أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن حميد المسلمين بتقوى الله عز وجل والعمل على طاعته واجتناب نواهيه مع احترام حرية الكلمة والتعبير عنها وعدم السخرية بالناس أو الاستهزاء بهم.
وقال فضيلته في خطبة الجمعة يوم أمس بالمسجد الحرام ان الناس تتبادل الكلام فيما بينها للبناء والتفاهم وليس للمواجهة والتصادم وأن من أجل هذا كله فإن الكلمة هي عنوان العقل وترجمان النفس وبرهان الفؤاد والكلمة لها مكانتها ولها أثرها وخطرها.. ومن أجل هذا كله يجب أن يكون لها حريتها.. كما يجب أن تضبط حريتها والحرية مسؤولية.
وأضاف فضيلته انه ليس من المبالغة إذا قيل ان الحياة البشرية بناؤها على الكلمة {وعلم آدم الأسماء كلها} وقوله تعالى {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان}.. وآدم تلقى من ربه كلمات فتاب عليه وابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن.. وكلم الله موسى تكليماً.
وأشار إمام وخطيب المسجد الحرام الى أن دين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم قام على الكلمة وأسس عليها لقوله تعالى {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم}.. والإسلام استقبل الكلمة من السماء بأمانة وأرسلها إلى الناس بحق.. الرسالة والدعوة والتبليغ كل ذلك بالكلمة ما ظل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى والقرآن العظيم الذي تنزّل على محمد صلى الله عليه وسلم هو كلام الله عز وجل وكتاب وهو القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حكيم.
وأكد إمام وخطيب المسجد الحرام بأن الكلمة الصادقة النزيهة تبنى العقول وتشاد الأوطان وهي عماد التربية ان صلحت الكلمة صلح المجتمع كله.. والصدق يهدي إلى البر وللكلمة قوة السيف في البناء والتغيير والإصلاح.. مشيراً ان العاقل من الناس لا يتكلم إلا لحق يبينه أو باطل يسحبه أو علم ينشره أو خير يذكره أو فضل يشكره ناهياً عن الفضول فقال فترك الفضول من كمال العقول.
وأضاف ان بكلمة الحق يظهر البيان وتوصف الأشياء والكلمة تنبئ عن الضمير وتعضل في القضاء وتشفع في الحوائج.. والكلمة تفرج وتحزن وتجمع وتفرق وتبني وتهدم وتضحك وتبكي.. وكلمة تنشرح بها الصدور وأخرى تنقبض لها النفوس.. وبالكلمة تكون التربية والتعليم وتنتشر الدعوة والفضيلة.. ومن اتقى الله ولزم القول السديد اصلح الله عمله وغفر ذنبه.. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم}.
وبيّن فضيلته ان المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ومن يضمن ما بين لحييه وما بين رجليه تضمن له الجنة.. مشيراً أنه هذا هو الإنسان وهذه هي الكلمة في حقيقتها وطبيعتها واثرها فكيف تكون حرية الكلمة وكيف تفهم حرية التعبير فالحرية مسؤولية.. والغاية هي الإصلاح والبناء وليس الهدم والإفساد والتعاون والتفاهم وليس الثقافة والتصادم.. والحرية كلمة والكلمة الحرة قيم حضارية عالية بل انها منجزة من منجزات البشرية الخلاقة ولها المكان الأرفع والاحتفاء الأسمى ومن المعلوم لدى العقلاء ان الإنسان يوزن بكلامه ويحكم عليه من لسانه فالساكت في موضع الكلام محاسب والمتكلم في موضع السكوت محاسب والساكت عن الحق شيطان أخرس وقلم زور اثم وفجور.. وكفى بالمرء اثماً أن يحدث بكل ما سمع.. وكم من كلمة قالت لصاحبها دعني.
وأضاف إذا كان ذلك كذلك فلابد للحرية من ضوابط ولابد من هذه المسؤولية من معايير.. وبغير الضوابط والمعايير تنبت الفوضى العمياء التي تعلي شأن الظلم والظالمين وتزيف الحقائق وتقود إلى النتائج العكسية فيخنق الضمير وتموت الحرية.. وإنما يرعى في ضوابط الحرية وحرية الكلمة والكلمة الحرة الإخلاص وقصد الحق والتجرد من نزغ الهوى والنفس والحذر من توظيف الكلمة لانتصار النفس والعصبية لفئة أو مذهب أو فكرة.. وهذا بغي وظلم فيجب مراعاة الزمان والمكان والأحوال في الحوارات والمناقشات والردود وخطاب الناس يتأكد حرية الكلمة ودقة اختيارها في الحوادث والمناقشات والردود، فلا يتكلم متكلم إلا بدين وإخلاص وعلم.. ويراعي أحوال المخاطبين علماً وثقافة وخوفاً وأمناً وتراعى أجواء الفتن وأحوال الاضطراب والحفاظ على الأمة لاجتماع كلمتها وهدوئها والحفاظ على الجماعة والوحدة.. ويجب تخفيض أجواء التوتر وبسط ثقافة التعاون والمحبة وحسن الظن وابتغاء الحق والتجرد له وقبول من جاء به وحق الاختلاف مع التأكيد اليقين ان هذا لا يتعارض مع حق الدفاع عن القناعات والرد على المخالف بأدب وسلامة قصد وصدر وتلمس للحق في علم وبصيرة وهدى.
وأكد إمام وخطيب المسجد الحرام ان في حرية الكلمة والتعبير تقدر الكلمة بآثارها وما يترتب عليها من مصالح ومفاسد فكلمة الصدق والحق مطلوبة ممدوحة وكلمة الباطل منهي عنها ومذمومة ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.. والمرء يدخل في الإسلام بكلمة ويخرج من الملة بكلمة وضبط الكلام ووزن الحديث من سمات أهل العقل والعلم والإيمان.. {والذين هم عن اللغو معرضون}.
وأشار فضيلته انه بالنظر إلى الأثر والمآلات فقد تجوز الكلمة الباطلة تحقيقاً لمصلحة راجحة أو درءا لمصلحة محققة أو حفظاً للنفس أو صيانة للعرض أو جمعاً للكلمة فيجوز النطق بكلمة الكفر في حال الاكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان.. كما انه لا مانع من الغيبة لغرض صحيح وفي جميع الأحوال لا تجوز السخرية بالناس ولا الاستهزاء بهم ولا التطاول على الحق.. فهذه ليست حرية تعبير أو رأي ولكنها فوضى وهمجية بل سلوك لا يلجه من لا يحترم نفسه ويحترم الآخرين.
1
فجزاه الله كل خير، وجعلها في ميزان حسناته، لقد عالج فيها الكثير من الاشكالات، وبين الكثير من ملابسات حرية الكلمة (هذه الكلمة الفضفاضة) فشكر الله له؛ وشكر الله لصحيفة الرياض نقلها لمضمون الخطبة المباركة.
05:22 صباحاً 2006/04/22