الرئيس الصيني.. وحكمة «كونفوشيوس»
لم يكن تاريخ الصين مرتبطاً بغزوات وحروب مع الدول المجاورة، بل كان الشعب العظيم ضحية استعمار آسيوي وغربي، وربما كان السبب اتساع الجغرافيا، وتوافر الإمكانات المعيشية التي تجعله في غنى عن شن الحروب والدخول في صراع خارجي، أو لعلها حكمة (كونفوشيوس) التي دللت على قيم السلام والعدل ورفض التقاتل، والاستشهاد بحكمة «لا تعطني السمكة، بل علّمني كيف أصيدها» و«دع مائة زهرة تتفتح»..
الرئيس الصيني مخاطباً مجلس الشورى السعودي، استعمل مفاتيح التعايش الإنساني باستخدام كلمة «بناء العالم المنسجم» ونحن معه بأن قواعد الحضارات وخصوصياتها، وسبب انتشارها لم تكن نتيجة هيمنة القوي على الأقل نفوذاً ومسالمة، وإنما كانت الحضارات هي التاريخ السلمي للبشرية والتي أغناها الأنبياء العظام والحكماء، والعلماء الذين أخرجوها من نطاق البدائية إلى العلوم والحقوق المتساوية..
وإذا كانت الصين وحضارتها شاهداً حاضراً على الأرض منذ أجيال طويلة، فإن المملكة منبع الإسلام، استطاعت أن تهب العالم بناءً عظيماً في العقيدة المتسامحة، والتي سادت العالم بأسبابها الجوهرية، لا بما يُقال عن نزعتها العسكرية وغزواتها وفتوحها، ومن هذا التاريخ المشترك يأتي لقاء قيادة الصين مع قادة المملكة ثمرة حوارات جسدت علاقات الصداقة، والتعاون وبناء الثقة التي هي عربون الشراكة الحقيقية في عالم يسعى إلى تحقيق أكبر المكاسب لمواطنيه والدفاع عن أمته بخلق قيم تتسم بالسلام بدلاً من تعميق العداوات وشن الحروب..
لقاء مجلس الشورى، لا يُعد رمزياً بأن يكون الرئيس الصيني، الرجل الثاني والمهم، بعد الرئيس الفرنسي (شيراك) اللذان خاطبا جمهور المملكة والعالم بعلاقات لا تقوم على الفواصل وعدم احترام الخصوصيات لكل شعب وتقاليده، ومقدساته أو تراثه، بأن يكون ميدان نزاع وافتراق، ولعل الوصول بهذه الأقوال إلى أن تكون روابط بين شعوب وأمم سوف يحقق بدايات تعايش طبيعي بين مختلف الأنماط البشرية..
الصين خرجت من رماد الحروب والحكم الشمولي بقائمة أكبر دولة في التاريخ تحقق نمواً في دخلها غير مسبوق، وهذا التحول لا يرتبط بعقيدة، أو أيدلوجية، وإنما بتحديات الدولة الأكبر في حجمها البشري أن تدخل سوق المنافسة حتى تقف مع الأنداد بنفس الصف الأمامي، ولعل المملكة التي تحتاج إلى علاقات (منسجمة) وفقاً لكلمة الرئيس الصيني، تريد أن تكون شريكاً يحمل كل الصدق لبلد بنى معماره على الحكمة والسلام، بإزالة الفواصل القانونية والتعقيدات الإدارية بحيث نصل إلى عمل مشترك، سواء في مجالات الطاقة التي تحتاجها الصين، أو تجربتها التي تحتاجها المملكة في ميادين البحوث والعلوم والإنتاج، ومجالات الاستثمار التي تأتي كعربون صداقة تربط البلدين بعقد عمل طويل ومنسجم..