بحث



الخميس 13 ربيع الآخر 1427هـ - 11 مايو 2006م - العدد 13835

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


الروائية سمر يزبك لـ «ثقافة اليوم»:
الرواية هي من أكثر الفنون استيعاباً لصخب الواقع

الروائية سمر يزبك
الروائية سمر يزبك

من - إبراهيم حاج عبدي:
    خلال فترة قصيرة، نسبيا، استطاعت الروائية السورية الشابة سمر يزبك أن تعثر لنفسها على مكانة متقدمة ضمن المشهد الروائي السوري، وأن تلفت الانتباه إلى موهبة تجتهد في نحت المفردة الجارحة الصريحة، وتطمح إلى رسم تفاصيل الحياة، بكل عيوبها وأمراضها وخيباتها، وكذلك بكل أحلامها ودفئها ونضارتها.. مستعينة بحس روائي رفيع يمنح نصوصها شكلا محببا، هادئا ولطيفا.

ولعل مرد هذا التميز هو أن يزبك لم تتخذ من الكتابة طريقا إلى الشهرة، ولم تمارسها كنوع من تزجية الوقت، أو التغلب على الملل، بل هي تكتب لأنها، ببساطة، ترى «الحياة في الكتابة»، ولو استطاعت - كما تقول - أن تمارس حياتها، بصورة طبيعية، دون كتابة، لما كتبت. إن فعل الكتابة لديها يأتي كاستجابة لنداء سري وغامض يحث أناملها على محاورة البياض، وهي لا تملك إزاء هذا النداء سوى الانقياد وراء «فضيلة القص المباركة»، بتعبير غابريل غارسيا ماركيز.

ولدت في مدينة جبلة الساحلية السورية مطلع السبعينات. أصدرت مجموعتين قصصيتين هما: «باقة خريف»، و«مفردات امرأة»، لكنها سرعان ما اكتشفت أن فن القصة القصيرة أضيق من أن يتسع لرحابة همومها وهواجسها، وآمالها، فاتجهت إلى الرواية، لتصدر باكورة أعمالها الروائية «طفلة السماء» التي استعادت فيها زمنا جميلا انقضى بهمومه وأحلامه، عبر لغة وجدانية مؤثرة أذنت بحضور صوت روائي جديد يعد بالمزيد. هذا الوعد تمثل في روايتها الثانية «صلصال» الذي صدر، مؤخرا، عن دار الكنوز الأدبية ببيروت، وعن دار شرقيات بالقاهرة، وفيها تهجر الكاتبة تلك النبرة الذاتية، لتفتح أبواب السرد على واقع يمور ب «الصخب والعنف»، وتلتقط تفاصيل المشهد السياسي والاجتماعي السوري المعاصر، دون وجل، وبلا مواربة، في محاولة لتوثيق تاريخ يجهله الكثير من أبناء جيلها.

إلى ذلك تكتب يزبك السيناريو التلفزيوني، ومن أعمالها في هذا المجال، مسلسل درامي بعنوان «امرأة في الظل» يتحدث عن قانون الأحوال الشخصية في سورية وحق المرأة في حضانة الطفل، وفيلم تلفزيوني بعنوان «سماء واطئة» الذي نالت عنه الجائزة الأولى من الأمم المتحدة كأفضل سيناريو أدبي يتعرض لمشكلة زواج المرأة المبكر في المجتمع العربي، وفيلم تلفزيوني، آخر، بعنوان «صباح الخير ليلى» يتحدث عن التسريح التعسفي الذي تتعرض له المرأة السورية في المؤسسات الخاصة، وأنجزت، أخيرا، سيناريو الفيلم الوثائقي «الأستاذ» الذي يتناول سيرة المفكر السوري الراحل انطون مقدسي.

وهي، خلال ذلك، لم تنقطع عن الكتابة للصحافة، فهي تنشر مقالات في عدة صحف ومجلات محلية وعربية، وكذلك في بعض مواقع الإنترنت، وتقدم حاليا برنامجا ثقافيا أسبوعيا بعنوان «حكاية مكتبة» يبث على الفضائية السورية. «الرياض» آثرت أن تقترب من عالمها الروائي، وأن تسلط الضوء على جانب من تجربتها، وان تطرح بعض القضايا المتعلقة بالفن الروائي، وهي رحبت بمندوب الصحيفة، وراحت تصوغ أجوبة، متماسكة وعفوية ومقتضبة، أغنت الحوار. فيما يلي نصه:

٭ من يقرأ روايتيك، الأولى «طفلة السماء»، والثانية «صلصال» يكتشف أن ثمة انتقالا من الذاتي الوجداني في الأولى، إلى فضاء موضوعي يهتم بالقضايا السياسية والاجتماعية الكبيرة في الثانية. كيف تحقق هذا الانتقال؟

- أعتقد أن هذا الانتقال، الذي تشير إليه، يكمن في أنني أمارس، دوما، نوعا من النقد الذاتي على نفسي أثناء الكتابة، واعتقد بأن هذا النقد المستمر يمنح تجربتي، الحرفية والمهنية، بشكل تدريجي، وهذه الحرفية تخولني الإمساك بأدوات الفن الروائي، بشكل أوسع وأكثر حرصا. ومن هنا، وكما لاحظت، بدا المشهد الروائي في عملي الثاني أكثر غنى ورحابة بحيث استطعت الخروج من شرنقة الذات الضيقة، والدخول إلى عالم روائي أوسع بغرض ملامسة القضايا العامة، ومراقبة التفاصيل برؤية أكثر شمولية.

يجب على الروائي أن يعمل لامتلاك أدواته الفنية، المعرفية والثقافية، التي تتيح له تكوين مشهد روائي متكامل خارج ذاته، ولا يعني ذلك أن تغيب الذات، فهذه لا يمكن تغييبها بأي حال. ما أقصده هو أن يكون مدى الرؤية أكثر اتساعا.

٭ هل تعتقدين أن الرواية تصلح لأن تستوعب هموم الحياة ومشاغلها وقضاياها، دون أن يؤثر ذلك على بنيتها الفنية والجمالية؟

- للرواية مدى لا نهائي، وقدرة لا محدودة على استيعاب هذا الحراك الثقافي والسياسي والاجتماعي، وفي اعتقادي ان الرواية هي من أكثر الفنون استيعابا لصخب الواقع، وصراعاته، وهي ملعب فسيح وشاسع للخلق والمجاز، وإعادة تكوين الحياة بلغة أكثر جمالا.

وكون الرواية قادرة على استيعاب ذلك، فهذا لا يعني بالضرورة أن تتحول إلى مانشيت سياسي دعائي صارخ. الرواية، بوصفها فنا، تستطيع أن تحقق هذا الاستيعاب، وتلك الإحاطة عبر مقاربات ومكاشفات جمالية متخيلة ومفترضة، وهي بذلك تستطيع أن تسهم في دفع الواقع نحو رؤى اكثر تطورا، وأقدر على المساس بالمشكلات التي يعاني منها المجتمع نفسه. الرواية، من زاوية أخرى، معنية بخلق متعة لدى القارئ، ودغدغة ما هو مكنون ومكبوت في داخله من حرية وجمال، وأحلام قد لا يحققها له واقعه اليومي المعاش.

٭ لكنك لم توظفي ذلك في رواية «صلصال» بمعنى لم تقدمي حلولاً مرجوة للقضايا الشائكة، الجريئة التي طرحتها في الرواية؟

- لست مطالبة من خلال نصي، والذي أنا سيدته المطلقة، بتقديم أي حلول بديلة للواقع المتخلف الذي نعيشه. أرفض أن يكون النص الأدبي بديلا أو وصفة طبية لمرض ما. أنا العب، أولا وأخيرا، ضمن فضاء هذا النص كما يحلو لي استنادا إلى مرجعيتي، وتكويني الفكري والثقافي والإنساني. ومع ذلك اعتقد أن «صلصال»، وهذا أمر متروك للقارئ الحكم عليه، قد قدمت كشفا بسيطا لما نخشى عادة الجهر به، أو الحديث عنه، ولا أخفي أن مثل هذا الكشف يشكل هاجسا لدي في أي نص أزمع كتابته.

٭ من جهة تقولين أن النص الأدبي معني باستيعاب الحراك الفكري والسياسي والاجتماعي، ومن جهة ثانية تطالبين بألا يتحول هذا النص إلى مانشيت سياسي. ألا ترين في ذلك تناقضا؟

- لا. ليس تناقضا. أن أعني، من خلال ما اكتبه، بالواقع شيء، وكيف أصوغه وأقدمه للقارئ شيء آخر مختلف. على الرواية أن تقدم مادة جدية لها علاقة بالواقع، ولكن بلغة فنية ممتعة تعنى بجاذبية الحكاية بعيدا عن المباشرة والفجاجة والأيديولوجيا. أرفض، في الرواية، تقديم أفكار خطابية مباشرة تبعد القارئ عن متعة النص، وبنفس الوقت لا أريد تقديم لغة فضفاضة خالية من الأفكار العميقة. الاهتمام بهذه الأفكار، والاعتناء بتلك اللغة يشكلان الأساس لنجاح أي عمل روائي، ويمكن اختصار ذلك بضرورة إيجاد التناغم بين الشكل والمضمون.

٭ هل تعتقدين ان الرواية هي وثيقة تاريخية، أم هي فن جمالي متخيل؟ ومشروعية هذا السؤال تنبع من أن البعض خلط بين الرواية كوثيقة، وبين الرواية كفن بحت، وسارع إلى اتهام بعض الروائيين ومحاسبتهم على ما جاء في نصوصهم الروائية؟

- اعتقد أن ما علينا فعله لدى الشروع في قراءة أي نص روائي هو قراءته ببياض خالص، بعد ذلك نلحظ ان النص هو الذي يلوننا شيئا فشيئا. أي قارئ لديه مرجعية معينة، ولكن النص الجيد يملك سطوة بحيث يفعل فعله السحري لدى المتلقي. وهو أمر أراهن عليه دائما إذ أرى بأن الأدب هو السحر بذاته. ولكن من زاوية أخرى، فإن الرواية هي شكل من أشكال «التوثيق الأدبي» - إذا جاز التعبير - للمراحل التاريخية التي تتناولها، فنحن لا نستطيع إنكار أن روايات كتّاب كبار مثل أميل زولا، وبلزاك، وديستوفسكي، وتولستوي.. وسواهم ساعدتنا كثيرا على فهم المراحل التاريخية التي عاشوا فيها، وكتبوا عنها. لعل أهم ما في الأمر هو ألا يفقد الأدب، من خلال توثيقه لهذا التاريخ، فضيلته الكبرى المتمثلة في متعة الحكاية، ولا حاجة بي إلى القول بأن محاسبة الروائي على ما يكتب لهي نوع من السذاجة، والجهل، علينا أن نتجاوزها.

٭ الشاعر الألماني ريلكه يقول «إذا كنت تعتقد بأنك قادر على العيش دون كتابة، فلا تكتب!»، على ضوء هذه المقولة كيف تنظر سمر يزبك إلى فعل الكتابة؟

- أعتقد، بل أجزم، أن الكاتب الذي يستطيع أن يعيش دون كتابة، ويمارس حياته وكأن شيئا لم يكن، هو ليس بكاتب حقيقي. أوافق ريلكه على ما يقول، فالكتابة، لمن يمتهنها، تتحول إلى جزء من الحياة، إنْ لم أبالغ وأقول بأنها كل الحياة. ورغم كونها كذلك إلا أن الكاتب في مجتمعاتنا يضطر لأن يمارس أعمالا أخرى كثيرة من اجل لقمة العيش، وكان المفروض أن يستغل هذا الوقت، الذي يسرقه منه العمل، في الكتابة.

٭ هل أفادتك كتابة السيناريو، بما تنطوي عليه هذه الكتابة من الاهتمام بالمشهد البصري، في كتابة الرواية؟

- أحاول، بالطبع، الاستفادة من هذه المشهدية البصرية التي تتطلبها كتابة السيناريو، وهذه المشهدية هي ضرورية، في اعتقادي، للرواية، من الناحية الفنية. كتابة السيناريو أفادتني وجعلتني اكثر حرصا، واهتماما بالمنحى البصري، والروائي يحتاج لهذه العين التي تختزن الثقافة البصرية.

٭ تتوزع اهتماماتك بين الرواية، وكتابة السيناريو، والعمل الصحافي، وتقديم برامج تلفزيونية.. كيف تضبطين إيقاع حياتك بحيث توفقين بين هذه الاهتمامات؟

- لا أملك لحظة فراغ واحدة. نهاري ممتلئ، دائما، بقليل من التنظيم، رغم أنني لست منتظمة دائما، فأنا أمارس، أحيانا، نوعا من الفوضى، لكنني امنح الوقت الكبير للكتابة الروائية، وللكتابة الصحافية بدرجة ثانية. لا أبالغ إذا قلت ان حياتي الاجتماعية ملغاة، لكن هذا لا يعني بأنني أعاني من هذا الأمر، فأوقاتي مليئة بالعمل، وهذا يمنح إحساسا بالمتعة. ورغم أن العمل ضروري لاستمرار الحياة، لكن لو خيرت بين عملي التلفزيوني، أو الصحافي، أو كتابة السيناريو، وبين الكتابة الروائية لاخترت، حتما، الكتابة الروائية. الرواية هي مشروعي الأول والأخير، وأنا أرى ان الأعمال الأخرى التي أقوم بها تخدم تجربتي الروائية، أو على الأقل أنا أسعى لأن أوظفها في هذا الاتجاه. لست متمسكة بأي عمل باستثناء الرواية، فالأعمال الأخرى هي جزء من مشروع إعلامي وثقافي، والإحساس بالانتماء إلى مهنة تؤمن لي دخلا مناسبا، وهذه هي طبيعة الحياة.

٭ ما رأيك في النقد الأدبي الذي يدرج كتابة المرأة تحت بند المصطلح الكلاسيكي المسمى «الأدب النسائي»؟

- لا أوافق على هذا التصنيف أو التقسيم، وأرى أن المرأة قد تكتب نصوصا متميزة عن الرجل أو يكتب الرجل نصوصا هامة عن المرأة. لا أريد، الآن، الخوض في تفاصيل نشوء هذا المصطلح، ولكن أقول باختصار: إن تصنيف الأدب على هذا الأساس الجنساني هو ضيق أفق، بل هو توصيف يسيء إلى النص الأدبي ذاته، ويفقده شروطه ورونقه. طبعا هذا لا ينفي أن هناك الكثير من النصوص النسوية التي تشترك في صفات جامعة، والتي تعبر عن هواجس وهموم وقضايا المرأة في واقعنا، خاصة، وأنها دخلت مجال الكتابة منذ عهد قريب، نسبيا. لكن على النقد الأدبي أن يقرأ النص، أولا وأخيرا، ويحكم على النص من داخل النص، وألا يعير اهتماما لجنس كاتبه. ينبغي أن يكون المعيار، الأساس والوحيد، هو الإبداع فحسب.


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية