الثلاثاء 6 ربيع الأول 1427هـ - 4 أبريل 2006م - العدد 13798

الملك عبدالله.. والخروج عن المألوف العربي

    لم يخرج الملك عبدالله في خطابه بمجلس الشورى عن مألوفه المعروف عنه فهو ذلك الصريح الصادق القريب جداً إلى يقين الناس تماماً مثلما هو «الأخ والأب والصديق»..

هيبة التقدير هي ما تضعه في موقع خاص وليست رهبة الخوف ما تعزله عن الناس.. بكل ضخامة مشغولياته هو دائماً القريب إلى الناس.. تلك خاصية ينفق معظم القادة - إن لم أقل كلهم - الكثير من المال والجهد والترهيب.. كل حسب موقع أمته من الوعي.. شعوب واعية يحبب لها القادة ببرامج لجان متخصصة وأخرى متخلفة إن لم تشترَ بالمال فهي تساق بالقوة.. هذه الخاصية التي جعلته «أباً وأخاً وصديقاً» إنما ترسخت بتلقائية عند الغالبية العظمى لأنهم يشعرون بصدق وحقيقة تفاعله مع مشاكل مجتمعه الخاصة..

لكل مجتمع في ذروة الرقي الحضاري أو في غيبوبة التخلف البدائي، ولا علاقة هنا لصفة غنى أو فقر وإنما لمستويات وعي، لكل مجتمع مشاكله الخاصة.. وفي دول الرقي الحضاري هناك مواجهات مكشوفة مع تلك المشاكل تلاحقها دراسات ومتابعات متخصصة.. أما دول التخلف فإنها لا تواجه مشاكلها بحقائق كينوناتها وطبيعة تعقيدات وجودها.. يلجأ الزعيم لأن يخرج على الناس بمبالغات الأماني وترف الأحلام.. ونحن في العالم العربي أكثر من تخصص بظاهرة الخطابة.. تلك التي كانت وقوداً مغرياً وبراقاً لمشاعر الناس في شوارع القاهرة ودمشق وبغداد والخرطوم وعدن.. سنوات قاربت النصف قرن والمواطن يقتات خطابة الزعيم ويشعر بالزهو أن العامل الأمي عضو في مجلس إدارة الشركة وأن الفلاح الأمي مثله يحتل مكاناً يمثل فيه الأمة.. ولم يسأل مواطن الآخر: لكن ما هي ربحية تلك الشركات ومستواها المالي وكيف هو أداء تمثيل الأمة؟!..

الملك عبدالله لم يقدم نفسه في مجلس الشورى وهو الخطيب الناثر لبريق الأحلام ولكنه تحدث وبإيجاز مع الناس فيما شاركوه مهمات النجاح فيه.. نشراً للاستثمار وتطويراً للتعليم ومحاصرة للفقر وكسراً لقيود الروتين..

أجواء جميلة وواقعية لم تهبط من سماء الأحلام لكن الناس عايشوها في واقع حياتهم.. الشورى الذي بدأ وسط علامات استفهام قلقة أثبت حضوراً مطمئناً بتوالي نجاحاته.. الشورى الذي هو وجود قديم ولكنه كممارسة فعلية ولد على يد الملك فهد بن عبدالعزيز - رحمه الله - كواقع تقييم دارس مع إجراءات التحديث الإداري دفع بالدولة إلى الأمام في مواقف خياراتها.. وهو أي (الشورى) نموذج الإسلام في توفير ديمقراطية النخبة وليس التسابق على مهمات إغواء العامة..