله لجائزة نوبل.. والذي يعتبره كثير من مبدعي العالم من الاعمال التي يجب اعادة قراءتها مرة كل عام او عامين على اكثر تقدير.. اما دستويفسكي.. فلا ادري ما هو العمل الذي اعده حافزاً له على منازلته والتأكد من قدرته على التغلب عليه بالطريقة التي اشار اليها.. غير ان اشارته الى بطئ المباراة هو رهان على الزمن وليس لنوع من اللياقة البدنية كما قد يبدوا لاول وهلة.
٭٭ بين المقولة التي بدأت بها اطروحة همنجواي.. وبين رغبته في خوض مباريات اوجولات تدريب او حتى حذره وامتناعه.. اشارات هامة لمصدر قوة البدع والابداع المتجر.. وان اختار المعادل البدني له.. فقد اختار نوعاً من انواع العنف القاسي الذي خبره وادرك جيداً انه لا يمكن الاستهانة به.. ففي هذا النوع من المقارعات الافتراضية.. لا يجب التشدق مطلقاً.. لا في منتديات اول الليل ولا حتى في سهرات آخره.. هذا ما لزم ودمتم.