أ.د. محمد بن مريسي الحارثي
الثقافة ما يتقوّم به الفرد، والجماعة من مناشط الحياة القولية والعملية. ويغلب الكلام صفة للثقافة على الفعل عند الحديث عن الثقافة، نظراً لأهمية الثقافة المعرفية، وقدرتها على طبع الأفعال طبعاً معيناً، وتوجيه السلوك الذي يعد محصلة طبيعية للثقافة، حين يتحول الكلام، والفعل إلى سلوك مركوز في طبائع الناس.
لذلك تجد كل أمة، وكل قومية ينتمون إلى تصوراتهم، وخبراتهم الثقافية التي شكلت قيمهم، وهوياتهم، أو شكلوا منها تلك القيم الحضارية. فثقافة الأمة أوسع من ثقافة الشعب والشعب أوسع من القبيلة، والشعوب، والقبائل هم أصول الأمة. ومن هنا قد يكون للأمة الواحدة غير لسان واحد. وذلك كله مطبوع بطابع التصور الأساس عقيدة سماوية، أو أيديولوجيا مصنوعة.
ويفترض في الأمة الإسلامية أن تستمد أصول خبرتها الثقافية في أبعادها المعرفية، والفعلية من منظور الإسلام، مضيفة إليه خبراتها القومية، والوطنية والإنسانية لتتسع الرؤية الثقافية في الأصول وفي الفروع.
أما الخوف فهو إحساس يداخل النفس عند الإنسان وعند غيره من خلق الله ممّن أودع الله فيه شعور الأمن والخوف ومنحه فسحة في إدراك تعاقب هذا، وذلك، كالهوام والحيوان، وغيرها.
والخوف مستويات. في ذروتها الفتنة، والقتل والفزع، ومن الخوف الخشية. فإذا ما تعلق الخوف بالمخلوق مصدراً له كان الاحتشاد ضده في أغلب الحالات، مما يدفع إلى الابتعاد عن مواطن الخوف أو مواجهته للتغلب عليه.
وإذا كان الخوف من الخالق دفع ذلك الإنسان المدرك إلى الاقتراب منه.
إذ أن خوف المخلوق من المخلوق يبعث على الحذر، والاحتراس. وخوف المخلوق من الخالق يبعث على التطهير من كل سلوك مشين، مما له علاقة بموضع الخوف من المُخاف، والمُخيف. {ولمن خاف مقام ربه جنتان} {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}.
وسيتجه حديثنا عن الخوف هنا إلى خطابات الثقافة القولية الكلامية من منتج المثقف من محترفي الثقافة، وهواتها. والمضايفة بين الثقافة، والخوف، وهو عنوان هذه المقالة قد بلغ من الإضرار بالخائف أقصى درجات العنفوان، وأقسى مراتب المهانة لكرامة المثقف صاحب الضمير الثقافي المريض، وصاحب الرؤية الثقافية ذات الوقار، والشرف. فقد وصل الأمر في هذا الشأن إلى القتل، أو التهديد به. {ولنبلونكم بشيء من الخوف} ومعناه هنا القتل، والقتال. وإدخال الفزع، والرعب في غير قلب ثقافي، يستوي في ذلك المثقف الشريف، والمثقف الوضيع. حتى أضحت عبارة (قل ولا تقل) من المسلمات التبريرية لتوجيه الثقافة في منتجها الإنساني توجيهات نخبوية، ومذهبية، وقطرية وعرقية. وأنا هنا بصدد الحديث عن ثقافة الخوف العربية التي لم يتسع مسرحها الكبير إلا للصوت الواحد، إذا كان من القوة، والنفاذ بمكان في أية صورة من صوره.
إن الإنسان مهما بلغ من التّرقّي في سلّم الصلاح، والالتزام بثقافة الانتماء إلى وحي السماء، مصدر الثقافة الأول لا يمكن له أن يزكي نفسه من الانحراف الثقافي بل الله يزكي من يشاء.
وعلى هذا الأساس لا يحق لمثقف أن يصادر مثقفاً غيره وأن يدّعي لنفسه الصلاح، ولمن خالفه مخالفة فهم لفهم الفساد، وهذا على مستوى الفرد، والجماعة. لأن إشاعة ثقافة المخيف، والمخاف لن تكون الثقافة الهادفة المؤهلة لقيادة الناس شعباً، أو أمة إلا إلى حين يتزحزح المخاف، والمخيف عن ممارسة الدور التخويفي المفزع أو يتلاشى موضع الخوف. ولن تكون ثقافة الخوف سوى ثقافة الصدى الخافت المريض، والاستهلاك الموقوت غير المهضوم، وغير المرغوب فيه.
إن من أبرز الأسباب التي تؤسس لثقافة الخوف سلطة خطاب على خطاب بواسطة الاستقواء، والنفوذ، والهيمنة بأي حال من الأحوال.
وإن الخطاب الإعلامي في قنواته المقروءة، والمسموعة، والمشاهدة يأتي في مقدمة الخطابات التي تروّج لتسويق ثقافة الخوف عندما تتخذ من سلطة الرقابة مسباراً صحيحاً للثقافة المرغوب فيها لدى متلقي الثقافة.
فالرقابة في هذا الشأن رقابة أحادية وظيفية توظف شرط الوظيفة في نوعية الرقابة، فترفض غيرها، أو لا تسمح له بالاشتراك في التقويم على أقل تقدير.
أضف إلى ذلك أن الذي يقوّم مستوى الثقافة من حيث المفيد، والممتع، والحسن، والقبيح هي الثقافة ذاتها، التي إذا عبّرت عن الذات المثقفة لفظت خبثها، وأقرّت منافعها.
إن المثقف الذي يحمل مسؤولية الكلمة الهادفة كالمصور الذي لا بدّ أن ينفث، وأن يتنفس من خلال الكلمة أو المناشط الثقافية غير الكلمة، فدعوه ينفث من أعماق صدره بلسانه لا بلسان غيره، وأن يرى بعينه، ويسمع بسمعه، فهذا الكون الفسيح يتسّع لكل الأصوات. وإن من مظاهر ثقافة الخوف إظهار الرضا للمخيف عن طريق الموافقة له، أو مداراته، والتواطئ معه، هذا عند مريض الضمير الثقافي ممّن يدعون الثقافة، ولا ينتجونها على وجهها الصحيح، ولو من وجهة نظرهم الذاتية حتى وإن شاب ذلك شيء من اختلاف وجهة النظر. إذ هذا الاختلاف من الأمور التي لا يختلف حولها الناس.
إن الثقافة هي الحضارة، والهويّة، والذات. وعلينا أن نسلم بأن الناس ليسوا سواء، في أسباب البناء وعوامل الهدم للبنيان الحضاري. فالبناء طريقة العلم النافع والهدم طريقة الجهل بالقيم المفيدة. والبناء فيه قصد للتوجه إلى الخير. والهدم فيه القصد إليه، وفيه غير القصد المباشر.
وما انتفاع أخ الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلم
والجهل من مخوّفات الثقافة، فإذا ما تسلل إلى مكونات المثقف عشّش على قلبه، وران وسلبه بصيرة الرؤية للأشياء، وربما تباصر هذا المثقف الجاهل بما لا يملك. إذ لم يأته هم الثقافة إلا من جانب الادّعاء، والتباصر، وطلب الحمد بما لم يعمل في بناء الحضارة.
إن الخوف على أي مستوى من مستوياته، وفي أي نوع من أنواعه ذات العلاقة بالثقافة يولد صوراً من الرهبة والحذر ومنهما يولد العقم الثقافي.
إننا إذا نظرنا إلى الثقافة المعرفية بوصفها المحرِّك لغيرها من الفعل العملي، فإن تفعيلها تفعيلاً متطوراً سيحقق وظيفتها، ومهماتها فيما له علاقة بمصالح الشعب، والأمة.
فمن الأمن الثقافي تنبثق صور الأمن الاجتماعي، والسياسي الوطني، والغذائي، وغير ذلك من صور الأمن التي يجتمع الناس في البحث عنها.
وإن مرجعية الثقافة العربية الإسلامية في مصادرها الأصول هي مرجعية الكون كله؛ من مكوناته الجغرافية والجنسية، والزمانية، وهذا يمنح الثقافة ذات الخبرة الإنسانية فضاء واسعاً من الحركة، والإنتاجية بما ينسجم مع المظهر الكوني، وفق رؤية المثقف فيما يعتقد، أو فيما تبثه الثقافة من قيم حضارية، لأن المثقف المعرفي لا ينطلق من فراغ. فلكل خطاب ثقافي برهاني أو جمالي مرجعية ينطلق منها، ويعود إليها.
وعلى هذا الأساس تكون الثقافة بلاغاً، وتبليغاً. فيحل البحث فيها عن الحقيقة الكونية محل السفسطة، والجهل وتشيع ثقافة التحاور، والجدل، وتتلاشى ثقافة الغلبة والصراع، والمصادرة، والإقصاء، والتخويف.
والثقافة التي لا تتسع لتبليغ المنهج القرآني، وللتحاور، والجدل هي ثقافة الخوف المريضة.
وإذا كنا نتداول القول بأن مصدر الثقافة العربية الإسلامية وهو الوحي يصلح لكل زمان ومكان؛ فلماذا ضاقت مسالك الثقافة العربية في هذه اللحظة التاريخة، حتى ضاقت المسافة بين الخوف، والأمن في المشهد الثقافي الذي ليس الصراع المفضي إلى الخوف من مفردات مصادر الثقافة العربية.
فإذا لم يكن الخلل في مستوى الثقافة النوعي، فإن الخلل يكمن في منتجي ثقافة الخوف من حيث وسائل الإنتاج وطرائقه، وهذا وثيق الصلة بمستوى الوعي الذاتي الثقافي الذي إذا صلح صلحت الثقافة، واستقامت رؤيتها للكون بكل مكوناته.
هل الثقافة العربية تمر بأزمة؟ ومن مفرزاتها ثقافة الخوف؟ إلى متى ونحن نتخذ الأزمات شماعات جاهزة نعلق عليها مشكلاتنا جميعها. والأزمات نتائج لأسباب لم نقف عندها لأننا سببها، والمريض لا يرغب في أن تنكشف أدواؤه.
فإذا أردت أن تكون الثقافة غير مأزومة، وتقود إلى الغايات الكبرى التي ينتمي إليها المثقف، فإن أس هذا التشكل الثقافي المرغوب في تحقيقه على أرض الواقع يتجلى في مصداقية المثقف الملتزمة غير الالزامية من خارج، فالأولى منتج الوعي الذاتي الداخلي الذي يصدق أهله، والأخرى منتج الهوى الخارجي الذي يلبس في كل حالة لبوس غيرها، وغيره، حتى في حال تكرر الحالة الواحدة تجد مثقفها يتلوّن اللبوس وفق متطلبات الهوى الخارجي، والصدق من الشيم النبيلة التي يفخر الإنسان إذا كان مطبوعاً به، وهو قيمة ثقافية خلقية.
إن المثقف الملتزم من داخله ليس مبرّأ من الوقوع في خطأ (فكلكم خطّاء) لكنه لا يقصد، ولا يتعمد الوقوع في الخطأ بل هو مظنة الرجوع عن الخطأ إذا ما عرف ذلك أو نبهه أحد إليه.
ومن الأسباب التي تطبع الثقافة بالطابع الأمني الحرية، والحرية لها ضوابطها الواعية بحركة الذهن، والنفس فهي ليست التي تتجاوز حدود المنطق، والمعقول، والممكن ولا التي تتعدى على حريات الآخرين، أو تتسم بالفوضى والانفلات من خيرية التصور. إنها الحرية التي تطلق قيود الاستعباد. استعباد المخلوق للمخلوق على أي وجه كان ذلك الاستعباد.
إن هاتين الخلتين المصداقية، والحرية تحققان في حالة توافرهما خلة ثالثة أحوج ما تكون الثقافة ذات الشرف والوقار إليها وهي خلة التعدد، والاختلاف الثقافي الذي بامكانه توسيع نظرة الناس إلى الحياة.
إن هذه الأبعاد الثلاثة (المصداقية، والحرية، والتعددية) سيحقق تفاعلها ثقافة الأمن عند من يتبنى وظائف هذه المعطيات. فمنها، وبها تخف وطأة الخوف الثقافي، وتتلاقى الأن التسديد، والمقاربة من قيم الدين.
للتواصل
ص.ب 13109 مكة المكرمة