وقفت عاجزة أمام شجرة الحياة.. ألملم أجزائي المبعثرة لأجمعها في صرّة الحياة وأحكم إغلاقها وأحملها على ظهري لأتابع المسير.
مددت يدي لتلتقط حزني.. فيهتف بي صارخاً.. ويحك ريم.. انتهى ماضيك؟!.. ا نتهى حزنك؟!...
فصرخت بألم جاثية على ركبتي.. وظهري قد انحنى يعجز عن حملي لجلل المصاب.. مطلقة لدمعي العنان ليجري منهمراً حرّاً.. غير عابئة بحجمه أو كميته..
وألمي يهتف صارخاً مجلجلاً طارقاً قضبان صدري.. يريد أن يتفلّت ومحاولة كبحه يعقبها زلزال يهزني.. وصرخة بعد صرخة.. مكتومة بين حنايا صدري... و كتمان الألم يعتصرني.. يؤلمني.. فألملم كلتا يديّ حول صدري أحاول تهدئة روعي.. فأعجز.. فأنظر حولي فأرى عيوناً تائهة حزينة، ووجوهاً شاحبة صامتة يعتصرها الألم.. فيزداد ألمي فهي إذن حقيقة ماثلة.. يحاول فكري الهروب منها إلى الخيال وأبتعد عن الواقع الأليم.. لكن المصاب أكبر فأفيق على الحقيقة المرة ثانية.. ويزداد ألمي.. إنه قضاء الله وقدره..نستقبله بالتسليم والرضا.. ولكن ألم الفقد يخيم علينا كشبح أسود يصيب العيون بالغبش فتمتد لتنتزع من قلوبنا الصبر والرضا غير عابئ أو راحم عبرة محب..
والدي بكيتك وتمنيت ألا أبكيك.. حزنت وتمنيت ألا أحزن.. وتمنيت ألا أتألم.. فالله سبحانه وتعالى أكرمنا بك.. فوهبك ما لم يهب إلا القلة من عباده.. ميزك بصفات جليلة.. قديرة.. حملت لواء التقى والهدى.. وفتح أمامك طريق الخير لتكون نبراساً يقتدي بك الكثيرون..ويستظل تحته العديد.. فكنت خير القائد وخير المعلم وخير القدوة.. وخير الحكيم..وهبك الله صفات جليلة قديرة.. تستمد طاقتها من حوض ديننا الإسلامي الحنيف.. فكنت مرشداً لنا إلى هدي الرسول الكريم.. وآخذاً بأيدينا إلى واحة الإيمان لنرتع في رحابها..
بدأت مسيرة حياتك صالحاً مصلحاً.. حاضناً معلماً.. باراً مبرّاً عطوفاً داعماً.. وسمو أخلاقك.. والدي.. يعكس معدنك الأصيل.. ففعلك موافق لفكرك..
شققت طريقك.. ونور الإله يرعاك.. والرؤية الواضحة تمهد مسيرتك.. والهدف السامي يوصل من حولك إلى الطريق القويم.. فعملت وأجدت..وبذلت واجتهدت..وكان همّك إسعاد الآخرين..وتيسير أمورهم وحمايتهم..واستخراج ما لديهم..وكانت هذه سعادتك..بأن ترى الآخرين سعداء.. استقبلت الكبير والصغير.. واحترمت واحتويت الجميع..وحنوت عليهم..وقدمت لهم يد العون.. قدرت الفاضل.. وأدبت الضّال..
كنت مثلاً يقتدى.. ويحتذى.. خططت وبنيت.. وكنت حريصاً على مصالح الجوف داعماً لها.. فاستخرجت أجمل ما في الجوف.. وكانت روضة غنّاء.. يسودها الأمن والأمان... وحلّقت فوقها حمائم السلام.. فتمددت واستلقت وغفت تنعم بالهدوء والسكينة.. تسود فيها فضائل الأخلاق.. وتحكمها أجمل الروابط الإنسانية.. حميتها من الدخيل والمستغل والهادم.. فالتمّ حولك أفرادها كأسرة واحدة بألفة ومحبة.. كانت السعادة تغمرهم، والألم يوحّدهم.
أحييت من التراث ما حاولت الحضارة أن تنهيه.. فوقفت بفخر واعتزاز لدعم موروثاتنا الأصيلة الجميلة.. فوقفت بجانبها حاضناً وداعماً لها.. لترى النور من جديد فيسلط عليها الضوء وعلى مميزاتها التي تبعث على الفخر من الأعماق..
فكانت المدينةالفاضلة.. هداها أجمل هدية تهدى.. هدية العلم والثقافة.. فوقفت دار العلوم شامخة لتؤدي دورها عبر الزمن.. ليرتقي على أعتابها المتميزون.. وليكونوا هدية عبدالرحمن أحمد السديري للوطن ولأنفسهم..فهو مؤمن دائماً بأبناء الجوف وقدراتهم..
ولم تكن الجوف محط اهتمام الوالد يرحمه الله - ويسكنه فسيح جناته - فحسب. فقد التفت إلى الغاط وفاء لها ولشعابها.. فأعاد الإهداء لها بمجال ثقافي علمي.. وبدعم من حرمه منيرة بنت محمد الملحم.. فتقف الرحمانية شامخة بين نخيلها لتؤدي دورها في مجال العلم والثقافة.. آثارك والدي.. ما تزال شامخة.. تنبض بروحك النبيلة.. إنها عزائي إلى أن ألقاك..
ها أنذا أمدّ يدي لأقبض على تميمة الحياة.. لأعيد لقلبي رضاه بالقضاء.. وصبره على ألم الفراق.. لتخرجني من كهف أحزاني..وظلمته.. رافعة رأسي.. شامخة.. أحث الخطا.. فيكفيني فخراً أنك والدي..وأني أحمل اسمك.. سأسير في هذه الحياة.. ونور الإيمان يضيء طريقي.. وأملي أن يكتب الله لقيانا تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله..وأن يغفر الله لك والدي.. ويغدق عليك شآبيب رحمته..ويدخلك فسيح جناته مع الصالحين والمتقين من عباده.. وإنا لله وإنا إليه راجعون...
... ومددت يدي لألتقط حزني وأضعه في الصرّة مع شديد ألمي.. وخوفي من المجهول.. وتوكلت على رب العباد.. لأتابع المسير في خضم هذه الحياة..