ماذا لو ذهب بنا الاحتمال بأن هناك معلومات وصلت إلى أمريكا من مخابراتها أو من طرف متعاون معها في التجسس، وقالت تلك المعلومات إن الصين، أو روسيا، أو كوريا الشمالية مثلاً، تنوي ضرب الولايات المتحدة عسكرياً ومن ثمَّ قامت أمريكا بتحليل روايات تلك المصادر، وعمدت إلى القيام بضربة استباقية سواء كانت نووية، أو مدمرة بأسلحة حديثة، ثم تبين بعد ضربات بين الطرفين، أن العملية لا تعدو دسيسة من شخص، أو مجموعة أفراد يعملون في استخبارات تلك البلدان، استطاعوا تضليل أمريكا وجرها إلى مثل هذه الحماقة، قد يقول آخر إن تلك الأفكار سريالية خيالية، لأن دولة عظمى بحجم أمريكا لا يمكن أن تتصرف بإشعال حرب نووية، وأن قرارات كهذه لا بد أن تُطرح على كل الواجهات التي تساهم بصُنع القرار، لكن من يعرف كيف بدأت تتكشف أسباب غزو العراق وبأن اليقين من وجود أسلحة دمار شامل يمتلكها صدام، جاء من مصادر متعددة، رغم شكوك المفتشين الدوليين، وأن آخر من تم كشف أوراقه وزير خارجية العراق زمن حكومة صدام السيد ناجي صبري، وقبله أحمد الجلبي، وربما متعاونون آخرون، استطاعت أمريكا اتخاذ قرارها بالحرب بناءً على ما قدمته تلك المصادر، مما يجعل الاحتمالات تتكرر بسيناريوهات جديدة، ومصدر الخطر أن مجلس الأمن، والأمم المتحدة، والحلفاء الغربيين، باستثناء بريطانيا، حاولوا إيقاف الحرب، لكنها نفذتها من جانب واحد ثم كانت الحقائق مثيرة للدهشة حتى لأعضاء حكومة الرئيس بوش نفسه الذين لم يجدوا تبريراً مقنعاً في أسباب شن تلك الحرب، والتي توالت آثارها لتصل إلى ورطة قد تفجر المنطقة الحساسة جداً، لو حدث تصرف مماثل مع إيران..
صحيح أن للدول العظمى مبرراتها في تصرف عسكري، أو سياسي، لكن أن لا تكون الضوابط منسجمة مع الحدث، أو أن الدول الكبرى يمكن تضليلها، فالخطورة تكمن بأن قرارات الحروب تبدأ من خلال خطط، وتنتهي إلى عبثية، إذ لم تُحسم مثل هذه التصرفات أن لا ينزلق العراق إلى ما يشبه الحرب الأهلية، وأن لا تُقسَّم الكوريتان إلى شمالية شيوعية، وجنوبية رأسمالية، وأن تعجز كل المحاولات عن حل القضية الفلسطينية، أو الثقوب الصغيرة في الكرة الأرضية التي لا تزال تتحارب، أو تتهيأ للحروب.
عموماً نطاق المشكلة مخيف جداً، وحتى مع افتراض أن أمريكا قامت بصفقة مع إيران للمشاركة في حل تعقيدات الوضع في العراق، فإن قراءة دقيقة لما قد تؤول إليه المشكلة، تبقى أمراً ضبابياً مجهول النهايات، وتلك واحدة من حالات فشل كثيرة تورطت بها أمريكا..