الرئيسية > فن

في أول ملتقى ثقافي علمي تنظمه مدينة الملك عبدالعزيز

أكاديميون ومثقفون يناقشون واقع وأهمية بناء الاستراتيجية الوطنية لنشر الثقافة العلمية



تغطية - بدر الشميمري عدسة - فهد العامري

تحت رعاية معالي رئيس مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية الدكتور صالح بن عبدالرحمن العذل أقامت المدينة صباح امس الثلاثاء الموافق 4/4/1427ه ملتقىً ثقافيا علميا تحت عنوان (نحو إستراتيجية وطنيه لنشر الثقافة العلمية).. وقد استهدف الملتقى أساتذة الجامعات ورجال الصحافة والإعلام ورجال التربية والتعليم وكذلك الكتاب والمثقفين. وكانت ابرز أهداف الملتقى تسليط الضوء على مفهوم (الثقافة العلمية) ودورها الحيوي في تفاعلات المجتمعات المعاصرة وإبراز تأثيرالثقافة العلمية على الجوانب الفكرية والثقافية والإعلامية وكذلك السعي إلى تأسيس وتفعيل قنوات تواصل مع وسائل الإعلام المختلفة.

بدأت الفعاليات بآي من الذكر الحكيم ثم ألقى معالي الدكتور صالح بن عبدالرحمن العذل، كلمة أعرب فيها عن ترحيبه بانعقاد هذا الملتقى الثقافي العلمي الذي يضم نخبة من رجال العلم والفكر والثقافة والإعلام، في رحاب مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وتقديم ما يحملونه من أفكار ومقترحات ومرئيات تسهم في وضع تصور للأسس التي تعمل على نشر الثقافة العلمية، وإيجاد الحس والشعور الجماعي بأهمية العلوم والتقنية ودورها في دعم مسيرة التنمية الشاملة وتحقيق التنمية المستدامة.

وقال: إن المدينة أولت اهتماما خاصا بالتوعية ونشر الوعي في مجال العلوم والتقنية وأنشأت إدارة متخصصة لهذا الغرض، وأقامت العديد من المؤتمرات والندوات واللقاءات العلمية، وكان لها تواصل مع وسائل الإعلام المختلفة لتسليط الضوء على الأنشطة العلمية والبحوث التي تمس حياة المواطن، مشيراً إلى أن هذا الملتقى ضمن السياق ليكون قوة دفع في اتجاه تفعيل الاهتمام بالعلوم والتقنية في المملكة.

وأوضح معاليه، أن هذا الملتقى هو الأول من نوعه على مستوى المملكة في مجال الثقافة العلمية، وحتى بالنسبة للمدينة التي كان اهتمامها ينصب في تنظيم وعقد المؤتمرات والندوات العلمية المتخصصة، مبيناً أن هذا اللقاء يأتي منسجما مع ما ترمي إليه الخطة الوطنية الشاملة للعلوم والتقنية التي ركزت على التوعية العلمية كضرورة حتمية تساعد في إيجاد الوعي الاجتماعي والجو الملائم اللذين يشجعان على نمو العلوم والتقنية.

كما ألقى الأستاذ منصور بن سهو العتيبي مدير المركز الإعلامي في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، كلمة قال فيها إن هذا الملتقى الثقافي العلمي الذي ينعقد في رحاب المدينة تحت عنوان (نحو إستراتيجية وطنية لنشر الثقافة العلمية) يهدف إلى تسليط الضوء على مفهوم الثقافة العلمية ودورها الحيوي في تفاعلات المجتمع المعاصرة، وإبراز تأثيرها على الجوانب الفكرية والثقافية والاجتماعية والإعلامية، والاهتمام بإرساء أصول الثقافة العلمية ومقتضياتها كأحد الأسس في استراتيجية الثقافة وتوجهاتها في المملكة، إلى جانب السعي لتأسيس وتفعيل قنوات الاتصال مع وسائل الإعلام المختلفة.

بعد ذلك بدأت فعاليات الملتقى، بعقد جلستين، ناقشت محورين هما المحور الفكري والمحور الإعلامي.

وتم خلال المحور (الفكري)، تقديم ثلاث أوراق عمل الأولى للدكتور راشد المبارك عن «البحث العلمي: الفريضة الغائبة»، والدكتور الركابي بورقة عمل بعنوان «الجدوى المنهجية لتنويع مصادر المعرفة.. (الثقافة العلمية) مكون ضروري للشخصية السعودية المركبة»، وورقة ثالثة للكاتب عبدالله القفاري بعنوان «الثقافة العلمية: من صناعة الوعي.. إلى صناعة التقدم».

وبدأت الجلسة بورقة عمل الدكتور راشد المبارك، قال فيها: إن المجتمع البشري انقسم منذ ثلاثة قرون أو نحوها إلى فئتين: فئة غنية قوية ومسيطرة أو مؤثرة، وفئة ضعيفة مسيطر عليها أو مؤثر فيها، وهو مارفع الأولى إلى سدّة التميّز، ووضع الثانية في المستوى الذي هي فيه، مشيراً إلى أن هذا السبب هو إقبال الأولى على البحث العلمي في جانبه الطبيعي وتفوّقها فيه وقدرتها على كشف سنن الكون وأسرار المادة ما صارت ثمرته قوة وغنى وظهوراً.

وأرجع الدكتور المبارك، أسباب انفراد الفئة الأولى بذلك الجانب الصانع للتفوّق والظهور، هما موهبة ذات، وطلاقة المناخ؛ حيث كان الشغف بالكشف عن المجهول هو الصانع لذلك الإبداع، وهو الذي أنتج أبحاثاً قصّرت من مسافات الانتقال، وأزالت أو كسرت حواجز الاتصال، وحرّرت الإنسان من قيد الجاذبية فوصل إلى ما حوله من كواكب المجموعة الشمسية.

وبين أن تخلف العرب والمسلمين عما وصلت إليه فئة الإبداع والاختراع في العالم، هو بسبب الموروث اللغوي، وفهم غير موفّق لما جاء به القرآن الكريم من توجيه فيما يتعلّق بالنظر إلى الكون والحياة.

وتساءل الدكتور المبارك، إذا كان في البلاد العربية ما لا يقلّ عن مئة وخمسين جامعة تضمّ ما لا يقلّ عن خمسة وسبعين ألفاً من أعضاء هيئة التدريس العاملين في مجال العلوم البحتة والتطبيقية، فأين أبحاثهم العلمية، وما مدى تأثيرها في تقدّم البلاد العربية العلمي والصناعي والاقتصادي وغير ذلك من مجالات.

ثم استعرض الدكتور الركابي، في ورقته مسألتين: الأولى هي: أن الثقافة، نضح من (المعرفة) أو هي ثمرة من ثمارها، والثانية هي: (مفهوم) الثقافة والتي عرفها الركابي بأنها صقل الذهن وشحذ الفكر بمقادير مشبعة من المعارف الصحيحة والمفاهيم والمعايير السديدة التي بها يتعي في العقل ويقوى، ويتحرر التفكير من الخرافة والوهم (القديم منها والحديث)، وتتهيأ الملكات للإبداع، ويتهذب اللسان والقلم والسلوك، وتنشط الأعضاء للفعل والإنتاج الصالح النافع في كل حقل.

وقال الدكتور الركابي، في ورقته التي ألقاها نيابة عنه الدكتور محمد بن صالح الصالحي من جامعة الملك سعود، أنه بناءً على هذا، وبمقتضاه: ليست تصح ثقافة إلا بعد أن تصح المعرفة إذ الثانية نبع الأولى مصدرها ومرجعها.. مثلا: الثقافة حول الإنسان فرع من (المعرفة بالإنسان).. وثقافة البيئة نتاج العلم أو المعرفة بالبيئة.. و (الثقافة العلمية) خلاصات مبسطة لحقائق العلم ومفاهيمه وقوانينه.

وبين أن مصادر المعرفة ثلاث: الوحي، الحس، العقل الذي يعقل الوحي والحس.

وأوضح أن للتخلف الحضاري أسبابا جمة: بسيطة ومركبة.. ومهما تعددت هذه الأسباب، فإن أهمها - بإطلاق -: (الجمود الفكري)، ولذا كانت المهمة الأولى للوحي في مطلع التنزيل هي: إذابة الجمود الفكري والتحجر العقلي.

وأشار إلى أن لهذه الأولية تعليلا عقلانيا ونهجيا واضحا وهو: أن البلاغ الديني لا يتحقق ولا يبلغ في ظل بيئة يسودها الجمود الفكري: مستشهدا بقوله تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}.. ومن مدلولات الآية: أن الذين يعطلون (حواس المعرفة) لا يمكن أن يستفيدوا من (مصادر المعرفة).. ومن هنا اقتضى الترتيب المنهجي والعقلاني: البدء بما لا يجوز البدء بسواه: البدء بمعالجة الجمود الفكري.

وأكد أن (الثقافة العلمية) هي النسيج الفكري والمعلوماتي التي تتكون خيوطه القوية من (حقائق العلم) في حقوله كافة، وحقائق العلم هي ثمرة التعامل العقلي النشط المتبصر المثابر مع طاقات الكون وذراته وسننه وقوانينه سواء كان التعامل في صورة البحوث العلمية البحتة، أو في صورة تطبيقات نتائج هذه البحوث.

واختتمت الجلسة بورقة للأستاذ عبدالله القفاري، قدم فيها قراءة تأملية في العلاقة بين الثقافة العلمية والحداثة الفكرية، بحيث تحاول أن تستعيد الثقافة العلمية من حيز البعد المعرفي وحده إلى حيز آخر عنوانه العلاقة بين التقدم بمجالاته الواسعة والثقافة العلمية بمفهومها الأشمل الذي يطال البنية الذهنية للمتلقي، مشيراً إلى أن العلاقة بين الحداثة الفكرية بكل تجلياتها وتطوراتها وانجازاتها والتقدم العلمي لا يمكن فصمها أو التعامل معها بطريقة انتقائية، حيث ان الثقافة العلمية هي قنطرة العبور للوعي بقيمة التقدم العلمي وهو مسار من بين مسارات كثيرة تشكل ماهية وعنوان التقدم الإنساني.

واستعرض القفاري في ورقته ثلاثة محاور هي: (الثقافة العلمية والحداثة الفكرية، والكشوف العلمية والحداثة الفكرية، والتقدم العلمي والحداثة الفكرية)، ورصد تلك العلاقات في سبيل الوصول إلى مفاهيم أوسع تضع الثقافة العلمية في إطار أوسع من بعدها المعرفي المرتبط بقراءة مبسطة للعلوم وانجازاتها والتعامل معها وتقدير تأثيراتها في سبيل إيجاد وعي علمي عام، واكتشاف علاقة الثقافة العلمية بمسار التقدم بكل انجازاته، بما يتجاوز صنع حالة وعي علمي إلى صناعة تقدم علمي حقيقي لا يعيش بمعزل عن عناصر التقدم الأخرى.

وتم خلال المحور (الإعلامي)، تقديم ثلاثة أوراق عمل الأولى عن «الإعلام العلمي» لمعالي الدكتور حمود البدر، والثانية للدكتور فهد الحارثي بعنوان «أين نحن من شعار.. المعرفة قوة»، والورقة ثالثة للأستاذ بدر كريم بعنوان «معوقات الإسهام الفاعل لوسائل الإعلام السعودية في نشر الثقافة العلمية».

وقال الدكتور البدر، إن مفهوم الثقافة واسع ومتنوع، مشيراً إلى أن الثقافة العلمية ما هي إلا جزء من الثقافة العامه، حيث إن الإعلام بصفة عامة والإعلام بصفة خاصة جزء مهم في الحياة الثقافية وعضويتها الشاملة لأي مجتمع، وأصبحت الحاجة ملحة إلى وجود استراتيجية وطنية لنشر الثقافة العلمية، كما أن الإعلام عامة والإعلام العلمي خاصة في كافة أشكاله وصوره عنصر مهم في البناء الثقافي لأي مجتمع ولابد من تضمين الإعلام في أي استراتيجية ثقافية إذ ان الإعلام ما هو إلا توأم الثقافة والوسيلة الفعالة لنشرها.

وأشار إلى أن الضعف الكبير الذي تعاني منه وسائل الإعلام بصفة عامة وبعض وسائل الإعلام العربية بصفة خاصة يبرز أهمية العمل على تطوير تلك الوسائل لمواكبة المتغيرات العلمية والعالمية، كما أن الإعلام هو الوسيلة الناجعة لتشكيل الرأي الوعي كما يراد له في حال استخدامه وفق المنهج العلمي الصحيح الذي يعتمد على حرية الرأي في التعبير بشفافية دون الإساءة إلى حرية الآخرين، فطريق الإعلام العلمي المدروس الذي يهدف إلى الحفاظ على العقل والذهن والروح، وينمي الخير ويحمي الإنسان ويقيه من الانغلاق والانطواء والحقد والتطرف هو الذي يساعد في تنمية الأفراد والمجتمعات وتطويرها.

وأوضح أن للإعلام العلمي عدة أدوار حيث لايقتصر دوره على قضايا معينة بل يشمل كل قضية بالدور الملائم ومن هذه الأدوار: دور ديني: للإبلاغ عن العقيدة صافية ونقية من غير إفراط ولا تفريط، دور ثقافي: لتعميم الوعي والفهم في مختلف العلوم والمعارف، دور اجتماعي: لإرساء تماسك المجتمع وترابطه وترسيخ معاني المحبة والأخوة والإيثار وغرس روح التعاون على البر والتقوى، دور اقتصادي: وهو الهادف إلى تحسين أوضاع الأفراد في الكسب والإنفاق والترشيد والحماية من الغش، والاحتكار، ودور سياسي: للتوجيه والإرشاد والنصح والإصلاح وتوثيق العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ودور ترفيهي: يهدف إلى التسلية والترويح، وتجديد النشاط من غير شطط ولا إثارة.

وعن واقع الإعلام العلمي في المملكة العربية السعودية، قال الدكتور البدر، إن واقع الإعلام العلمي في المملكة يعد متأخراً مقارنة بما هو موجود في الكثير من الدول المتقدمة، حيث تسعى تلك الدول إلى الاهتمام بالدراسات الإعلامية التي منها: نظريات الاتصال ،ودراسات استطلاع الرأي العام، ودراسات الحملات الإعلانية

والإعلامية، والحرب النفسية، والإعلام السياسي، وعلاقة الإعلام بالتنمية، والإعلام المتخصص.

وبين أن بعض الدول المجاورة توجد فيها مناطق إعلامية حرة تحتوي على مراكز إعلامية مسموعة، ومرئية، ومقروءة، وإعلام الكتروني، في حين أن إعلامنا العلمي في المملكة يركز اهتمامه على تقديم برنامج إذاعي أو تلفزيوني أو كتابة مقال في صحيفة، كما أن الإعلام لدينا يرتبط بالموهبة فقط دون الربط بين الموهبة والعلم المبني على بحوث ودراسات إعلامية، وتأهيل وتدريب مستمرين.

واقترح الدكتور البدر، لتحقيق أسلوب استخدام المنهج العلمي في الإعلام النظر في عدة أمور منها: التأكيد على أقسام الإعلام في جامعاتنا بالأخذ بمبدأ الاهتمام بالبحوث والدراسات في مجال الإعلام المتخصص، والنظر في تحويل أقسام الإعلام إلى كليات متخصصة متجددة الوسائل والمعارف والعقول، والاهتمام بمبدأ التطبيق في مجال الإعلام، وتعزيز التفكير والنقاش العلمي حول القضايا التي يهتم بها الرأي العام، واقتراح ضوابط أخلاقية ومهنية في المجالات الإعلامية، والاهتمام بالرسالة الإعلامية التي تنبثق من شتى المصادر الوطنية والدولية، مع التأكيد على أن للإعلام لغته الخاصة التي توصل إلى عقول المتلقين وقلوبهم قبل الوصول إلى المسامع والعيون، والاهتمام بإنشاء مراكز إعلامية للتدريب والتأهيل، وترسيخ الشفافية، ومبدأ الحرية المهنية والمقننة، وزرع مبدأ الموضوعية في التغطية الإعلامية، وإيضاح ما يكون رأياً خاصاً لكي لا يختلط العلم بالعواطف.

ثم قدم الدكتور فهد الحارثي، ورقة قال فيها: إن «نقل التكنولوجيا» في غاياته الموضوعية هو تكوين البنى البشرية ذات الكفاءة العالية التي تستطيع استغلال ما يتهيأ لها من ثروات كي تحقق لمجتمعاتها اكتفاء ذاتياً في بناء القوى الإنتاجية والإبداعية في مختلف الميادين.

وأشار الدكتور الحارثي، إلى أن الكثيرين من دارسي الحضارات يؤكدون أن الثروات الطبيعية لا تكفي وحدها لصنع التقدم والرقي، بل إنهم يرون أن دور هذه الثروات يأتي ثانياً لدور الثروة البشرية المؤهلة، وقد يذهبون إلى أبعد من ذلك فيؤكدون بأن هذه الثروة البشرية - تستطيع أن تحقق التفوق مهما كانت الثروات الطبيعية متواضعة أو ربما معدومة، وهم يضربون على ذلك مثلاً حياً بالظاهرة اليابانية. وهناك أمثلة أخرى غير اليابان استطاعت أن تحقق باستغلال ثرواتها البشرية أفضل المراكز في مدارج الرقي الحضاري المعاصر.

وبين إن الخطأ في تكريس المفهوم التقليدي الاستهلاكي للعلم، والنكوص عن مراجعة المناهج وتجديدها، والارتكان إلى الوسائل التقليدية في التربية وعدم تحريض كوامن الإبداع لدى الجيل هي التي أدت إلى إفشال أية محاولة للاقتراب من الشعار الذي أطلقه فرانسيس باكون: «المعرفة قوة» فالدكتور طيب تيزيني يعلن بوضوح أن العرب - تحديداً - لم يلامسوا ذلك الشعار ولو بالحد الأدنى، وبغض النظر عن وجاهة المبررات الأيدلوجية التي أدت بالدكتور تيزيني إلى هذه النتيجة إلا أنه يعود فيؤكد أن المؤسسات التعليمية في العالم العربي التي تخرج هذه الأعداد الكبيرة من «حاملي الشهادات» تعتبر ضمن الواقع الضحل صناعياً وتخطيطياً قطاعاً استهلاكياُ أخطبوطياً «يضاعف ويعقد المشكلات المطروحة» فهناك «ظاهرة تتعاظم في خطورتها في بعض أقطار في بعض أقطار الوطن العربي، وهي الاتساع التعليمي الأفقي دون أن يرافقه عمق علمي».وقال الحارثي، إن نموذج الدولة التي تتضخم فيها نسبة العقول البشرية ذات المستوى العالي دون حاجة واضحة إليهم، مضافاً إليه نموذج الدولة، التي تصب اهتماماتها على الكليات والمؤسسات التعليمية النظرية يعني أنها ستوجد القوة البشرية العبء، وستضاعف أزمة الجانب الآخر الملح والذي نحن في أمس الحاجة إليه في هذه الفترة الحضارية الانتقالية الحرجة، ونعني الجانب العلمي التكنولوجي، إن هناك من يؤكد أن التعليم التكنولوجي (في البلاد العربية) قاصر حتى الآن عن توفير الكم المطلوب من القوى البشرية اللازمة اليوم في التنمية الشاملة.

أما الأستاذ بدر كريم، فقد أوضح في ورقته أن وسائل الإعلام تؤدي دوراً لا يستهان به في نشر الثقافة العلمية، فهي الأداة، والناقل، والناشر، والوسيط، والمؤسس لثقافة سمعية بصرية، مسؤولة عن دفع الإنسان إلى الارتقاء، والإسهام في إشباع حاجاته إلى: العلم، والمعرفة، ومن ثم فمن الصعوبة بمكان أن تتخلى وسائل الإعلام عن هذا الدور.

وتناول كريم في ورقته، المعوقات التي تحد من الإسهام الفاعل لوسائل الإعلام السعودية، في نشر الثقافة العلمية في المجتمع السعودي، وتتضمن المحاور التالية: أولاً: مفهوم الثقافة العلمية وأهمية نشرها في المجتمع، ثانياً: مكانة وسائل الإعلام السعودية في نشر الثقافة العلمية، ثالثاً: واقع إسهام وسائل الإعلام السعودية في نشر الثقافة العلمية، رابعاً: معوقات الإسهام الفاعل لوسائل الإعلام السعودية في نشر الثقافة العلمية.

واختتمت أعمال الملتقى بتقديم عدد من التوصيات التي جاءت وفقاً لما طرحته أوراق العمل المقدّمة ومداخلات الحضور، وما أبرزته من دور حيوي للثقافة العلمية في الإسهام في تأسيس وتحقيق شروط (مجتمع المعرفة)، وتوطين التقنية، وتهيئة البيئة المناسبة للحركة العلمية، مما يتطلب رؤية استراتيجية تهتم بتعزيز العلوم والتقنية، وبناء الجسور بين (العلم والمجتمع)، لتحتل القضايا العلمية والتقنية موقعاً حيوياً في التفاعلات الثقافية والتعليمية والاجتماعية والتنموية وغيرها،

التوصيات

وفي نهاية الجلسات أوصى المشاركون بما يلي:

- ضرورة بلورة استراتيجية وطنية لتعزيز العلوم والتقنية عبر نشر (الثقافة العلمية)، كماً ونوعاً، وذلك في ضوء تشخيص الواقع الوطني في هذا المجال وتمحيص عناصره وأولياته، والتوافق مع الموارد الوطنية المتاحة وخصائص الواقع العلمي والثقافي والإعلامي والتعليمي والتنموي في المملكة، مما يسهم في تضافر الجهود والتحام الإمكانات لجعل (الثقافة العلمية) مكوّناً رئيساً وعضوياً في الثقافة السائدة، وذلك عبر التنسيق والتكامل مع الجهات العاملة في مجالات الثقافة والتعليم والإعلام.

- الاهتمام بإعداد واستقطاب وتحفيز الكفاءات والمواهب في مجال تبسيط العلوم ونشر (الفكر العلمي) من بين أصحاب التخصصات العلمية والتقنية في المملكة، والحرص على تطوير القدرات الإعلامية ومهارات الاتصال لدى المؤهلين علمياً من ناحية، والتأسيس العلمي العام لأصحاب التخصصات الإعلامية من ناحية أخرى لتوفير الكوادر البشرية القادرة على القيام بمهام (الإعلام العلمي) المتعدّدة.

- التأكيد على ضرورة التواصل والتفاعل بين أصحاب التخصصات العلمية من ناحية، وبين رجال الفكر والثقافة والإعلام والتخصصات الأدبية والإنسانية من ناحية أخرى، وذلك لإثراء قاموس الفكر والتعامل والمعرفة في ساحة التفاعلات الثقافية، وتوحيد الجهود الوطنية، وتفعيل الإمكانات وتطويرها للاستجابة لتحديات الألفية الثالثة وتطلعات التنمية.

- دعوة أقسام الإعلام في الجامعات في المملكة إلى الاهتمام بالدراسات والبحوث والمناهج فيما يخص (الإعلام العلمي)، والسعي إلى تشخيص واقع (الإعلام العلمي)، وتحديد معوّقاته، واستكشاف طرق تفعيله وتطويره.

- دعوة المؤسسات الإعلامية ووسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة إلى تخصيص الإمكانات والموارد والبرامج والإصدارات في مجال (الإعلام العلمي) الذي يهتم ببثّ الحماس والتفاعل مع القضايا العلمية والتطورات التقنية، ويبرز التأثيرات التنموية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية الناجمة عن (الحركة العلمية - التقنية)، ويعكس مساحات (الثقافة العلمية) المتنوّعة، وذلك كجزء جوهري من دورها الحيوي في تنمية وعي المجتمع ومشاركاتها المشكورة في مجالات الرقي الفكري والثقافي والتنموي.

- دعوة المؤسسات الإعلامية ووسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة إلى إعداد الكوادر البشرية في مجال (التحرير العلمي) وتقنياته المتخصصة، وتطويرها مهنياً وعلمياً وتقنياً عبر الدورات والبرامج التأهيلية، مما ينعكس إيجابياً على الأداء المعلوماتي والمحتوى العلمي للفعاليات الإعلامية على الصعيد العلمي- التقني، ويدعم (الحركة العلمية - التقنية) على المستوى الوطني بخاصة، والمستوى العربي بعامة.

- التوصية بأن يصبح هذا الملتقى ملتقى سنوياً تتلاقح فيه عطاءات المهتمين بمجال (الثقافة العلمية) ذي الأبعاد المختلفة في الرحاب الفكرية والثقافية والمعلوماتية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية والتنموية وغيرها.

- الدعوة إلى تأسيس جمعية علمية تُعنى بأوجه (الثقافة العلمية) المختلفة تحت اسم (الجمعية السعودية للثقافة العلمية) على غرار الجمعيات العلمية الأخرى في المملكة، ووضع نظامها الأساسي، واتخاذ الإجراءات النظامية للحصول على الموافقة على تأسيسها، على أن يكون من أبرز أهداف هذه الجمعية:

- الإسهام في وضع استراتيجية وطنية لنشر (الثقافة العلمية) عبر مختلف شرائح المجتمع، وتحديد آلياتها ومقتضياتها.

- توظيف الإمكانات المتاحة وتنسيق الجهود في مجال (التوعية العلمية) وتطوير البنى الفكرية والثقافية لتوجيه الشباب نحو القيم الإنتاجية، وأخلاقيات العمل، وتنمية الحسّ العلمي، وبلورة التطلّعات التنموية، وتعميق المفاهيم العلمية، وترسيخ (التفكير العلمي)، بما ينأى بالشباب عن مزالق الانحراف ومكامن الشبهات، ويهيئهم للتعامل بفاعلية وحيوية مع عصرهم بعيداً عن مشاعر الاغتراب والإحباط والقلق والانغلاق التي تعتبر من أسباب اختلال (الأمن الاجتماعي) ودواعي غياب (الأمن الفكري).

- تحفيز القطاع الخاص على التفاعل والمشاركة في دعم (استراتيجية نشر الثقافة العلمية)، وتطوير آليات مناسبة تعزز دور القطاع الخاص في تحقيق النهضة الوطنية بمحتواها الثقافي- العلمي، مما يلبّي الاحتياجات التنموية، ويسهم في التحفيز على طريق التأهيل الثقافي للتفاعل بحيوية مع مجالات التدريب التقني، وطرائق البحث والتطوير، ومتطلبات التأهيل المهني.

- القيام بإجراءات الرصد والتحليل والتقويم والتنسيق والمتابعة فيما يتعلق ببرامج (الثقافة العلمية) ونتائجها ومعوّقاتها ووسائل تنشيطها.

- إجراء عمليات القياس والتقويم الدورية وفق المعايير المعتمدة دولياً للتعرّف على التطوّر الناتج في (البنية الثقافية) و(العناصر المعرفية) على الأصعدة العلمية والعملية والمعلوماتية والإنتاجية، وتشخيص المعوّقات، ودراسة الحلول.

- التعاون مع الهيئات العالمية والجمعيات الدولية المهتمّة بمجال (الثقافة العلمية)، والاستفادة من تجاربها وفعالياتها ونظمها وإجراءاتها.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة