بحث



الخميس 29 ربيع الأول 1427هـ - 27 أبريل 2006م - العدد 13821

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


كزهر اللوز.. أو أجمل

د. معجب الزهراني
    سماع محمود درويش وهو يلقي شعره متعة كبرى. وقراءته بصمت وهدوء متعة أقل وأعمق. أما الكتابة عنه فالمؤكد أنها ممتعة وشاقة في الوقت نفسه. وهي هكذا لأن جماليات الشعر في نصوصه هي من الغنى والتنوع والغموض والفتنة بحيث تتعذر الكتابة عنها دون اختزال لا يبرأ من التشويه. في بعض مقارباتي لشعر قاسم حداد ذهبت إلى ضرورة التمييز بين «شاعر التجربة» و«شاعر النص». فمنجزات الأول عادة ما تأخذ الخطاب الشعري السائد إلى مواقع جديدة تثري الأفق الجمالي وتفتحه على مجهولات واعدة تغري كثيرين بارتيادها. هذا ما لا تحققه النصوص المفردة التي هي متاحة لكثيرين ،وقد تكون متميزة بكل المعاني ،لكنها تظل كالومضة العابرة لقبس رأس جبل، تضيء وتختفي، وقد تتحول إلى عائق حقيقي أمام تطور تجربة الذات ذاتها (بعض النصوص قاتلة فعلا)!.

هذا التمييز ضروري معرفيا لتفهم الاختلافات بين المنجزات والحوار معها كما ينبغي. نعم، قد يجد البعض في قول كهذا عودة ما إلى المقولات التصنيفية المعيارية التي لم يعد النقد الحديث يعترف بوجاهتها. لكن الشعراء في العالم العربي يعدون بالملايين. وهم يكتبون في كل المناسات ،وينشرون بالفصيحات والعاميات، ويجربون كل الأشكال التقليدية والحديثة.

وإذا كان من تمام حق أي أحد أن يعتبر نفسه شاعرا لايشق له غبارولا يحلق معه في مدار، فإن من واجب المعرفة النقدية التمييز بين الظواهر والأشياء بأقصى قدر ممكن من الدقة والصرامة.

كثرة الشعراء قد تدل على قلة الشعر. شعراء التجربة في كل زمان ومكان يعدون على أصابع اليد أو اليدين.والسيولة العاطفية في هذا الفضاء هي التي تنتج لنا شعراء لا كبير قيمة جمالية أو فكرية لما يكتبون وإن وجدنا سيرهم ونماذج من نصوصهم تحتل الصفحات الأولى من «الموسوعات الشعرية» التي يغلب عليها منطق التجميع والترتيب بحسب قوانين الأبجدية!. محمود درويش ليس شاعر تجربة غنية متجددة باستمرارفحسب، بل يكاد يكون ظاهرة شعرية فريدة من نوعها. فللمرة الأولى ينجح شاعرحديث في الجمع بين أمور كنا نحسبها من قبيل الأضداد. فهو شاعر جماهيري من الطراز الأول، لكن قصيدته لا تتنازل عن شيء من جمالياتها لأي أحد ولأي مبرر.

كأن الشاعر قد عود جمهوره على اللقاء في أعالي اللغة حيث يأخذهما الشعر ذاته إلى ذرى لا ترى فتغري الطرفين بالمزيد من التحليق.حضرت له، صدفة، أمسيات في دمشق والقاهرة وباريس وفرانكفورت. لم يكن من السهل العثور على مكان في القاعات ضاقت أو اتسعت.أكثر من ذلك لقد لاحظت في المدينتين الأوروبيتين عينات من جمهور لايحسن العربية.لكأنه جاء ليسمع موسيقى الشعرتشع من شاعريتقن أداءها ويتفنن في تجسيدها صوتا وصورة وحركة. وأكاد أجزم أن لو دعي محمود درويش إلى أي مدينة عربية ونظمت له أمسية في استاد رياضي لامتلأ ب«الجماهير». واستخدم هنا صيغة الجمع وعلامة التقويس لأن هذا الشاعر يستقطب اهتمام أناس من مختلف الفئات و الأعمار والأذواق والثقافات والتوجهات. جمهوره إذن غير نمطي لفرط تنوعه. يختلف كليا عن جمهور شعراء آخرين مثل نزار قباني أو مظفر النواب تمثيلا. فإذا كانت قصيدته أو شعريته تطرح أسئلة جدية على المتلقي العارف والناقد المحترف فمن غير الممكن أن تكون جماهيريتها عادية أو قابلة للتفسير السهل.

هناك، دائما، إيقاعية قوية منتظمه متوازنة في نصوصه، لكنها ثرية النبرات متعددة المستويات كما هي أصوات السمفونيات الكبرى والصغرى. وهناك ،ودائما أيضا، الصور الشعرية التي تبتكرمن التأليف المرهف بين التعبيرات الأكثرعادية وألفة والتعبيرات الموغلة في الغرابة والدهشة. وهناك كذلك قضايا الانسان التي تبدأ من بسيط الحياة اليومية (جلسة في مقهى أو عزلة في غرفة أو اطلالة منهما على العابرين في شارع أو حديقة) ولاتنتهي عند قضايا المجتمع أو الوطن أو الأمة.. لا تنتهي هنا لأنها عادة ما تنفتح على أسئلة الوجود التي تحف بالحياة والموت والمصير.

أما الرؤية التي تثوي وراء النص فهي من الاتساع والعمق والحميمية بحيث يمكن أن تشمل بدفئها أشياء الطبيعة وكائناتها ، وكأن الشعر عنده تعبير جزئي عن شعرية منسربة كل شيء وكامنة في كل كينونة. هذا بعض ما يمكن اصطياده من السمات العامة لهذه التجربة المتفردة المتجددة التي تميز هذا الشاعر وتؤمن حضوره في مشهد جمالي يتسع باستمرار. أكثر ما يلفت نظري ويدهشني في نصوصه، أغلبها، هوما قد يفاجئ كثيرين.. حتى الشاعر نفسه ربما.

أعني هذه الثقافة الفلاحية التي أزعم أنها تشكل الجذر الجمالي- الفكري العميق لشعره ولنثره، وتجعله يبدو لي أحد الممثلين الكبارلشعرية غنائية أو «رومانسية» تحسن تجديد ذاتها فيما وراء مقولات النظرية النقدية.

نعم هناك علاقة حب مفتقد متوقد بين هذا الشاعر- الانسان وبين أرض لا تكون أليفة بسيطة غنية كريمة جميلة إلا حينما تختزل في الحقل أو في الشجرة أو في زهرة. نعي جميعا فداحة الحدث التاريخي الذي أصابه وملايين البشر بفعل الاحتلال والتوسع للكيان الصهيوني في أرض فلسطين.نعي أيضا فداحة الخسارات والانكسارات التي أصابت المثقفين الذين شاركوا في صنع أحلام تسربت، وفي لحظة اكتمالها ذاتها، من بين أصابعهم كالماء لفرط الثقة في وجاهة الحلم مولدا للأمل وحاضنا لصورة المستقبل. لكنني أزعم أن غربة الشاعر وشعوره الدائم بالنفي في كل المدن، البلدان التي أقام فيها يعود في جزء جوهري منه إلى افتقاده لعالم الريف وثقافته التي أحسبها أكثر الثقافات تأسيسا لعلاقات الألفة والمحبة والاحترام المتبادل بين الانسان والطبيعة من حوله..

أجمل استعارات نثره وشعره هي تلك التي تحيي مخيال اللغة الفلاحية المتجذرة في الهلال الخصيب كله لا في فلسطين فقط (أغاني فيروز هي منافسته الكبرى على هذا الكنزفيما أزعم). سأطل على ديوانه الأخير من هذا الموقع تحديدا. سأطل عليه من هنا لأنني أنا أيضا أجد في ذاتي ذاتا مغتربة منفية محاصرة في أي فضاء لا يشبه حقول الطفولة الأولى.كان رينيه شار يقول «يعجبني الانسان شجرة في مطلع نيسان غير واثقة من نهاياتها». وحينما قرأت ديوان «كزهر اللوز أو أبعد» تراءى لي الشاعرذاته زهرة لوز غيرمطمئنة لمصيرها لكنها واثقة كل الثقة في حضورها كينونة جمالية حية فاتنة متجددة بتجدد مواسم المطر وفصول السنة وأحلام الانسان. ولاعبرة هنا بأي غبار عابر لأن الأراضي الخصيبةعادة ما تغري الغزاة،وحتى الجراد، بعبورها.

3 تعليقات
تنويه: في حال وجود ملاحظة أو اعتراض على أي تعليق يرجى الضغط على (إبلاغ)

 


..زهرة لوز غير مطمئنة لمصيرها لكنها واثقة كل الثقة في حضورها كينونة جمالية حية فاتنة متجددة بتحدد مواسم المطر و فصول السنة وأحلام الانسان...
أعجبتني هذه العبارة و هذا التشبيه الجميل للشاعر.. ولكن ألا يوجد شعراء في المملكة يتصفون بهذه الصفات - يا حبذ أن تذكر لنا بعض شعراء المملكة المتميزين في أفكارهم الشعرية وإلقائهم و...
شكراً لك يا د/ معجب على مقالاتك الرائعة.


أم ديانه
ابلاغ
03:42 مساءً 2006/04/27

 

جمالية النقد


قد يتبادر الى ذهن العديد من القراء ان مفهوم النقد ووقعه يتصف دائما بالتضاد وبعض الجفوه, لما لهذه العباره من توظيف احيانا في غير مسارها الحقيقي او سوء التعامل مع مضمونها, لكن بعد قراءه متانيه لهذا الطرح ( الوثيقه) اسلوبا ومعالجه, والتامل في معطيات الحرف وانتقاء المفرده لاشك ان هناك تحولا اكيدا لهذ المفهوم, تهنئه استاذ معجب على هذا الدخول الانيق لسبر غور الكلمه, ولك وقراء الرياض عاطر التحيه.


احمد حسين عسيري
ابلاغ
08:23 مساءً 2006/04/27

 

كأقرب من زهر اللوز


قراءت معمقة في ذاتها تعطي الجمال جمالا
سلمت يا دكتور معجب الزهراني
ولو تفضلت عليّ ادارة الموقع بالعنوان البريدي للدكتور معجب الزهراني حتى اتمكن من مراسلته
مع وافر الشكر والتقدير
ناصر عطا الله
شاعر وكاتب
رئيس تحرير ملتقى شعراء العرب


ناصر عطا الله
ابلاغ
11:20 صباحاً 2006/06/16


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







أعداد سابقة | نسخة أجهزة كفية | اتصل بنا | RSS |
جوال الرياض | القسم التجاري | مركز المعلومات | الإعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية