(1)
شبكة رقيقة تتغلغل وسط مجتمعنا تمنعنا من النجاح والتميز، غشاء يخنقنا بعنف دون رحمة لانعرف مصدره لكنه حقيقة تجعلنا نراوح مكاننا (في افضل الحالات) يمنعنا التقدم للامام وكأنه مركب «جيني» يدمر كل فعل إصلاحي وكل مبادرة للتصحيح نقف حائرين امامه لأننا لانستطيع فعل شيء لإزالته أو حتى تغييره. كلما حاولنا فعل شيء نغير به حالنا وواقعنا نجده ينقلب ضدنا، حتى صرنا ندعو الله البقاء في السكون لأن كل حركة قد تعني التراجع للخلف لا التقدم للامام. وضع مزعج نعيشه وكأننا نقف على جدار فاصل بين هاويتين أي حركة غير محسوبة تعني الوقوع في أحدهما مع اننا نبدو دون مهارة للمرور فوق هذا الجدار دون أن نقع، انه مأزق حقيقي نجد انفسنا متجمدين فيه. انها حالة مزعجة نعيشها تتمثل في عدم الثقة في التغيير حتى صرنا نتشبث بالثبات (لا التثبت) وهي حالة مجتمعية نادرة تجعل الكل يعيش حالة عدم اطمئنان مجتمعي وعدم ثقة في المستقبل. خيوط شفافة لايراها احد تكبلنا وتربطنا بحالة «التدافع للخلف» وتخريب المكتسبات وكأننا في سباق نحو التراجع، فنحن نصعد اقتصاديا (من حيث الشكل لأنه صعود مؤقت دون وجود مقومات بقائه بشكل دائم) ونتراجع إداريا وهي حالة نادرة يعللها البعض على انها حالة انتقالية ملتصقة بعملية التصحيح، فالتجارب السابقة تؤكد ان كل امة تمر بعملية «تجديد» غالبا تمر بحالة عدم اتزان سرعان ما تصل بعدها إلى حالة استقرار. ومع ذلك فأنني أشعر احيانا بأننا وقعنا في فخ العنكبوت وخيوطه اللزجة التي تمتد في كل الاتجاهات لتصنع شبكة رقيقة شفافة. انها تصنع فخا كبيرا يحيط بنا دون أن نشعر به يقتنص كل مبادراتنا نحو المستقبل.
(2)
اعتقد ان هذه الشبكة تقع داخل انفسنا فثقافتنا المجتمعية وأسلوبنا في الحياة وعلاقاتنا الاجتماعية هي التي تصنع هذه الشبكة الرهيبة التي تحبسنا في بوتقة التراجع وإهدار الموارد. كل مؤسسة نقوم ببنائها تتحول إلى أداة شخصية يحاول بها المسؤول ابراز صورته حتى ان المؤسسات كثرت بعدد الاشخاص الراغبين في البروز ولم نجد شيئا له قيمة ظهر للعيان. تتحول المؤسسة ونشاطاتها للعمل على تلميع الصورة الشخصية للذي يقف على قمة الهرم بينما دور المؤسسة الرئيس يصبح هامشيا وأحيانا خارج سلم الأولويات أي في خبر كان. ولا يعتقد القارئ العزيز انني ابالغ هنا لأننا خلال العشرة أعوام الأخيرة شهدنا طفرة مؤسساتية كبيرة لكننا لم نشهد عملا مؤسسيا له قيمة وهذه مفارقة مضحكة لأننا كل يوم ننشئ مؤسسة لكننا لانمارس العمل المؤسسي. ولا اعني هنا ان كل مؤسسة تهدف إلى تلميع من يقف على رأس الهرم فيها إلا أن هذا الأمر هو الغالب ليس لأن العيب في المؤسسة بل لأن هناك خللا إداريا خطيرا يؤمن بالمظاهر ويقدم الشكل على المضمون ويجعل كل مسؤول يستميت من أجل تلميع صورته لأنه على يقين أن احدا لن يسأله عن العمل الحقيقي الذي يجب ان يؤديه (مع بعض الاستثناءات لمؤسسات تمس حياة الناس مباشرة ولا تستطيع الابتعاد عن الحساب مع مراوغاتها الشديدة) وأن كل ما عليه أن يقوم به هو «التطبيل» لشخصه الكريم وتحويل المؤسسة إلى فرقة «فرقعات» اعلامية تهلل له وتصنع منه أحد ابطال زماننا السيئ .
(3)
هذه المفارقة تجعلنا نشعر بأننا لا نتحرك ابدا بل ان وجود المؤسسة نفسها صار يزيد من التعقيدات البيروقراطية التي نعاني منها اصلا، تدخلنا بقوة في فخ العنكبوت القاتل الذي ينتظر فريسته تموت بهدوء وهي مكبلة بخيوطه الشفافة التي يصعب التفلت منها، حتى أن احد الزملاء سمعني اقول اننا يجب ان ننشئ هيئة للمعماريين بسرعة لأنه يصعب علينا ان نعمل تحت مظلة «هيئة المهندسين» فضحك وقال لاداعي لذلك فلو تأسست هذه الهيئة فستعقد العمل المعماري في بلادنا، وعدم وجود هيئة او هيئات افظل لنا. هذا الرجل جرب العمل الاداري في بلادنا ورأس بعض المؤسسات المهمة وله دراية كبيرة بما يحدث في الداخل ولم يعلق هذا التعليق عبثا بل لأنه تيقن أننا لا نعرف ان نبني مؤسسات بروح مؤسسية لأننا ببساطة نبنيها من اجل اغراض اخرى ليس لها علاقة بالتطوير وبالاصلاح فلا نفرح عندما تتأسس منظومات تنظيمية جديدة في بلادنا لأن تأثيرها سيكون عكسيا، وهو ما علق عليه آخر عندما قال ان سوق الأسهم كانت اكثر تحررا وانطلاقا قبل تأسيس هيئة سوق المال، فرغم أن دور هذه الهيئة محوري إلا ان ثقافة المسؤول لدينا تعشق التسلط وبناء الصورة الشخصية المتعجلة فينعكس ذلك على قراراته ويبدأ بممارسة صلاحياته بقسوة وبعجلة دون الالتفات لما يمكن أن تحدثه قراراته من خراب (بينما نجد أن القرآن حرم الخمر على مراحل وحسب الظروف المجتمعية التي كان يعيشها المسلمون في ذلك الوقت)، فقرارات هيئة سوق المال ليست إصلاحية بقدر ما هي محاولة اثبات للوجود حتى ولو على حساب المصلحة العامة (ولا نقول هنا ان القرارات كانت خاطئة لكنها كانت متعجلة ولم تأت في وقتها الصحيح).
(4)
ثقافة المسؤول التي تتمحور حول الذات وتأكيد الصورة الشخصية يمكن أن نراها في وزارة العمل وقراراتها المتعجلة التي لم تحاول ان تتواصل مع الواقع بل ولم تحاول ان تتبنى ثقافة عمل جديدة تغير به الواقع، فمع وزيرها الجديد (الدكتور غازي القصيبي، الذي اكن له كل تقدير واحترام) كان لابد أن يظهر الوزير بحضوره الاعلامي والثقافي ودوره القديم/الجديد في البناء المؤسساتي في بلادنا كمنقذ لثقافة العمل، لكنه لم يفلح ولن يفلح ابدا لأن كل قرارات وزارة العمل لم تحاول بناء قاعدة مهنية احترافية تبدأ من تطوير مؤسسات التدريب للمهن الصغيرة ورمت بالثقل والمسؤولية كلها على اصحاب الاعمال وطالبتهم ان يكونوا مؤسسات خيرية لا مؤسسات للعمل ورافدا اقتصاديا لبناء منظومة اقتصادية متكاملة. انه من السهل علينا يا معالي الوزير اتخاذ القرار لكن هذا لايعني انه سيكون قرارا صائبا أو انه سيحدث تغييرا حقيقيا. ممارسة التسلط هنا واضحة طالما ان الجهاز الاداري في الدولة يتيح الفرصة للمسؤول ان يتخذ ما يريد من قرارات دون ان يحاسبه.
(5)
لكل قرار استجابة ولكل استجابة تأثير ويجب أن يقيم هذا التأثير ويحاسب من احدثه سواء كان ايجابا أو سلبا ويجب أن يكافأ المحسن ويعاقب المسيء أما ان تترك كل الخيوط بيد المسؤول هو الذي يقرر وهو الذي يقيم وهو الذي يكافئ نفسه (لأنه لن يعاقبها رغم انني تفاجأت بردة فعل مدير تعليم منطقة الجوف الذي قدم استقالته من منصبه نتيجة لخطأ يعتقد ان ادارته مسؤولة عنه وهي بادرة نادرة في بلادنا). اقول إذا كانت كل الخيوط بيد المسؤول فكيف لا تتشكل شبكة العنكبوت التي تخنقنا وتدمر كل مكتسباتنا طالما ان نظامنا الاداري هو الذي يتيح لهؤلاء بناء هذه المنظومة «العنكبوتية» التي جعلت من كل مواطني هذه البلاد في افخاخ يومية تبدد اوقاتهم وتهدر مواردهم ولا تتيح لهم اي فرصة للهدوء والتفكير في المستقبل بل وتربيهم على مخالفة النظام والتحايل على القانون والبحث عن الواسطة.
(6)
حتى المؤسسات المنتخبة (المجالس البلدية وبعض الهيئات المهنية) والمؤسسات الحوارية (مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني) والمؤسسات الشورية (مجلس الشورى) والعديد من المؤسسات التعليمية والخيرية جميعها تمارس ادوارا متقاربة في بناء صورة بعيدة عن الواقع تلمع البعض وتقدم البعض كأبطال دون التفكير في المصالح الوطنية العليا (ولعلي استثني مجلس الشورى في تحولاته الأخيرة التي اتمنى ان تقوى ويشتد عودها فالأمل ان يكون هذا المجلس هو جهاز المراقبة والتقييم في بلادنا). ولعلي أثير مسألة مهمة اثارها كثير من الزملاء حول ممارسة العمل في بلادنا، وكانت الملاحظة حول المؤتمرات والندوات التي تعقد عندنا بأنها مستعجلة وهدفها اعلامي بحت، لاتهدف إلى تأسيس عمل ثقافي ومهني له قيمة وقد كنا مؤخرا في عدد من الندوات التي لم تهدف لشيء إلا ليقول بعض الناس وتقول المؤسسة التي نظمت المؤتمر اننا نعمل وأننا موجودون. لقاءات تكلف مئات الآلاف من اجل ان يقول البعض «نحن هنا» وهي نفس الحالة التي نجد عليها مؤسساتنا التي تنفق ملايين الريالات من اجل ان يقول البعض «اننا نعمل» (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض). لنسلم بالأمر الواقع ونقول ان ثقافتنا المجتمعية تدفع إلى عدم الانتاج الحقيقي لأنها لا تعي قيمة الانتاج ولا تحث عليها. حتى ان افراد المجتمع باتوا لايهتمون إلا بالصورة دون الجوهر وصاروا يبحثون عن «الهاي ويز» كأقصر طريق يوصلهم لأهدافهم وكما هو معروف فإن الطريق السريعة لا تقف عند التفاصيل والسفر بالطائرة ليس تجربة سفر حقيقة بل هو مجرد ركوب من أجل التوصيل، وثقافة مسؤولينا ان لم تكن ثقافة وصول بالطائرة فهي على الاقل عبر الطرق السريعة وليعش المجتمع كله بعد ذلك معاناة التفاصيل القاتمة التي تصنعها مؤسساتهم.
(7)
الشرنقة العنكبوتية التي تحاصرنا يجب أن نحاول ان نفككها وإلا سوف نموت هكذا واقفين ومتفرجين. ولا اكذبكم القول انني صرت مقتنعا بأن كل مؤسسة جديدة لدينا لايعني ابدا تحولا ايجابيا بل صرت اضع يدي على قلبي من الخراب الجديد التي ستحدثه هذه المؤسسة طالما ان ثقافة التسلط والانفراد بالرأي وغياب المحاسبة هي اهم «بنودنا» الادارية فكل مؤسسة جديدة تعني تسلطا جديدا وبيروقراطية جديدة وهدرا للمال العام في غير محله. لذلك فانني ارى انه بدلا من ان ندعو لبناء مؤسسات جديدة يجب ان نؤسس مؤسسة لمراجعة وتقييم جميع المؤسسات رغم انني مازلت اعتقد أنه حتى هذه المؤسسة سوف تكون مؤسسة متسلطة جديدة وربما تكون «ام المؤسسات المتسلطة» وهو أمر يجعل الواحد منا في حيرة فهل نفكك كل المؤسسات ونعيد بناءها أم انه يجب علينا ان نبحث عن ثقافة ادارية جديدة مبنية على المشاركة والمحاسبة، سؤال اتركه للقارئ الكريم كي يجيب عليه.
nmashary@yahoo.com
1
صدقت والله يا مشاري النعيم...
06:51 صباحاً 2006/04/22
2
تحية طيبة للدكتور مشاري النعيم..
لم تفلح يادكتور في اقناعنا بان وزير العمل لم يفلح في ترسخ ثقافة العمل لدى فئات المجتمع. فانا من اشد المعجبين بسياسات الدكتور غازي في سعودة الوظائف. وهو لم يتخذ القطاع الخاص كجمعيات خيرية للتوظيف.. بل نحن من يرى بان القطاع الخاص قد أخذ تسهيلات وقروض من الدولة بدون فوائد ولا تسدد احيانا ايضا لاقامة مشاريع صناعية ومستشفيات وغير ذلك.
فمن هذا المنطلق نرى ان على وزارة العمل ارغام القطاع الخاص وخاصة تلك المؤسسات التي حظيت بحوافز من الدولة ان يضغط عليها اولا في سعودة وظائفها ومن ثم يتجه الى المؤسسات الاقل استنفاعا من الدولة وهكذا.
ونحن نؤيد تسلط وزارة العمل على القطاع الخاص غير البار بابناء جلدته. فهذا القطاع اعتاد على الدلال وفي الوقت الحالي نسمع طنطنة تهديد الهجرة الى الخارج.. ويشبهون الابن المدلل الذي يهدد والده بالهرب الى الشارع.
12:08 مساءً 2006/04/22
3
اعدك اخي العزيز ان اكتب موضوعا مفصلا عن الموضوع فما ذكرته في المقال هو مجرد للتدليل عل أن نظامن الاداري بحاجة إلى مراقبة ومسائلة ليس إلا أما بالنسبة لقرارات الدكتور القصيبي فينقصها شيء واح اساسي هو تأسيس مدارس للتدريب للمهن البسيطة مثل الحلاقة واعمال البناء والنجارة والميكانيكا تهتم بممارسة العمل كما هو معمول به في كل دول العالم فعندما نستقدم عامل حدادة أو بناء أو حتى حلاق نجده يحمل شهادات من مدارس تدريبية تؤكد انه متمرس على المهنة التي يعمل فيها...المسألة ليست في اجبار القطاع الخاص على توظيف السعوديين فلا اعتقد ان هناك من يرفض توظيفهم وان وجد فقلة لكن ليس من المفروض على القطاع الخاص ان يوظف من لايفقه في العمل وإلا اصبح الأمر عمل خيري...وما زلت عند وعدي لك بالتفصيل في مقال قادم بإذن الله
12:20 مساءً 2006/04/22
4
نتفق مع الكاتب في طرحه وتحليله لشبكة العنكبوت 0 هي تتكون من عدة عناصر تطرق الكاتب لمعضمها، وأهمها ( شخصنة ) الوظيفة 0 ولن نتكلم عن الوظائف الكبرى، لكن لنضرب مثل بسيط في بعض الوظائف الحكومية خلال العقدين الماضيين 0 كانت أسطورة لسبب بسيط هي ( الوجاهة فقط) في نظر الكثير منهم 0 لكن لو تسأل الموظف عن أهدافه ومساهمته في تطوير الجهاز الذي ينتسب إليه لصارت الاجابة والنتيجة (صفر) 0 والسبب الآخر غياب القيادي ( التنفيذي ) القدوة إلا ما ندر 0 بل هم سبب الكثير من أزماتنا، وهم من كرس ( الواسطة) وتقريب المتملق وابعاد الكفؤ 0
وأختلف مع الكاتب في نقطتين :-
الأولى : ليس كل هيئة مجرد سلطة جديدة سلبية، فهناك هيئات نشطة مثل الاستثمار والسياحة، لكن يجب أن لا تكن قراراتها في منأى عن النقد والمراجعة0
الثانية : موضوع وزارة العمل ونقول هنا ( الله يعين وزير العمل ) 0 لكن الحقيقة أن الشباب لم يعرفوا أن هناك وزارة عمل إلا بعد أن تولى الحقيبة معالي الوزير الحالي، وهو لم يطلب المستحيل 0 لم يطلب طرد عمال المصانع والتقنيين والفنيين والاطباء وكبار موظفي القطاع الخاص واحلالهم بعمالة وطنية 0 فقط بدأ بطلب سعودة مهن عادية يمكن شغلها بسهولة ( محلات ذهب تخليص جمركي سيارات أجره مكاتب سفر وسياحة - بيع - تعليم في مدارس أهلية) ومع هذا لم يسلم من احتجاجات القطاع الخاص وأصحاب المصالح ( البعيدين عن قضايانا الوطنية ) 0
01:31 مساءً 2006/04/22
5
الاخ العزيز ماجد...اشكرك على الرد لكن في ما يتعلق بمسالة وزارة العمل مازلت ارى ان ثقافة العمل لا تجزئ أي ان الوزارة لايمكن ان تغير الواقع بحلول جزئية بل يجب ان تكون لديها حلول بعيدة المدى لا مسكنات...اما توظيف السعوديين فقط في المهن التي ذكرت فلن يحقق هذا هدف يذكر على المدى البعيد...وهو ما يدعونا لدعوة الوزير "لكلمة سواء"
ولك تحياتي
02:04 مساءً 2006/04/22
سجل معنا بالضغط هنا