السبت 24 ربيع الأول 1427هـ - 22 أبريل 2006م - العدد 13816

صاحبة الجلالة تتطاول على رسولنا العظيم

علي القحيص

    سوف يبقى المعتقد الديني خطاً أحمر لا يسمح بتجاوزه، ولكن باسم الحرية المطلقة والتي تشذ عن القيم الحضارية والانسانية النبيلة يمكن للبعض أن يفعل ما يريد، ويرى عدد من المحللين عربا ومسلمين وأجانب ان التصعيد بهذه القضية التي نحن في محورها، وبين التصعيد والمقاطعة تظهر دائماً الفئات المستفيدة من الحالة، ودائماً نحن العرب والمسلمين الضحية والخاسرون الاكبر، فأعداء المسلمين سيدخلون بقوة بهذه المعركة مستغلين فعل ردة الفعل العاطفية.

وما أثير من نشر الرسوم الكاريكاتورية في صحف اوروبية وغربية يعتبر مقياساً لحجم التوتر وتفاوت المفاهيم بين العالمين الاسلامي والغربي.

فالحملة على العرب والمسلمين ليست هي المرة الاولى ويبدو انها لن تكون الاخيرة، فالاساءة الى الاسلام تكررت وتمادت كثيراً في الغرب، وهذه الحملة المنظمة المغرضة ما هي إلا حلقة من سلسلة مواقف عنصرية عدائية من جانب الغرب.

وآن الاوان ان تنتفض المنظمات الدولية والمؤسسات الفكرية الاسلامية الرسمية والشعبية وتوجه طاقاتها وجهودها الى عقل الغربي الذي لا يرى من الاسلام سوى القشور ولا يعرف شيئاً عن مضمونه القائم على التسامح والمحبة والنبل والتحاور والتعايش مع الآخر، وينبغي علينا الخروج من دائرة رد الفعل الى نطاق المبادرة وان لا يكون دفاعنا هو عبارة عن ردة فعل غاضبة، بل نجادلهم بالتي هي أحسن، ولو بعث رسولنا الكريم حياً لسامحهم على فعلتهم المسيئة وحاورهم وعادوا مؤمنين!

والرسومات التي نشرت بالصحف الغربية هي ليست وليدة صدفة او رسمة واحدة ليمكن تأويلها وتجاهلها على انها توارد أفكار او محض صدفة ابداً.. والسكوت عنها او تبرير هدفها، انما الرسومات التي نشرت هي 12 لوحة كاريكاتورية من اصل مشاركة عشرين رساما اغلبهم اعتذر عن المشاركة في تلك المسابقة التي زعم الناشر الدنماركي لرصدها للرسامين المدعويين، للمشاركة الفنية المزعومة، ولكن عندما اعتذر الفنانون الذي يحترمون انفسهم وحرفيتهم وهدف رسالتهم الفنية، معتذرين ومفندين الهدف من وراء تلك المسابقة المشبوهة، وانه لا يوجد تجسيد شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم برسومات ساخرة تهكمية وهذه من المحرمات الدينية.

أبلغ الناشر الدنماركي الصحيفة الدنماركية المشبوهة لتتبنى هذا الموقف السخيف الذي لا يليق بمهنة الصحافة ولا بسمعة الفن البصري المحترم، وتجرأت على هذه الحملة المنغرضة والفعلة الآثمة، حيث ان فن الكاريكاتير من الفنون البصرية الراقية الشفافة المعبرة عن ضمير الناس وحرية الكلمة وليس الاساءة لمشاعر الآخرين بأسلوب قبيح وفج ومبتذل، وهو تنصل تام عن القيم العليا للانسانية واخلال بالثوابت المهنية والفنية، ودائماً ما كان فن الكاريكاتير يرمز له بالفن السلس والهادف وينصف الانسان ضد أي تسلط قمعي او اقصاء او خدش وجرح مشاعر الآخرين، ودائماً كان الكاريكاتير هو المنصف لقضايا المجتمع ولخدمة البشرية منذ ولادته الى الآن، ويخدم البسطاء وليس النيل من كرامتهم او المساس في مقدساتهم ورموزهم الدينية.

ليس استهزاء بالبشر

فن الكاريكاتير الراقي يربأ عن الاستهزاء بالبشر وقيمهم ومشاعرهم الدينية والاخلاقية وهو فن الاذكياء في مختلف العطاءات الابداعية عربياً وعالمياً، ولكن هذه الرسومات (الخربشات) الصبيانية المتهورة التي لا تتعدى كونها رسومات اطفال مدرسية لا تخضع لمعايير اسلوب فن الكاريكاتير المحترف والمحترم، وهي لوحات باهتة ومتدنية المعنى والمضمون والهدف، ورسومات كريهة وتبعث للاشمئزاز، وافكار ضعيفة ومريضة ومزرية واساءت ايضاً لمعاني فن الكاريكاتير المرهف السامي المعتدل المتوازن.

رسمها اناس طفيليون مرضى يعانون من خلل عقلي ونفوس شاذة يحملون نظرة ضيقة وذات مغزى استفزازي مخل بالآداب والحياء والقيم، ولو تمعنا بخطوط الرسومات المعنية المشبوهة وفككناها لوجدناها متناقضة ما بين الهدف والمعنى وليس المغزى هو مشاركة مسابقة لتجسيد لوحة كاريكاتورية بحتة تخضع لسلم فني ذات بعد ومعايير فنية كاريكاتورية، وانما رسومات فجة تارة يغيب عنها التكنيك العالي الدقة والبعد الفني والمنظور والمضمون وهي اشكال ومجسمات بذيئة اراد فاعلوها الشياطين ان تمس بكرامة ومنزلة وقداسة مشاعرنا الدينية، ويغلب على هذه الرسومات شخابيط تعبيرية، عارية الجمال والعمل الابداعي وحتى لو اخذنا في الاعتبار جميع المؤثرات والاسباب الخفية، ولا نجد فيها الحس الفني او الاسلوب الابداعي ولا حتى الفكرة القوية التي تحتوي على مضمون تبريري لعملية ابداعية، وهي رسومات تصدمنا بشدة الكراهية والالغاء والاقصاء وتنطوي على نظرية سوء نية وليس ضمن إطار فني تعبيري يندرج تحت مسمى حرية الرأي او فكرة مقبولة ابداً.. وحاولو رساموها تجسيد مكونات طبيعية جامدة اضيف لها تعليق مخز وكلام ركيك يعبر عن الحقد الاسود والشتائم السوقية بلغة سطحية فارغة ركيكة خالية حتى من الجمل والمفردات المعقولة، وتارة صورة قريبة من (الكولاج) واحياناً هي صور مركبة مهتزة خالية من المنظور والابعاد الفنية، لا سيما انها تحمل روحا ونفسا عرقيا متعاليا ومتغطرسا ومتكبرا على وشائج المحبة وروح التسامح والتعايش مع البشر، رسمها مبتدئون مدفوعون بأفكار مشوشة مسمومة بعقول خالية من الرؤية الفكرية والافق المتسع والثقافة والوعي والادراك عارية من المشاعر الآدمية والاحاسيس ينخر فيها الحقد الدفين والكراهية للشعوب والانسانية وكل ما هو اخلاقي وسوي ونبيل، ويجهلون الدين والقيم والمعرفة واحترام الانسان نفسه وخالية من براءة الابداع واخلاقيات الفنان الملتزم برسالته الفنية، ذلك الفن البريء الذي يرفض الخيانة والتغلغل في معتقدات وحرية الآخرين، وهذه الرسومات قبيحة ومقززة وهي مسيئة للدين والأخلاق والقيم والفن نفسه، وقد ألب هؤلاء المدعون الحقد والكراهية على كل فنان يرسم الكاريكاتير لأجل العدالة ونصرة الحق والمحبة والسلام.

والمعتقدات هي جوانب من المعرفة لا تخضع للاثبات أو الرفض عن طريق البحث التجريبي، فديننا الحنيف صريح وواضح وقرآننا الكريم معجز ومنزل ومنزه، ورسولنا سيد الخلق فوق كل الشبهات، وكفى الاحتجاج باسم حرية الرأي والتعبير، والحرية معناها إحترام حرية ومعتقدات الآخر، وليس النيل منه والاستهزاء والاحتقار، وما تردد من اعتذار مبطن أو توضح أو تلميح بالاعتذار هذا لا يكفي وهو محض خيال، ولا يمكن الاستهزاء برأي مليار مسلم يعتقدون بنبوءة سيدهم حامل الرسالة السمحاء، خاتم الأنبياء والرسل معلم البشرية، وطوبى لفاعلي السلام والمدافعين عن غيرة دينهم وشرف كرامتهم وتباً للحاقدين المشككين المهزومين، ونحن لسنا بصدد جلد متبادل حول هذه القضية الحساسة الهامة التي نالت من كرامتنا وتطاولت على ديننا الحنيف ونبينا العظيم، دين الرحمة والتسامح والعدل وصون حرية الإنسان وكرامته، وهذه ليست مجرد شعارات يرفعها الإسلام، وإنما هي مبادئ اساسية راسخة قام عليها بنيان الإسلام، فقد ارسل الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وقد منح الإسلام الإنسان حرية الاختيار حتى في أمور الاعتقاد: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

والمعتقدات مقدسة ومصانة في الأديان السماوية والقوانين الوضعية والأنظمة الدولية، فالأسكيمو (مثلاً) لديهم بعض المعتقدات الثابتة بمقتضاها ممارسة طقوس معينة بواسطة (العرافين) لاخراج الأرواح الشريرة من ابدان المرضى حتى يتم شفاؤهم، ويمكن تبرير سلوك العرافين هذا أياً كانت النتائج!

والقيم هي معتقدات مصدرها الثقافة والتفاعل الاجتماعي بين الأفراد وبين خبرات حياتية معينة، وقد ميز (ميز ميلتون) بين ثلاثة من المعتقدات، وهي المعتقدات الوضعية التي تكون صحيحة أو خاطئة، والمعتقدات التقويمية التي على اساس الحكم على موضوع المعتقد على أنه حسن أم سيء، والمعتقدات الآمرة والناهية، والتي نحن بصددها التفاعل معها في هذا الموضوع مدار البحث، في هذه القضية المحورية، ومن اهم معتقداتنا الإسلامية، حبنا وتقديسنا لمقام النبي الكريم رسولنا العربي صلى الله عليه وسلم، والذي علم الإنسانية معنى المعتقد الالهي والقيم الإنسانية النبيلة التي نفاخر بها الأمم، وقد شغلت هذه الشخصية الآمرة والناهية والمنزهة، شغلت اهتمام العالم كله في علم الاجتماع منذ وقت طويل وكيف تحول النبي الكريم الخالد من إنسان أمي وكائن حي بيولوجي بعد ميلاده الى شخصية دينية عالمية وظاهرة كونية منزهة وقد اختاره الخالق الباري بقوله: {وإنك لعلى خلق عظيم}. من ربى لم يمت.. فالأمة الإسلامية تمرض لكن لن تمت!

ولما لهذه الشخصية المقدسة الإسلامية العظيمة الخالدة أهمية دينية وعالمية فاقت الوصف والتخيل والتفكير والتبصير، أراد بعض اصحاب الانفس المريضة (الفئة الضالة) ومجموعة من الحثالة أن ينالوا من سمعته ومقامه وتهجموا على عظمته بدون اي مبرر برسومات مبتذلة ومخجلة وركيكة وليس لها علاقة بالأسلوب الفني الراقي والابداع أن يعرفهم العالم بهذا الأسلوب الشاذ الرخيص والنشاز، متوقعين ردة فعل المسلمين على هذا الأسلوب المستفز لمشاعرهم، وهو عمل في غاية السوء، مما يؤجج البغض والتفرقة بين الشعوب والتطاول على المعتقدات باسم الحرية ومرفوض عند الإنسان المتحضر الواعي، لأن المعايير هي المبادىء والأحكام والاختيارات التي اكتسبت معاني اجتماعية خاصة خلال التجربة الانسانية، والقيم الحقيقية في ضوء ذلك موجبة ما بين ماهو مرغوب فيه، وماهو مرغوب عنه. وتتربع القيم الاجتماعية عند المتدين صاحب العقيدة الذي يضحي بنفسه من أجل دينه وعرضه ووطنه وماله.

كراهية أم ودية

وما فعلته الصحيفة الدنماركية بنشر مثل هذه الرسومات المسيئة تتحملها هي أولاً ومن ثم من يدافع عنها، وراح يجاريها ويؤازرها ويشاركها الجرم نفسه بعملها المشين، وهذا ينم عن كراهية بدون حدود وربما أن الرد سوف يكون اقوى من المقاطعة التجارية أو النشر بالصحف ووسائل الإعلام، من خلال ما نشاهده يومياً من ثورة عاطفية لحظية، وشعور يطغى على العقل أحياناً، لما قامت به تلك الصحف الغربية وهو تطرف ثقافي وليست حرية رأي أبداً..

ولو أن إحدى صحفنا العربية أو المسلمة نشرت موضوعاً أو رسوماً كاريكاتورياً ينال من معتقدهم أو من رموزهم الوثنية او السياسية لقامت الدنيا ولم تقعد، كما فعلوها من قبل على أبسط الأسباب وأتفهها، ونحن تعودنا أن نرضخ ونستسلم ونلبي ونتسابق لقتل وإهانة رموزنا، ونتذبذب أمامهم صاغرين غير مدركين بأهمية كراهيتهم وحقدهم علينا وعدم احترام ثقافاتنا وقيمنا وهويتنا.

فلماذا راحوا يسابقون دباباتهم عندما تم هدم اصنام (بوذا) وغزوا البلدان الإسلامية، ونعيق صحفهم المزعومة التي تتهمنا بالإرهاب والتخلف والرجعية لم تستطع ان تتطاول او تنتقد احد رموزهم الدينية او حتى تتعرض لقضية (للشواذ والممثلين) والذين يطالبون بحقوقهم وتناصرهم صحفهم (الصفراء) التي تتبجح بحرية الرأي، في بلدانهم ويعتبرونها من المحرمات، ولم تجرؤ صحافتهم او لا تقترب من مقارنة الصهيونية بالنازية مثلاً.. ولماذا يساوون بيننا وبين «الوثنيين» ويدعون بأنهم اصحاب الحضارة والمكانة العليا من العلم والمعرفة والتكنلوجيا، إنها سابقة لم تحدث من قبل للنيل من عظمة ديننا الحنيف ومقام نبينا العظيم، وقد تعدوا اكثر من ذلك بوصفهم بأننا عصابات مجرمة وقتلة وإرهابيون لا نقبل برأي الآخر ولا نتحاور معهم، فالذي قاموا به هل يخضع لسلم المعايير الصحفية وحرية الرأي والتعبير؟!

٭ المدير الإقليمي لمكتب دبي