الخميس 29 ربيع الأول 1427هـ - 27 أبريل 2006م - العدد 13821

حول العالم

المرأة التي ترفض أن تموت

فهد عامر الأحمدي

    (من الناحية النظرية) يمكن أن يعيش جسم الإنسان الى الأبد.. فخلايا الجسم تتجدد باستمرار ويتم تعويض ما يموت منها بخلايا جديدة مماثلة. وأثناء نمو الإنسان - من سن الطفولة الى الشباب - يزيد معدل تعويض الخلايا على موتها وزوالها فيتضخم الجسم وينمو. أما في سن «الشيخوخة» فتتراجع آلية التعويض - أمام تناقص وضعف الخلايا الموجودة - فيبدأ الهرم وانحناء الظهر وتراجع الوزن!!

ومن الألغاز العويصة التي حيرت العلماء حتى اليوم هو طبيعة «البرنامج» الذي يأمر الخلايا بالنمو والانقسام - أو «آلية التوقف» التي تدخله مرحلة الشيخوخة والهرم!

.. والعجيب أكثر أننا حتى حين نصل لسن الهرم والشيخوخة يمكن لخلايانا الحية (في ظروف خاصة) أن تنمو وتتجدد بسرعة تفوق سن الطفولة؛ فحين يصاب شيخ ما بجرح عميق (يظهر كخندق طويل مثلا) فإن خلايا الجلد (على طرفي هذا الخندق) تنشط فجأة وتنمو بسرعة (مقتربة من بعضها البعض) حتى يندمل الجرح تماما.. وحين يلتقي الطرفان ويتماسان مع بعضهما البعض يتوقف نمو الخلايا فجأة - بطريقة مبرمجة ومحسوبة - بحيث يعود الجلد أملس كما كان..

ولاحظ هنا أن نمو الخلايا كان يمكن أن يستمر بلا توقف أو ضابط (حتى بعد تماس الجهتين) فيبرزان للأعلى كورم جلدي بشع. وهذا الاحتمال يوضح الفرق بين الخلايا السرطانية الشاذة والخلايا الطبيعية السائدة في الجسم؛ فالخلايا الطبيعية مبرمجة للنمو والتوقف لأداء مهمة معينة ومحسوبة، أما الخلايا السرطانية فخلايا فقدت (برنامج السيطرة) فتظل تنقسم وتنمو بلا توقف - حتى تتحول لورم قد يدمر العضو تماما..

ولأن الخلايا السرطانية تنمو باستمرار يمكن أن القول أنها تحولت الى خلايا خالدة (لولا موتها في النهاية مع الجسم نفسه).. وهذه الحقيقة العجيبة تقودنا للحديث عن واحده من أغرب الحالات الطبية التي عرفها القرن العشرون - ومازالت مستمرة حتى يومنا هذا. ففي أكتوبر 1951 توفيت امرأة سوداء (تدعى هنريتا لاكس) بسرطان «عنق الرحم» في مستشفى جان هوبكنز. وأثناء الفحوصات الأولية أخذت عينات من خلاياها السرطانية الى الدكتور جورج جاي رئيس قسم الأنسجة في المستشفى. وهناك اكتشف أن هذه الخلايا لم تستمر فقط بالانقسام (خارج جسد هنريتا) بل وحافظت على نموها بنفس القوة والعنفوان. وبدون علم عائلتها استخرج الدكتور جاي عينات أخرى فور وفاتها لأغراض البحث العلمي. وبفضل تهيئة الوسط المناسب استمرت هذه الخلايا بالانقسام والنمو (حتى يومنا هذا) رغم وفاة صاحبتها.. ومنذ ذلك الحين تم توزيع هذه الخلايا على عدد كبير من المراكز الطبية لأغراض بحثية مختلفة - كإنتاج اللقاحات، ودراسة آلية الانقسام، ومكافحة الأورام السرطانية!!

.. وفي ذلك الوقت أخفى المستشفى هوية المريضة وأطلق على هذه الخلايا اسما مختصرا مازال يستعمل حتى اليوم في الأوساط العلمية (خلايا هيلا؛ أو The Hela cells) . غير أن اسم «هنريتا لاكس» تسرب للصحافة - مع صورتها الفوتوغرافية - بعد 20 عاما من وفاتها مما دعا عائلتها (التي لم تعلم بالموضوع حتى ذلك الوقت) لرفع دعوى ضد المستشفى في بلتيمور.

ورغم اعتقاد بعض العلماء بأن الانقسامات المتوالية - التي تعرضت لها الخلايا - حولتها الى مخلوق مختلف ومستقل بذاته؛ إلا أنها تظل «خلايا بشرية» مازالت تعيش وتنمو بنفس الوتيرة منذ 55 عاماً.. وحقيقة كهذه تعني أنها تحولت - ليس فقط الى مخلوق يرفض الوفاة ويستنسخ نفسه باستمرار - بل واستثناء يثبت القاعدة التي برمجت عليها كافة المخلوقات (النمو.. ثم الهرم.. ثم الوفاة)!