بحث



الخميس 6 ربيع الآخر 1427هـ -4 مايو 2006م - العدد 13828

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


مقدمة إلى الأدب التفاعلي

د. عبدالله محمد الغذامي ٭
    في وقت واحد وجدت بين يدي كتاب الدكتورة فاطمة البريكي ورواية بنات الرياض لرجاء الصانع، والعملان معا يدخلان قارئهما لعالم حديث عبر استخدام وسيلة التراسل الإلكتروني في رواية بنات الرياض كواحدة من ادوات النص، وعبر الوقوف البحثي على استخدامات هذه الوسائل وتنوعاتها وأثرها على فعلي الكتابة والقراءة في كتاب الدكتورة البريكي.

والدكتورة فاطمة لا تقدم اول عمل بحثي لها من بعد الدكتوراه فحسب، بل هي ايضا تتصدى لصدارة البحث الجديد في الوسائل الحديثة للكتابة والتفاعل الثقافي، وهذه مسألة صارت الآن ملحة وتحمل تحديا علميا وثقافيا، ومن شأن الذهن البشري ان يتفاعل بسرعة مع المتغيرات خاصة اذا كانت في الوسائل، والمتغير هنا هو متغير وسائلي، اي انه ليس تغيرا في النسق نفسه، وهذه مفارقة حسمتها الثقافة منذ زمن بعيد، حيث صرنا نرى باستمرار ان المكتشفات المتجددة والمتطورة لا تفعل ما يكفي لتغيير الأنساق الثقافية، وصرنا نرى ان كل مكتشف علمي عظيم يتحول مباشرة لخدمة اغراض نسقية متجذرة، ويزيدها تجذرا، فالعلم الحديث اخرج - اخطر ما اخرج - الفيزياء الحديثة، وهذه لم تخدم السلام البشري بمقدار ما خدمت الحروب وطورت آلياتها، وعلم الجينات الحديث صار الآن مجالا لبحث سبل الدمار، وصار يبحث عن كيفية ممكنة لقتل شعب كامل عبر التعرف على جيناته الخاصة وابتكار جرثومة تقتل حاملي هذه الجينات على وجه التحديد.

هناك اذن حرب ثقافية نسقية تتجه دوما صوب استغلال المكتشف الحديث وتحويله من اختراع سلمي يخدم التقدم البشري ويوحد الإنسانية الى اداة تساعد جنرالات الموت وشياطين الحروب.

هذه رواية واقعية سببها غلبة النسق الثقافي في كل ثقافات البشر، وهو نسق فحولي تسلطي ومتعال، ينفي الآخر ولا يسمح بتصالح كوني، ومن هنا صارت الوسائل والمكتشفات تعمق العيوب القديمة وتوسع مجالاتها وتقوي فتكها وتعممه، والفيزياء الحديثة لم تفرز مياها صالحة للشرب وتساعد المرضى على الشفاء بمقدار ما صنعت القنبلة الذرية.

والسؤال هنا عن موضوع كتابنا هذا وموضوع الدكتورة البريكي حول الوسائل الحديثة في الكتابة، وعما اذا كانت ستحمل متغيرات انسانية كبرى في التفاعل البشري، وهي ستفعل ذلك ولا شك، ولكنها لن تشفي الإنسانية من انساقها القديمة بل ستعزز هذه الأنساق، وهذا ما يجعل الدراسة هنا مهمة وضرورية وتدخل في مجال نقد الأنساق ونقد الثقافة.

ولئن كنا نتكلم عن قدرة النسق على توظيف المستجدات لمصلحته فإن المؤلفة قد اشارت في كتابها هذا الى دراسات استطلاعية اجريت حول استخدام شباب الإمارات لمنتديات الحكي على الإنترنت وكانت النتيجة ان مواد الحكي هي اياها مما تعود عليه الناس خارج الإنترنت مما يدخل في باب الحش العلني واستخدمت اللغة هنا عبر هذه الوسيلة الحديثة لتوسيع التعبير عن مواضيع تقليدية مازال البشر يستخدمونها منذ كانت الثقافة، وهذا لم يغير بقدر ما وسع وعمق، اي ان الوسيلة الحديثة عززت الأنساق القديمة ووسعت من درجات شيوعها، وتبين كثيرا ان هذه الوسائل قد فتحت مجالا اعرض من السابق في ممارسة الانحيازات والتمييز الطبقي والجنسي والثقافي والعرقي بين الناس، مما كان موجودا من قبل ولكن بشكل محدد وشبه صامت، وصار الآن اعلى صوتا وأكثر عددا وصار بعضه يغري بعضا حتى نطق الصامتون وتنبه الغافلون وجاءت ردود الأفعال المتبادلة لتكون بمثابة الأفعال الراسخة والعلامة الطاغية. وهذه لحظة من لحظات النسق الخطيرة حيث تعود النسق على تطويع كل حدث طارئ وتحويله تدريجيا لمصلحة النسق الثقافي عبر ادامة الأنماط وتعميم الذائقة النسقية، ولم تكن تجربة البشرية في تحولها من الشفاهية الى الكتابة الا واحدة من علامات توظيف الثقافة للنسق وتقوية مدلولاته، وما جمهورية افلاطون عن هذا ببعيدة، فهي كتاب في الطبقيات والتمييز ضد النساء والأطفال والعبيد والأجانب، وكل ماهو آخر وما هو هامشي، وهذا كتاب هو دستور الفلسفة ودستور الثقافة الكتابية التي صارت ثقافة للفحول.

ربما نقول - وهذا حق - ان اختراع الكتابة هو مخترع ذكوري وجرى توظيفه من الرجال، مما ادى الى تفحيل الثقافة وتعزيز طبقيتها، وهذا صحيح، وهنا تأتي فكرة هذا الكتاب الذي بين يدينا، فالمؤلفة امرأة، وفي هذا رمزية ذات دلالة خاصة، وهي تبادر الى تأليف هذا الكتاب، وهذا معنى له ما بعده، وهي تتعامل مع الوسيلة الحديثة بسرعة تماثل سرعة هذه الوسيلة، وتحاصرها بالدراسة والنقد والملاحظة. فهل لهذا معنى ثقافي..؟

يبدو هنا ان الغلطة الثقافية الكبرى التي اقترفتها المرأة ضد جنسها حينما تركت الكتابة للرجل واستغنت بالحكي - على مدى قرون - يبدو ان المرأة اليوم صارت تتدارك تلك الغلطة ولم تعد تتهاون في امور الثقافة بتركها للرجل، وهذا الكتاب سيكون واحدا من هذه العلامات في التغيير الذهني الثقافي، حيث تتصدى المرأة، بوصفها مؤلفة وناقدة وصانعة ملاحظة وتفكير، تتصدى للمشاركة في صناعة المتغيرات وفي التفاعل المعرفي معها، كما في هذا الكتاب، وفي السعودية ظهر موقع الكتروني خاص بالنساء وابتكر الموقع حيلة ثقافية تحميه وتحصنه فاشترط على اي داخلة عليه ان تؤدي يمينا مغلظة تقسم بالله العلي العظيم انها انثى وليست رجلا ويجري باستمرار فحص المداخلات للتأكد من انها لنساء، وتتم معاقبة اي مخالف لهذا الشرط، وهذا مؤشر على رغبة مؤنثة بحماية الخطاب من النسق الفحولي وصيانة انثوية النص وجعله علامة فارقة ومميزة.

اما هذا الكتاب فهو ليس كتابا في المنع والتحصين ولكنه كتاب بحثي لصاحبته فضل الريادة وفضل الاقتحام ولقد وقفت المؤلفة على مصطلحات جد حديثة من مثل مصطلح النص المتفرع (Hypertext) وأنا اتفق معها حيث اختارت ترجمة الدكتور حسام الخطيب لهذا المصطلح بالنص المتفرع، والنص المتفرع هو خاصية اسلوبية جديدة ربما كان لها شواهد قديمة في الشروحات على المتون والحواشي المتفرعة وما كان يسمى حاشية الحاشية، مما هو من الممارسات الشائعة لدى علمائنا الأوائل حيث يتفرع المتن الأول للمؤلف الأول الى متون فرعية تأتي على شاكلة الحواشي والشروحات على المتن، وتعددت صور هذه التفريعات حتى رأينا كتابا طريفا لإسماعيل بن ابي بكر المقري عنوانه (الشرف الوافي في علم الفقه والتاريخ والنحو والعروض والقوافي) وهو كتاب كتبه صاحبه في حدود سنة ثمانمائة هجرية، وصممه تصميما فيه نوع من الهايبر تكست حيث تقرأ السطر الأول افقيا فيتكون لك احد هذه العلوم ثم تقرأ الأسطر عموديا مثل اسطر الجرائد فيأتيك علم آخر، ثم تقرأ الحاشية فيأتيك علم ثالث، وهكذا حتى تجد ان الحرف الواحد يشترك في عدد من الكلمات المتقاطعة وفي حالة تقاطع يتشكل معها جملة مختلفة تدخلك في خطاب عن علم من هذه العلوم، فهو نص متفرع لعب صاحبه لعبة حروفية انتجت لنا كتابا تنطوي كل صحفة فيه وكل سطر على اربعة علوم.

هذا مثال قديم كان من نوادر الثقافة وطرائفها، لكننا اليوم على واقعة جديدة تجعل التفاعل البشري في تشابك مستمر يتميز بالسرعة والتحول والتقاطع مع اسهام حر غير مشروط وغير مراقب. وهذا هو موضوع هذا الكتاب الذي احيي مؤلفته باتخاذها المبادرة ومثابرتها على المتابعة، ثم بتحولها الجريء من البحث الأكاديمي التقليدي الى آفاق حديثة ومتطورة، لقد استمتعت بقراءة هذا الكتاب ورأيت فيه انفتاحا معرفيا وثقافيا يغير من نمط الدراسات الأكاديمية ويدخلنا الى عالم المتغيرات والمتحولات، وهذه كلمة تقديم مثلما هي كلمة تقدير للدكتورة فاطمة البريكي ولجهدها المعرفي التقدمي، وكم اتمنى لها من الله التوفيق والاستمرار في جهودها هذه، وفي الكتاب ما يكفي للشهادة لصاحبته. ولن يفوتني ان اشير الى الملمح الأسلوبي الآخر الماثل في مصطلح (النص المتفرع) حيث ان هذا النص هو نص أنثوي ينطوي علي خصائص التأنيث في التوليد وفي اختزان رحم قابل للتفاعل الحي وفي انتاج نصوص تتشابك وتتغازر، وهذه سمة الخطاب المؤنث - كما في ألف ليلة وليلة ونصوص شهرزاد، وكما هي من سمات النص السردي الولود، وهي خاصية من خصائص الجسد المؤنث حيث الرحم المعطاء وحيث تدفق الحياة كما هي من سمات اسلوب الحديث النسائي حكاية وتفكيرا، وهذه علاقة ثقافية بين المصطلح وأنثوية الخطاب.

٭ نص مقدمة كتاب (مدخل الى الأدب التفاعلي) للدكتورة فاطمة البريكي. الصادر للتوعن المركز الثقافي العربي ببيروت

تعليق واحد
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 

ليت شعري


الدكتور عبد الله الغذامي تحية طيبة
حينما أقراكتابيك ( النقد الثقافي وحكاية الحداثة ) وأعيد القراءة يتجسد لي شبح النسق الفحولي الذي تتحدث عنه بكل مظاهره 0000000000فما كتبته يكرس ذلك النسق ويؤكده للأسف الشديد 000000000000 تحياتي


أبو ساعد
ابلاغ
06:45 مساءً 2006/05/04


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية