شيء ما..
اسمحوا لي أن أبدي انبهاري وإعجابي بمن يعشقون الحياة حتى في كهولتهم بل وشيخوختهم.
هذه الحياة التي خلقنا الله لنعمرها، واستخلفنا فيها، وعمارة الأرض من مقاصد الله من الخلق: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}.
وتقتل بعض الثقافات، طموح الإنسان في التعمير مبكراً، وآماله في الاستمتاع في الحياة في أعمار مبكرة. ومن هذه الثقافات ثقافتنا العربية، التي ما فتأت أمثالها تركز على أن «العلم في الكبر كالنقش في الماء»، مع أن في الأثر: «اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد».!
وعندما كنت مراهقاً، كنت أتمنى أن أقود سيارة رياضية ذات بابين اثنين لا أربعة أبواب كما جرت العادة. لست أدري هل كان من سلبياتي أم من إيجابياتي أني لم أعش سني المراهقة كما أترابي وأبناء جيلي، فقد كنت أتوق إلى مصاحبة من هم أكبر مني سناً، وكان الفارق بيني وبين أصدقائي لا يقل في العادة عن عشرة أعوام!
انعكس هذا السلوك في المخالطة على مزاجي في تلبية أمنياتي وزجري لنفسي عن تحقيق رغباتي، وعندما سافرت إلى الولايات المتحدة للدراسة وكنت ابن ثمانية وعشرين عاماً، وجدت أن من الأنسب لي عملياً واقتصادياً أن أشتري سيارة عائلة (فان)!
رضخت لمنطق وضعي الاقتصادي والعملي، ولفظت أمنية المراهقة، فاشتريت الفان، ولما ركبته ظننت أني وأدت أمنية السيارة السبور، ذات البابين، مع أني حينها ليس لدي إلا طفلين لا يبلغ أكبرهما أكثر من ثلاث سنوات!
وبعد أول قيادة للسيارة الجديدة، أحسست بتلاشي الأمل والأمنية، فمنذا يركب سيارة رياضية بعد الفان، ووجدت في الأدب العربي ما يسند ظني على لسان زهير بن أبي سلمى حين قال:
وإن سفاه الشيخ لا حلم بعده
وإن الفتى بعد السفاهة يرشدُ
لا تسألوني كيف صنفت نفسي شيخاً في الثامنة والعشرين؟! لكنه منطق تفكيري آنذاك، ومن النادر أن نعارض بعقل ومنطق منظومتنا الذهنية عندما تعصف بنا الأفكار ذات اليمين وذات الشمال!
لم يجعلني شيء أراجع أفكاري تلك سوى مناظر الشيوخ والعجائز وهم يمتطون سيارات لو امتطاها في بلادنا ابناء الثلاثين عاماً لصنفوا من السفهاء استناداً على منطق زهير!
لقد رأيت الناس في أميركا لا يستمتعون بحياتهم إلا عندما يكبرون، ورأيت المجتمع يقدر كبار السن ابتداء من التخفيضات الخاصة بهم في صالونات الحلاقة وليس نهاية بتمييزهم حتى في الإعلانات التجارية.
بالأمس القريب، تذكرت كل ذلك، وأنا في صالة الانتظار في مستشفى كبير في نيويورك، عندما رأيت عجوزاً في منتصف الستينات من العمر ترافق والدتها التي تمتطي كرسياً متحركاً. كانت الأم في الثمانينات من عمرها تقريباً، وقد لفتني أنها اختارت لما تبقى من شعرها تسريحة خاصة، وأنها تضع أحمر الشفاه على شفتيها المتجعدتين!
ربما كنت أرقب المشهد بمزيد من (اللقافة) ما جعل العجوز الأم تلاحظ اختلاسي النظرات صوبها وابنتها الستينية بين الفينة والأخرى، وهو ما استدعى ان تلجأ الفتاة التي تمخر عباب العقد التاسع من عمرها إلى شنطتها اليدوية، ولمّا حاولت أن أتوقع ما ستخرجه من الحقيبة، احترت في التفكير، فلم يقطع حبال حيرتي إلا مرايتها الصغيرة وهي تنظر إليها وتصوب أحمر الشفاه من جديد صوب شفتيها المزمومتين، في إشارة إلى أن من يعش الحياة يجب أن يستمتع بها بعيداً عن السأم الذي روجه لنا زهير أيضاً، استناداً على أن كلاً من يعش ثمانين عاماً، لا أبا لكَ، يسأمِ!
www.turkid.net