الرئيسية > فن

سينمائيات

(شون بين).. كيف أصبحت بارعاً إلى هذا الحد؟.. (3)..



رجا ساير المطيري

إذن فالنجم (شون بين) سينتظر حتى العام 1995 ليبدأ ثورته الكبيرة، المتفجرة إبداعاً، والتي امتد أثرها حتى يومنا هذا، في رحلة متميزة، تمخضت عن أدوارٍ عظيمة واستثنائية جعلته أحد أهم نجوم السينما المعاصرين. وقد لا تُدرِك حقيقة العظمة التي تنطوي عليها ثورته هذه إلا إذا حددتَ الأفلام التي ظهر فيها منذ ذلك الحين. فعندما تذكُر فيلم (النهر الغامض-Mystic River) وبقية رفاقه (21 غرام) و(هيرلي بيرلي-Hurlyburly) و(رجل ميت يمشي-Dead Man Walking) و(أنا سام-I Am Sam) و(الخيط الأحمر الرفيع-The Thin Red Line) و(دوران-U Turn) فإنك لا شك ستقف احتراماً لفنان شارك في هذه الأعمال وقدمها خلال عشر سنوات فحسب.

هذه المدة القصيرة أظهرت التزاماً كبيراً يتمتع به (شون) على الصعيدين الفكري والفني. فبدايته، في هذه المرحلة، كانت مع فيلم (رجل ميت يمشي-Dead Man Walking) الذي أدى فيه دور الشاب (ماثيو) المحكوم عليه بالإعدام بسبب جريمة بشعة، قتَلَ فيها شاباً مع صديقته. وخلال دقائق الفيلم، نبحر في لجة التأملات التي يطلقها (ماثيو) قبل أن يودع الدنيا، وتشاركه هذه الرحلة النجمة (سوزان سوراندون) التي اضطلعت بمهمة مرافقته كمبعوثة من الكنيسة، وهي رحلة عذاب وتأنيب ضمير قاتل، فتّاك، يتأكل (ماثيو) وينهشه بقسوة، أثناء مسيرته المحتومة، نحو الموت. والفيلم بهذه الأجواء السوداء يتعرض إلى مفاهيم الخطيئة والتوبة والوجود والموت بشكل دقيق وحاد. وقد أظهر (شون بين) براعة في تجسيد هذه المشاعر مسجلاً بذلك أول أدواره العظيمة. ليكسب ترشيحه الأول لأوسكار أفضل ممثل عام 1995.

لم يكن هذا الدور سوى انطلاقة لهذا الممثل، ذلك أن أدواره التي جاءت من بعد لم تخرج عن نطاقه النفسي العميق، فهو يقدم دوراً شبيهاً في فيلم (She s So Lovely) -الذي ظهر عام 1997- ويؤدي فيه دور شاب يعيش انحطاطاً لا مثيل له، ويشعر بأن هناك مشكلة في حياته، لكنه لا يدرك كنهها ولا يعلم حقيقتها، لذا يستسلم لشكوكه، فينفذ جريمة قتل، يدخل على إثرها السجن، فتنقطع عنه أخبار زوجته التي يعشقها عشقاً كبيراً لا يتصور لحياته أي معنى من دونه. ثم وعقب انتهاء فترة سجنه، يخرج ليبحث عنها، محملاً بأعباء نفسية رهيبة، فيجد أمامه عقبة ضخمة تتمثل في شخص النجم (جون ترافولتا). بعد هذا الفيلم المشبع بالسواد والكآبة، وفي ذات السنة، شارك (شون) في فيلمين رائعين هما (اللعبة-The Game) للمخرج (ديفيد فينشر) و(دوران-U Turn) للمخرج (أوليفر ستون). ثم انتظر حتى عام 1998 ليقدم فيلم (هيرلي بيرلي-Hurlyburly) وهو فيلم مختلف، بحواراته الطويلة، وبمشاهده الأطول التي صورت بطريقة مسرحية في مكان واحد. وشاركه البطولة نخبة من النجوم يتقدمهم (كيفن سبيسي) و(ميغ رايان) و(تشاز بولمنتيري). في أحد مشاهد هذا الفيلم، وبعد أن سُحِقَ (شون) تماماً، نظر إلى شاشة التلفزيون التي كانت تعرض أخباراً عن مجازر وحروب وجثث ودمار، فقال وهو يبكي: (ما الذي يريده هؤلاء حين يبثون أخباراً كهذه، ما هو المغزى؟ إنهم يتعمدون قتل كل شيء جميل في هذه الحياة).. هو يقصد وسائل الإعلام ومن يقف وراءها.. ومن هنا تبدو بوضوح نبرة الرفض والاحتجاج..

أيضاً في العام 1998 شارك بدور بسيط في الفيلم الحربي (الخيط الأحمر الرفيع- The Thin Red Line) للمخرج (تيرينس مالك) صاحب النفس الشاعري الفلسفي الذي قدم في فيلمه هذا رؤيته تجاه الحرب وفلسفة الحرب بأسلوب ناعم ورشيق.. بعده قام (شون) ببطولة فيلم (Sweet and Lowdown) للمخرج (وودي ألان) وفيه أدى دور شخصية المغني الأمريكي السيئ (إيميت راي) الذي عاش أوائل القرن الماضي.. العام 2001 شهد ظهوره في دور المعتوه (سام) الوالد الذي تربطه علاقة حميمة مع طفلته الصغيرة الرائعة (داكوتا فانينغ).. كان ذلك في فيلم (أنا سام-I Am Sam) الذي ترشح عنه لأوسكار أفضل ممثل. وشاركته بطولته النجمة (ميشيل فايفر).. أما أوسكاره الأول والوحيد فحققه في العام 2003 عن دوره في رائعة العجوز (كلينت إيستوود) فيلم (النهر الغامض-Mystic River).. في هذا الفيلم يؤدي (شون) دور رجل تموت ابنته الوحيدة بطريقة بشعة، فيسعى إلى الانتقام، إلى أخذ القصاص بنفسه، متجاوزاً القوانين الوضعية، والميزة هنا، أن تصرفه هذا جاء متسقاً مع نواميس الكون وقانون الطبيعة.. فهذه هي الحياة، بغموضها اللذيذ الذي لا يمنح تبريراً لكل ما يحدث فيها، إنها دورة من الألم والخيبة والمصائب، لا مكان فيها لأي جدوى وأي معنى، فالماضي البائس سيعود مكرراً نفسه بذات الهيئة، وسينطمس، ثم يعود، وهكذا إلى الأبد.. وهو نَفَسٌ ثقيل غلفه العجوز (إيستوود) بلون أزرق شاحب، استطاع (شون) ورفيقاه (تيم روبينز) و(كيفن باكون) أن يعكسوه ألماً ويرسموه حزناً وبكاءً..

لكن هل هذا كل شيء؟ كلا.. كلا.. فما تزال حكايته مع الإبداع مستمرة، فهو في نفس السنة 2003، سيظهر في فيلم عظيم آخر هو فيلم (21 غرام) للمخرج المكسيكي (أليخاندرو غونزاليس).. وهنا تبدو الرحلة الكريهة للموت، وتبدو التأملات الفلسفية العميقة بشكلها المؤلم والمخيف، وفوق ذلك برزت بوضوح حرفية المخرج البارع (غونزاليس) بأسلوب سرده الطليق الفتان الذي قام من خلاله بنثر الصور دون تقيد بأشكال السرد التقليدية حيث البداية تليها الذروة ثم النهاية. لقد قام بخلط كل شيء وتاهت البداية في زحمة الذروة. أما النهاية فقد مرت من أمامك خلسة دون أن تدري أنها النهاية! وفي ثنايا ذلك كله، كان (شون) حاضراً بأدائه البديع، وفي دور يبدو أنه من النوع الذي يفضله، ذلك النوع المشبع بالبكاء والحيرة.. بعد هذا الألق جاء ليختم المسيرة مع فيلم (اغتيال ريتشارد نيكسون-The Assassination of Richard Nixon) في العام 2004 والذي يبدو كما لو أنه تلخيصاً لكل ما يحمله (شون) من أفكار وتصورات، فهو من ناحية جاء متماشياً مع التزامه الفني الذي يجبره على اختيار الأدوار الجادة والعميقة التي تفسح المجال لقدرات الممثل الكامنة أن تتفجر على سطح الفيلم، ومن ناحية أخرى فالفيلم يؤكد التزامه الفكري الأخلاقي الذي أعلنه سابقاً في مواقفه الانسانية والسياسية ضد الإدارة التي تحكم بلاده، وهو هنا يؤدي دور رجل اكتشف معادلة الكون وظهر له أن الدنيا سائرة إلى نهاية مأساوية، فيقرر ببساطة أن ينهي القضية وأن ينقذ البشر وذلك باستهداف رأس الأفعى..

الآن.. وأنت تقف أمام أدوار وأفلام عظيمة كهذه.. فما الذي يمكن لك أن تفعله غير الإعجاب بهذا الفنان المثقف الملتزم؟.. إنك ببساطة ستسأل: (شون بين).. كيف أصبحت بارعاً إلى هذا الحد؟..

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    الآن.. وأنت تقف أمام أدوار وأفلام عظيمة كهذه.. فما الذي يمكن لك أن تفعله غير الإعجاب بهذا الفنان المثقف الملتزم؟.. إنك ببساطة ستسأل: (شون بين).. كيف أصبحت بارعاً إلى هذا الحد؟..
    ( ! )

    هناء - زائر

    10:34 مساءً 2006/05/02


  • 2
    المثقف يعجب بالمثقف لانه ببساطة بشعر بشخصياه الميزة هو ذاته من خلال مايؤديه هذا الممثل المتألق كالكاتب المبدع المتألق

    حورية الجوهر - زائر

    11:43 مساءً 2006/05/05



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة