
قبل سنوات كان التلفزيون السعودي يدعم الدراما المحلية دعماً كبيراً لا ينكره احد، فالمسلسلات السعودية على اختلاف أنواعها وتباين مستوياتها كانت تمنح الملايين دون حساب ودون اهتمام بقيمة ما تقدم. بل حتى أن المسلسلات العربية التي تسمح بمشاركة ممثل سعودي ضمن طاقهما كانت تُعامل معاملة خاصة وتُشترى بسعر استثنائي.
وكان ذلك بهدف توفير المناخ الملائم لإبداع الفنان السعودي، وخلق كافة الفرص أمامه كي يتألق ويطور من ذاته ومن الدراما السعودية ككل. فالمادة التي تشكل العائق الأكبر أمام الفنان إذا ما توفرت له بغزارة فإن أفكاره الخلاّقة ستجد الفرصة لترجمتها كما يحب ويرتضي. كان هذا المأمول. لكن الذي حدث هو أن هذا الفنان (الحقيقي)، المستهدف أصلاً، تراجع قليلاً إلى الوراء مفسحاً الطريق للدخلاء الذين أفسدوا علينا الفن وقدموا مسلسلاتهم الهزيلة شكلاً ومضموناً وامتصوا الملايين من ميزانية التلفزيون دون وجه حق. ولم يُقدّر لهذا الهدر المادي أن يتوقف إلا بعد أن أمر معالي وزير الثقافة والإعلام إياد مدني بإيقاف وتجميد (فكرة) التعميد..
إن أبرز حسنات هذا القرار هو أنه قضى تماماً على الطفيليات الدخيلة التي لا تعرف عن (الفن) سوى أنه وسيلة عيش وارتزاق، وليس همّاً وفكراً ورسالة عظيمة يلزم العناية بها ومنحها القدر الذي تستحقه من الإجلال والتقدير. فالذي يجري الآن هو أن التلفزيون بات لا يعطي المال إلا بعد أن يرى العمل جاهزاً وبعد أن يقيمه تقييماً فنياً صارماً يقرر بواسطته مدى استحقاق هذا العمل العرض من عدمه، شأنه في ذلك شأن بقية التلفزيونات والقنوات الفضائية التي تحترم نفسها ومشاهديها. فالمسلسل الجيد هو الذي سيمنح حق العرض، والسيئ سيتم تجاهله وكأنه لم يكن. وطريقة العمل هذه قضت تماماً على الفكرة التي ترسبت في أذهان المنتجين السعوديين التي كانت ترى التلفزيون السعودي أشبه ما يكون ب (جمعية خيرية) تمنح المال دون مقابل وتدعم دون شروط.
أيضاً فقد أنهى هذا القرار سنوات من الدلال الذي غرق فيه المنتج السعودي حين كان (يثق) بأنه سيحصل على المال مهما عمل، وبأقل جهد، فالأمر مضمون بالنسبة له والشيك مصروف من الأساس. وهذه (الضمانة) قادت الدراما السعودية في السابق إلى (الترهل) و(التفسّخ) والهبوط والتدني في كل مستوياتها الفكرية والتقنية. والأمر شبيه بذلك الطفل الذي تدلله وتمنحه كل ما يريد حتى إذا كبر فسُد ولم يستطع مواجهة الحياة بالجدية المطلوبة. فهو (فاسد) لأنه كان (يضمن) مجيء كل شيء إليه. ولو أنه ربّي على الحرمان، أو العطاء بحدود، لربما استطاع أن ينتج ويثمر ويضيف شيئاً إلى هذا الوجود.
ومن هذا الباب يأتي حرمان المنتجين السعوديين من العطاء. فهو تربية لهم على الاعتماد على أنفسهم ومحاولة خلق وابتكار كافة السبل الموصلة إلى الجمهور. والأهم من ذلك إجبارهم على اختراق دائرة التنافس الشرس مع المسلسلات العربية المتميزة التي حجزت أماكنها المسبقة في خارطة القنوات الفضائية الخاصة. وقد جاءت الثمار سريعاً فبتنا نرى هؤلاء المنتجين وهم يتنقلون بين هذه القنوات متراكضين من أجل تسويق أعمالهم، فنجح البعض في تحقيق شيء من ذلك، وتمكن الآخر من تحقيق عوائد أزعم أنها أكبر مما كان سيأخذه من التلفزيون ابتداءً.
إن الفكرة التي ينبغي أن يستقيها المنتجون من هذا القرار هو أن البقاء للأصلح والأجود ولا مكان للمجاملات. فالسوق لن يرضى إلا بذلك المسلسل المتقن الجاذب للمشاهد ومن ثم الجاذب للمعلن. ووفق هذه الصيغة سيسعى المنتج مرغماً إلى تطوير أدواته حتى يستحق امتلاك قطعة من وقت البث. ومن المال أيضاً. وحسبك أن تتنقل اليوم بين القنوات الفضائية لتشاهد ثمرة هذا القرار وكيف أن المسلسلات السعودية بدأت منذ الآن في احتلال موقع -وإن كان على استحياء- ضمن خارطة بث هذه القنوات. فمن مسلسل (اخواني أخواتي)، مروراً بمسلسل (خذ وخل) الذي بثته قناة الmbc، وانتهاءً بالمسلسل الشبابي ذو الفكرة المبتكرة (المشهد الأخير) الذي يعرض الآن على قناة دبي الفضائية، وغيرها الكثير، فإنك سترى مسلسلات جيدة ومقبولة وخالية من كل ملامح السوء والبشاعة التي كانت تحويها الدراما المحلية في الماضي . الآن أنت تستطيع أن تشاهد عملاً سعودياً دون حاجة إلى استعمال المسكنات. وأعتقد أنه لولا تصرف معالي الوزير إياد مدني لما وصلنا إلى هذه النتيجة المرضية التي تشي بنوع من التطور. لكن تبقى هناك خطوة على التلفزيون السعودي أن يقوم بها وهي أن يحتوي هذه الأعمال الجيدة وأن يسعى إلى شرائها وعرضها من جديد على مشاهديه، خاصة بعدما أثبتت نجاحها، فأن تدفع المال في ما (يستحق) ليس خسارة أبداً.. وهذه المسلسلات تستحق.. والمشاهد السعودي كذلك يستحق أن نبحث من أجله عن كل ما هو (جيد)..