الخميس 29 ربيع الأول 1427هـ - 27 أبريل 2006م - العدد 13821

ضوء صحفي

انشتاين أو حمار!!

    يقول الشباب السعوديون فيما بينهم أن من علامات الحمق أن تصادق شخصاً أذكى منك. لماذا؟!.. لأنك باختصار ستكون أحمق بجانبه. ولأن عدد الأذكياء قليل جداً في كل مجتمع فإنهم يواجهون حملة عنصرية لأنهم يتمتعون بلمعان ذهني بشكل يزدري الآخرين بصورة غير مباشرة.

أيام الدراسة كان المتفوقون يشكلون مجموعات صغيرة ينفر منها الطلاب الآخرون الضعيفون باستثناء أيام الاختبارات والسبب يعود لأن هؤلاء الطلاب يكرهون أن تلتصق بهم صفة الطالب المتفوق المهذب والخواف وهي بعكس الشخصية المنفلتة الساحرة التي يبحث عنها غالبية المراهقين، والسبب الآخر هو أن هؤلاء الطلاب المتفوقين يمثلون المرآة التي تقول للطلاب الآخرين كم هم سيئون وأغبياء.

يبدو الناس متقاربو الذكاء في الحياة العادية. عندما يطلق شخص زوجته بسبب أشياء تافهة لا يعرف أحد إذا كان يعتمد على عقل غبي جداً لأن هناك جانبا من الواقع غائم كلياً ويمكن أن يجعله أحد مبرراته. القوانين الاجتماعية والتاريخية في الحياة غير واضحة تماماً وأنت بحاجة إلى عقل مرن كي يلتقطها ويستلهم أفكاره منها. ولكن ماذا عن القوانين الرياضية والفيزيائية. ستكون معها ذكياً إذا عرفت أن تحلها أو غبياً إذا لم تتوصل لنتيجة صحيحة.

الكثير من الشباب السعوديين يواجهون مشاكل في فهم واستيعاب القوانين الرياضية وفك رموزها، لذا لأن الصوت المزعج الذي يصيح في أعماقهم ويقول لهم كم هم أغبياء يمثل لهم عقدة مؤلمة على مر السنوات.

يقول رشيد عبدالله: «كان لدينا مدرس رياضيات قاسي القلب.. كان يصنف الطلاب في مجموعات مختلفة حسب إجاباتهم في التمارين اليومية.. هناك فئة الأذكياء الذين يحلون جميع المسائل الحسابية وهناك متوسطو الذكاء الذين ينجحون في بعض المسائل ويخفقون في الأخرى، وهناك مجموعة الأغبياء الذين كنت دائماً معهم، وكنا نواجه إذلالاً يومياً بسبب اننا لا نستوعب التفاصيل المعقدة للمسائل الحسابية. بت أكن كراهية شديدة للرياضيات».

الشيء السيىء في الأمر هو أن تكون شخصاً غبياً في الفهم الحسابي لا يتعلق بكونك شخصا مهملا أو مقصرا، بل الأمر يتعلق تركيبتك الذهنية التي تفتقد المرونة في الاستنتاج والربط بين المعلومات المتباعدة. الأمر أشبه بموهبة الشعر أو الرسم فأنت لن تكون كذلك مهما بذلت من جهد ولن يطالبك أحد بذلك في المدرسة أو الجامعة أو في الحياة العادية ولكن كونك لا تحل مسألة حسابية بسيطة فهذا يلطخك بعار الحمق.

يقول عبدالله الحمد: «كانت هذه إحدى عقدي في الحياة، أنا كنت طالباً متفوقاً في غالبية المواد باستثناء المواد الحسابية فكنت أتحول إلى حمار بالكامل. كل محاولاتي كي أبدو أذكى باءت بالفشل.

اضطررت الى أن أحفظ المسائل الحسابية عن ظهر قلب، ولكن أي مسائل مفاجئة وبأرقام مختلفة وهذا ما يقوم به المدرسون دائماً كان يربكني ويشل عقلي. شعوري وأنا اتجلل بالعار عندما كان المدرس يوزع علينا درجات الاختبار وكان درجتي بين الدرجات المنحطة لا زال يرافقني».

في مجتمعنا إما أن تكون انشتاين أو حماراً، وهذه بالطبع طريقة تفكير بدائية جداً، ولكن ما زال الكثيرون وحتى من الشباب مع أبنائهم الصغار يمارسونها. فإذا لم يعرف ابنك الصغير المسائل الحسابية البسيطة التي تعلمها إياه قبل دخول المدرسة فستبدأ باطلاق التحذيرات على غبائه المبكر.

في الواقع هو لن يواجه مشاكل ولن يشعر بأنه معتوه إلا بسبب هذه الطريقة التي تقسم الناس بين صنفين أذكياء وأغبياء مع أن هؤلاء الأذكياء جداً قد يكونون أغبياء جداً في طريقة عيشهم والتخطيط لمستقبلهم. نظرة متوازنة وعقلانية قد تغسل الكثير من العار الذي بدأ يلتصق على أرواح الكثير من الأطفال فقط لأنهم لن يعرفوا مسألة حسابية لرموز مجهولة.