بحث



الخميس 22 ربيع الأول 1427هـ - 20 أبريل 2006م - العدد 13814

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال


تساؤلات حول «ثقافة العنف»

    في الأساطير كما في الواقع الذي انطلقت منه، يتبدّى العنف بوصفه «مُرضِع» التاريخ والحضارات. وهو التحدّي الأول الذي يواجه البشرية منذ نشوئها حتى اليوم. لكن كيف يواجه الإنسان العنف، الفردي والجماعي على السواء؟ هل العنف طاقة، وإذا كان كذلك فكيف يمكن التعاطي معه، وكيف يمكن لجمه أو تحويره وتصريفه في اتجاه آخر؟ وهل يكمن سرّها في الجانب النفسي أم في الجانب البيولوجي البحت وفي خريطة الجينات نفسها، وهذا ما ينكبّ على دراسته البحاثة والعلماء في الغرب منذ أكثر من ربع قرن؟

والحروب، هل هي قدر الإنسان على الأرض؟ ينقضها ويهجيها، وفي الوقت نفسه يمارسها كأنها أحد شروط وجوده. كأنّ موته شرط قيامته. وكم من الحضارات ولدت على أنقاض الإبادات والهدم. مع المشروع الأوروبي في إبادة الهنود الحمر في أميركا، انطلقت عجلة التقدّم الغربي، واتضح كيف أنّ الثورة العلمية والمعرفية وحدها لم تكن كافية وحدها من أجل إحداث ذلك التقدّم.

لكن ليست هي حال العنف دائماً. أحياناً لا يؤدّي كرنفال العنف إلاّ إلى مزيد من الخسائر والأوجاع والهزائم، لا هزيمة العدوّ وحده بل هزيمة الإنسان ذاته ضمن شرطه الإنساني وضمن وجوده في العالم. وما شهدناه في الحربين العالميتين، وما نشهده اليوم من حروب في العالم، مرئية كانت أو غير المرئية، يكشف لنا عمّا يتهدّد الجنس البشري بل والأجناس الأخرى على سطح هذا الكوكب. ويكشف لنا، في زمن صعود الأصوليات والتعصّب من كلّ جانب، ومع التطوّر التقني والتكنولوجي وبحسب كيفيات استعماله، كيف أننا ندخل مرحلة جديدة في التاريخ لا تشبه ما سبقها.

في افتتاحيته التي نشرت نهاية مارس الفائت، يكشف الشاعر سعد الحميدين عن وجه جوهري من وجوه العنف المتفشّي هذا، واضعاً يده على الجرح حين يتناول تلك المفاهيم التي يُنظَر إليها بوصفها ثوابت، «حقائق لا تقبل النقاش»، والتي لا ينتج عنها إلاّ التنابذ والتناحر ورفض الآخر. وذلك كلّه ضمن حيز مغلق لا يقبل بالحوار والجدل ويرفض السؤال والتساؤلات المحيية ولا يستريح إلاّ للإجابات الجاهزة المميتة.

في هذا السياق، يقول الحميدين ما يختصر ثقافة العنف التي تأتي، بحسب رأيه، «عندما تنبع من ذات حصرت نفسها في إطارها الذي ترى أنه هو الإطار الصحيح بكلّ النسب ولا سواه تكون شرارتها الأولى برفض كلّ شيء عدا ما تؤمن به أنه هو المحصّلة لكل حياة. في اتكاء على إيديولوجية لا تقبل إلاّ نفسها ولا يكون الحوار إلاّ في دائرتها هي وما عدا ذلك فلا مكان له ولا يمكن قبوله»...

لا يشير هذا الكلام إلى منطق الإقصاء فقط، وإنما أيضاً إلى المنبع الذي يختزن العنف وإلى الخزّان الذي يمدّ النفوس بالأحقاد وقوداً للحروب. ألا يقول أيضاً العالِم الفرنسي فرنسوا جاكوب الحائز على جائزة نوبل للطبّ، في كتابه «لعبة الممكنات»: «ليست المصلحة وحدها هي التي تدفع البشر إلى التقاتُل، بل أيضاً الدوغماتية. فلا شيء أكثر خطراً من اليقين بأننا على صواب. لا شيء يسبّب دماراً أكثر من التشبّث بحقيقة يتم اعتبارها أنها حقيقة مطلَقة. كلّ الجرائم التي اقترفت في التاريخ هي نتيجة تعصّب ما. كلّ المجازر التي ارتُكبت باسم الوطنية الحقّة، والسياسة الصحيحة، والإيديولوجيا العادلة، أي باختصار، باسم المعركة الموجّهة ضدّ حقيقة الآخر...».


  التعليق مقفل لإنتهاء الفتره المحدده له

عودة الى ثقافة الخميس

اضافة للمفضلة نسخة للطباعة ارسل المقال احفظ المقال أعلى







صفحة البداية | نسخة أجهزة كفية | RSS اعداد سابقة | جوال الرياض | القسم التجاري | اتصل بنا | الاعلانات | الاشتراكات

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 1999-2008 .
تصميم وتطوير وتنفيذ إدارة الخدمات الإلكترونية