د. عبدالله ابراهيم
بوصفي قارئاً مداوما لكتب أركون منذ عشرين سنة، تتراءى لي صلة في المعنى بين الاسم (أركون) والكلمة الاغريقية (أرخون) فاللفظ الأخير يحيل على العقل، والحكمة، والدراية، والتبصر، وقد لفتت هذه الصلة الرمزية بعض الباحثين. ولا أجد نظيراً لأركون في اعتماد العقلانية في فكرنا الحديث، فهو المدشن للمنهجية العقلية - النقدية - منذ أن أعد أطروحته للدكتوراه في منتصف ستينات القرن الماضي عن «الأنسية العربية» إذا سعى لتعويم البعد الإنساني للحضارة العربية، وربطها بالعلم والمعرفة، حينما كانت الهوية الإسلامية هوية ثقافة لاطقوس.
وطوال أربعة عقود وأركون يقلب وجوه الصلة بين الأديان السماوية الكبرى ومنها الإسلام للوصول إلى المشترك الاعلى فيها، وهوالديانة الإبراهيمية، فالمرجعية الإبراهيمية تمثل رأس المال الرمزي للعقائد السماوية، وهي اللحظة الكبرى التي انبثقت عنها التأملات الدينية اللاحقة. وفي كل هذا يريد أن يزحزح سوء التفاهم بين الأديان، ويوقف تأثير الصور المتخاطئة التي تشكلها كل عقيدة عن غيرها، وهذه الخلفية هي التي تنظم مفهومه لحدود حرية التعبير، لكن أهمية أركون بوصفه مفكراً تمكن أيضاً في أمور اخرى كثيرة، منها أنه أبطل مفعول الاستشراق التقليدي في دراسته للإسلام، وأقترح منهج (الإسلاميات التطبيقية) وأجهز على الفكر المدرسي الضيق، وأفاد من منهج الأفكار الحديث إذ حلل الظاهرة الدينية عبر مستويات كثيرة، ونقد التعصب والانغلاق، وفكك الجمود العقائدي، وأطلق مفاهيم مهمة مثل (اللامفكر فيه) و (المسكوت عنه) وبحثها بالتفصيل في الفكر الإسلامي، وبالإجمال فهو أبرز المستفيدين من كشوفات الانثربولوجيا، واللسانيات، والسوسيولوجيا في مجال الدراسات الثقافية، ولمن يجهل كل ذلك فأركون بمنهجه الفكري العميق، وحيوية أفكاره، هو أول من قدم نقدا للتفكير الخرافي المعارض للمعرفة، وبدد هيمنة الأسطورة في العقل العربي - الإسلامي، وقد دفع ثمنا كبيرا جراء سوء الفهم الذي تعرضت له أفكاره لأنه حفر في المنطقة المجهولة، وذهب إلى الأصول، وهو يمثل الآن حقبة التفكير النقدي في الثقافة الإسلامية.
مايلفت الاهتمام في التجربة الفكرية - النقدية لأركون تأكيده ان الحداثة تجربة غربية ظهرت في سياق الثقافة الغربية في العصر الحديث، ومع أنه قدم نقدا جذريا لهذه الحداثة التي لم تنجز كثيرا من وعودها، فإنه دعا بقوة للإفادة منها، وبخاصة في الطريقة التي مارس فيها العقل نقده للظواهر الإجتماعية والدينية. وربما يكون هذا الموقف النقدي هو الذي قاد أركون إلى دراسة التجربة الثقافية الإسلامية حيث وقع صراع بين اللاهوتي والعقلي، وهو صراع استغرق قرونا من السجال والجدل، وقد انتصر للعقلانية، وربطها بالفكر الإنساني الذي بلغ أعلى ذرى تجلياته في القرن الرابع الهجري.
من المعلوم أن أركون فرَّق الظاهرة القرآنية والظاهرة الإسلامية، فالظاهرة الأولى هي القرآن و الحاشية النبوية عليه، أما الثانية فهي التراث السجالي من تفاسير وشروحات ولاهوت ومذاهب، وهو موروث ضخم جدا تراكم حول الكلام الإلهي المقدس، وإذا كنا في عصرنا ملزمين بالظاهرة القرآنية، أي آخذين بالقرآن والحديث الصحيح، فقد أصبحنا، فيما ينتهي اركون إليه، أقل حاجه للالتزام الكامل بالظاهرة الثانية، أي بالشروحات القديمة التي انتجتها العصور الماضية، وخلّفها رجال مضوا، وان الأوان لتجديد تصورنا للإسلام بالإفادة من علوم ومناهج عصرنا.
وهذه الفكرة هي التي تشكل ركيزة مفهومه للعلمانية، فالعلمانية لاتهدف إلى تهديد الدين، واستبعاده، ومحوه، إنما، على العكس من ذلك، تسعى للحفاظ عليه كقوة روحية عليا وسامية موجهة للأخلاق العامة، وفي هذا يبدد الغيوم الداكنة التي تحيط بالعلمانية في ثقافتنا الحديثة. ثم أن تبحُّر أركون الواسع في الثقافة العربية الإسلامية أفضى به إلى تركيز الاهتمام على العروبة الثقافية وليس العروبة العرقية، فاللغة العربية طوال قرون وقرون كانت وسيلة التعبير الاساسية للافكار والعلوم، فقد كان يفكر بها ويكتب عدد كبير من الأقوام غير العربية، ولهذا تركت بصمات لاتمحي في سائر ثقافات البحر المتوسط وفي آسيا وإفريقيا، فهي الغطاء الثقافي لكثير من الشعوب والأقوام، والهوية الدالة عليها.
في كلمته الوافية التي القاها إثر نيله جائزة ابن رشد للفكر الحر عام 2003 قدم أركون مجملا لأفكاره، فقد رسم الاطار العام لها، وذكر معظم محطات حياته الفكرية، ثم توقف على ظاهرة العنف التي تعد أبرز ملامح زمننا، فقال (كان العنف ظاهرة طارئة علينا، كأنها لم توجد في جميع المجتمعات منذ بدء الخليقة، فالعنف بُعدٌ مكوِّن للحياة البشرية، بُعدٌ عريق بيولوجياً في جسدنا، ونظامنا العصبي، وهو المغذي الفكري لأبنائنا الصغار في المدارس، فلايمكنهم الرد على معلمهم، وليس بمقدورهم التصريح انه يعلمهم الجهل، والمعلم مافتئ يقمع التلميذ، ويعلمه الجهل. ولاسبيل إلا أن نربي الأجيال الطالعة على تعرف علمي على ظاهرة العنف، فالعنف اصبح قيمة سياسية لامهرب منها. فالثورات التي عرفناها إثر الحرب العالمية الثانية في سائر انحاء العالم، بما فيها الثورات والحروب التحريرية قامت كلها على مفهوم العنف، وعلى هذا اصبح العنف ينتج الأبطال، ويخلق الزعماء الذين يتولون قيادة الشعوب. والمجتمعات تعرف ان هذا العنف يتغير من كونه قيمة سياسية يفرضها التاريخ إلى قيمة أخلاقية، وإلى قيمة وطنية يأخذ بها الجميع، وتحتفل بها الشعوب) وهذا التحليل لظاهرة العنف يكشف طبيعة القوة المحركة لما يوصف بأنه (صدام الحضارات) وهو في حقيقة الأمر صراع عنيف (بين منظومات من الجهل المؤسس) فالحضارات والثقافات لاتتصادم فيما بينها، إنما مؤسسات الجهل، والغلو، والتعصب، والكراهية، هي التي تقوم بذلك.
abdullah-ibrahem.com