الاربعاء 5 ربيع الآخر 1427هـ - 3 مايو 2006م - العدد 13827

على البال

دعوة للفرح..!!

محمد الرشيدي

    اتصالات متكررة كان يتلقاها المصور الفوتوغرافي الذي كسا الشيب رأسه، بينما كنا في استراحة أثناء مشاركتي في أحد البرامج التلفزيونية ببيروت، الفضول دعاني لسؤال هذا المصور والذي كان يردد مع كل اتصال «وأنت بخير وينعاد عليك»!!

سألته وأنا اعرف الكم الهائل من الأعياد التي يحتفل بها اللبنانيين، من باب تقديم التهنئة له، فسألته ماهي مناسبة هذه الاتصالات لكي أشاركك التهنئة !!،

إجابته كانت مثيرة ومحزنة عاطفيا بالنسبة لي شخصيا، قال إن هذه الاتصالات من أصدقائه الذي يهنئونه بعيد «ميلاده الستين »، وهم اعتادوا على الاحتفال بمثل هذه المناسبات منذ طفولتهم، ولكن من يتصل به لم يستطع الحضور ومشاركته الفرح واستخدموا الاتصال الهاتفي كمشاركة منهم بالفرح!!

البحث عن الفرح أحيانا يكلفنا الكثير ولا نستطيع الوصول له للأسف، وهذا المصور البسيط ينعم بأحلى شعور، أصبحنا في ظل الماديات نفتقد له وبإرادتنا، اصبح الفرح لدينا مجرد كلمة بدون معنى، تهنئتنا لمن نحبهم أحيانا بصدق قد تفسر نفاقا اجتماعيا، معايدتنا لمن نحترمهم ونقدرهم حتى ولو برسالة جوال قد يدخل ضمن المصلحة أو النفاق أيضا، حتى في مناسباتنا التي تتطلب الفرح، نعمد وبكامل إرادتنا لكبح هذا الفرح للمحافظة على شخصيتنا أو «برستيجنا» الكذاب!!

يوم الاثنين الماضي وفي الساعة التاسعة مساءً كان لإذاعة صوت العرب من القاهرة موعد لي، لاعادة وتذكر مشهد المصور اللبناني الستيني، كنت استمع لبرنامج «ألف سلام» وقد أدهشني هذا البرنامج وأحزنني في الوقت نفسه كثيرا، فمع الفقر الشديد وقلة الإمكانيات لجمهور هذا البرنامج والمدمنين على سماعه، يتيح هذا البرنامج لهذه الطبقة السعيدة عاطفيا والفقيرة ماديا للتواصل مع أبنائهم وإخوانهم وأقاربهم المغتربين في أرجاء المعمورة، عن طريق الرسائل البريدية الورقية والتي تتولى من خلالها مذيعة البرنامج السيدة عصمت بث أحاسيس حب الأقارب وتواصلهم مع بعضهم، مع نسمات النيل العذبة وجنون وضوضاء القاهرة الممتعة وعبر صوت الأثير، وتزداد حزنا عاطفيا يسكن إرجاءك وأنت تمتلك أفخم واحدث أجهزة الاتصال وأكثرها تطوراً، عندما تعلن مذيعة البرنامج وتزف الفرح للعائلة التي فازت بمسابقة البرنامج، والجائزة ليست المليون ريال وليست شقة بباريس وليست رحلة العمر مابين لندن وفينا مرورا بماربيا، الجائزة أتاحت الفرصة للام الفقيرة القابعة في أقاصي الصعيد المصري لتتحدث هاتفيا وعلى الهواء مع ابنتها الساكنة بالرياض والتي مضت اشهر عديدة ولم تستمتع بصوت والدتها المليء والمتخم بنعمة الفرح، وهي تتحدث مع ابنتها ولدقائق معدودة ودون خصوصية وكلامها لابنتها يرتكز على تهنئتها بعيد «شم النسيم»والدعوة لها بالسعادة والفرح!!

كم من الفرح نفتقده، كم من الفرح نحتاجه، كم من الفرح أهملناه، كم من الفرح قتلناه داخل أنفسنا، كم من الفرح قسونا عليه، في المجتمعات الأخرى الأعياد المتعددة مستمرة معهم والاحتفال بالفرح لها لا ينقطع، دعونا نُلغ كلمة «عيد» ونجعله «يوماً» ونفرح مثلهم ونتواصل مع أحبابنا مثلهم، المصريين منذ عهد الفراعنة وهم يحتفلون بعيد أو يوم أو مناسبة شم النسيم، لان الفرح يحتاج البحث عنه، فهو ليس ساعة جديدة مهما كانت ماركتها نشتريها، وليس مأدبة عشاء فخمة في مطعم على نهر السين الباريسي، الفرح شعور داخلي يعطي الثقة بالنفس، يعطي للحياة معنى، يحتاج منا البحث عنه وانتظاره بأحاسيسنا، فللأسف حتى في أغانينا لا مكان للفرح سوى مقاعد بسيطة، كما هي مقاعد الطائرات الشاغرة في عز المواسم لتخلف أصحابها المفاجئ عنها، فالونات والآهات حاضرة في أغانينا بصورة طاغية، فلا يوجد لدينا لقب مطرب الفرح، ولكن يوجد لدينا صوت الحزن، الصوت الجريح وهكذا.. !!

في إحدى الرحلات الجوية وبينما كنا نستعد للهبوط كادت أن تحدث لنا كارثة جوية كبيرة فوق مطار الملك خالد بالرياض، لولا لطف الله، وبعد أحداث دراميتيكية استمرت اكثر من ساعة وحالات إغماء وبكاء وفقدان الأمل، هبطت الطائرة بسلام، العمال الشرق آسيويين البسطاء في ظروفهم المعيشية وطموحاتهم الذين كانوا معنا في الطائرة كان تعبيرهم بالفرح عفويا وصادقا وطاغيا في الطائرة وهي بأرض المطار، أما نحن السعوديين الفاقدين «أحيانا»للفرح لم نعرف نتعامل بفرح مع هذه اللحظات، وكنا فقط نرقب مشاعر الآخرين بأعيننا، رغم أننا كنا نتمنى أن نفرح اكثر منهم، فثقافتنا الاجتماعية للأسف لم تُعطنا الكيفية الحقيقية للفرح !!

شخصيا اعتدت مهما كانت الظروف أن ابحث عن الفرح، فلا تستغربوا أنني وبصفة رسمية لدي أنا وعائلتي الصغيرة مع والدتي، اكثر من عشرين يوما في العام للاحتفال وبصورة رسمية ومرتبة، لاتهمني تسمية أي يوم من هذه الأيام «عيد أو يوم أو خلاف ذلك»، ولكن يهمني الفرح بها، ورغم ذلك، كم نحن قاسون وبخلاء في بحثنا عن الفرح ونحن نعلم أن هناك بالنسبة لنا يوجد أيضا اكثر من 345 يوماً من السنة لم نستطع التعامل معها رسميا بالفرح إلا حسب الظروف، وهنا اقصد بصورة رسمية أي إعطاء هذه الايام اهتماماً وانتظاراً واحتفالاً اكثر..!!

لنكسر الحواجز ونعط للفرح داخل قلوبنا أهمية اكثر، ولتكن تهانينا بدون قيود حتى لو فسرت أنها نفاق أو مجاملة، لنتابع أغاني الفرح، لنشاهد برامج الفرح، لنعلم أبناءنا ثقافة الفرح لكي لا يكون الفرح مجرد مشاعر قد تكون مخنوقة داخلنا وقد تكون لا سمح الله غير مهمة..!!

أخيرا..أجمل ما في الوجود على الإطلاق:إنارة النفوس الحزينة بشعاع من الفرح.

alrashidi@alriyadh.com